سئلت فيروز (الرحابنة) لماذا لا تغنّي للزعماء ؛ قالت أغني للبلاد لأنها باقية .
“علبة السعادة” رواية للكاتب الروائي الليبي محمد الأصفر نشرت 2019 في القاهرة عن دار إبييدي .
لكم أن تتصوروا سعادتي بعد سنوات طويلة من حرماني الكتب الورقية تصلني أحيانا من الأصدقاء كتب من لحم ودم ، ما يجعل متعتي مضاعفة بالمحتوى وبحمل الكتاب واستعادة عادتي بالقراءة .
وصلتني الرواية البارحة مساء ، ولم أدعها تستريح من عناء السفر من بون إلى مِكْلينبورغ فوربوميرن الولاية التي أسكنها في أقصى شمال شرق ألمانية ، فاستقبلت ورقها استقبال الذكريات الجميلة في القراءة وتجاوزت موعد نومي حتى أنهيت قراءتها لا جلَدا مني أو أداء فرض بل لروعتها بما حملته لغة وأماكن تربطني فيها ذكريات لا أنساها . (وللحق أقول إن أعظم فترة قرأت فيها كتبا في حياتي كانت أثناء إقامتي في ليبيا ما بين 1975 و1981 وعندما عدت أرسلت كتبي طردا بريديا محمولة في خيشة ، وسرت بين معارفي في القرية أن شاهر جاء بخيشة من الكتب بدل أن يحمل المال من غيابه وعمله) .
نعم في ليبيا تأسست ثقافتي ومعرفتي الأدبية والفكرية والشعرية ، ومع الأسف لم يتح لي لقاء أي من المبدعين والكتاب ولا كنت أنوي ذلك أيامها مفضلا عزلتي ، ولكن كنت على تواصل دائم بالكتب والمجلات من كتاب ليبيين ومن مغاربيين أيضا فضلا عما يصل من كتب مشرقية .
قرأت فيما بعد روايات ليبية عديدة .
استمر صمتي ربع قرن إلى أن أفرجتُ عنه في عام 2000 وذهبت إلى معرض الكتاب الدولي في القاهرة بشكل شخصي وتكررت زياراتي إلى معرض الكتاب ثمان سنوات ، عرفت كثيرا من الشعراء ومن الكتاب المصريين والزائرين مثلي أو بدعوات من المعرض ، هناك عرفت ممن عرفت كتّابا وشعراء من ليبيا ، منهم من صار صديقا مقربا جدا ومنهم من اقتصر على لقاء في المقهى في المعرض أو في جريون وسط القاهرة ، ولكن الأسماء معظمها عشّشت في ذاكرتي .
محمد الأصفر من أولئك الكتاب المبدعين .
أجل لم أستطع ترك الرواية حتى أنهيتها وليتها ما انتهت ، ليست الكتابة كما يرغب القارئ ولو حدث ذلك فعلا لقلت: افتعال يلوي عنق الواقع ليجعل الخيال بطلا .
{أكرر دائما لست ناقدا ولا اتبع مناهج النقد وليس كل كتاب رائع قرأته أكتب خواطري عنه ومن خلاله ، إن ذلك له علاقة بالنفسية والمزاج وربما يلاحظ القارئ أنني أكتب عن نفسي من خلال ما حركته القراءة .}
ولذا هذه الرواية سحرتني لأسباب تخصني وأسباب تخص كاميرة السرد تصويرا للأماكن والأحداث أما ما يخصني فهي الأماكن في ليبيا والتي أعرفها جيدا من مرزق وواحتها إلى سبها مرورا بسرت شمالا وغربا فمدن طريق طرابلس وشرقا حتى بنغازي وإمعانا مرورا بعروسة الساحل درنة إلى طبرق التي لي فيها ذكريات طيبة .
سنوات عشتها في ليبيا من 1975-حتى نهاية عام 1981 ثم غادرتها ولم أعد وكون تلك السنوات من شبابي الأول ارتبطت ذكريات الشباب بحبي لليبيا من صحاريها الى سواحلها والمفردات العامية الليبية الواردة في الرواية وجدتني لم أنسها وحتى الأغاني التي ورد بعض منها هيجت حنيني أكثر لذا كنت أفيض بالحنين أيضا في ذكر تلك الأماكن ومسمياتها وحتى الأحداث منها ما عاصرته هناك ومنها ما تابعته فيما بعد من الصحف والإعلام أما تشاد أيضا عام 1979 كنت صديقا لصاحب سيارة تويوتا من اللواتي تجبن الرمال دون تغريز وهو تشادي من قبيلة على حدود السودان وكنت أيامها في سبها أغراني بالسفر معه وهو يجمع المسافرين الى تشاد حتى أنجامينا ورافقته دامت الرحلة شهرين تابعنا للنيجر وما أتت الرواية على ذكره في تشاد وقبائلها مررنا بها لإيصال راكب هنا وراكب هناك وبقيت في العاصمة أياما كانت عاصمة بائسة والحرب الأهلية تعم البلاد حينها .
أي أن رواية “علبة السعادة” جعلت روحي تطفو وتسبح في الأماكن مع قمرة التشادية وأمها زمزم وبوكي الليبي (مبروك) بلغتها السلسة الجميلة تنتقل بنسق سردي مدروس يعتمد ذاكرة تمتلك خيوط الحبكات دون إهمال أو تفلّت ، لا يوجد صفحة مجانية ولا استطرادات ولا ثرثرات كما يعمل بعض كتاب المطولات المرهقة للصابرين ، إنما هنا السرد مجاف للملل بوعي بل ينقل القارئ من موقد دفء الى موقد أدفأ سبق لي أن قرأت روايات ليبية ولكل رواية نكهتها وسيرتها أما اليوم فعشت في ليبيا الناس والأماكن ومنها حي المحيشي في بنغازي وتلك المرحلة منها في رواية “علبة السعادة” ، غطت الواقع ذاك بجمال رغم المعاناة في تلك الفترة ، وأما الذكاء الرائع بفن مدهش في ذلك الصهر بين ألمانيا وليبيا من خلال شخوص الرواية مكن الكاتب وجوده في ألمانيا ومعرفته أيضا عن ماضيها وحاضرها وبون التي يسكنها وكولن القريبة منها أيضا وأنا عشت لأيام جميلة في كل منهما وخاصة بون والساحة وسط المدينة وبيت أو متحف بيتهوفن .
رواية “علبة السعادة” توقع الصديق محمد الأصفر أن ستعجبني لأن فيها من ألمانيا وهو لا يعلم ارتباطي بليبيا سكنا وعملا وناسا في ماضي العمر الجميل ، وبعد القراءة قلت لنفسي: أي مكان ذكرته “علبة السعادة” لم يعجبني وهو جزء مني بشكل أو بآخر إن في ليبيا الحبيبة وإن في تشاد ومعرفتي بالتشاديين في ليبيا وصولا إلى بون وكولن و و و
لن أحرق الرواية في تغطية أحداثها وسردها على من يود قراءتها ، وما كلماتي هنا سوى أن أنقل شعوري للقراء وشكري للروائي المبدع الأستاذ الصديق محمد الأصفر كرد جزء بسيط من فضل ليبيا والإعراب عن محبتي .
***
شاهر خضرة - Shaher Khadra
Bad Doberan- Deutschland
31.08.2020
Post A Comment: