قام من نومه مفزوعا علي صوت فرمله قوي ، سمع بعدها صوت سرينات متتابعة .ثم سمع من يقول :ياساتر يارب ..يا ساتر يارب  .لم يستطع أن يحدد مصدر الصوت ،أهو الشارع الخلفي أم الشارع الأمامي .لكنه حدس سقوط جرحي ،وتهشيم في الفوانيس الأمامية! !
أزاح الغطاء من علي جسده ،مزيحا من أمام وجهه ليلة كاملة من المعارك ،والصراعات .نظر جانبه إلي حرمه الغاطسة في بئر من ماء عذب،سأل نفسه مندهشا   :كيف لم تشعر بكل هذا الضجيج؟ !كيف لم تحس كعادتها  به جانبها  حينما استيقظ؟ كانت ظلمة الغرفة حالكة جدا إلا من خيط ضوء رفيع، تسلل من ثقب صغير داخل الشباك. 
خبط بيده علي جبينه متذكرا ليلة الأمس،بمشاهدها الدرامية الساخنة .
-قال لها بتحد :أنت لا تصلحين  لهذا المنصب .
أنت لا شيء، الأجدر بك البقاء في البيت .
ثم رأي نفسه، وهو ممسك بعصا البلياردو، ويضرب مجموعة كبيرة من الكرات لتسقط في السلات بحرفية ،ثم استدار نصف دائرة ،في خيلاء بعد أن أمسك بكأس الويسكي في يده ،ورفعه بالقرب من صدره .
استدار مرة أخري،  وفتح باب الغرفة ،واتجه للحمام .غسل وجهه ،وهو ينظر  في المرآة، مستغربا شكله وملامحه، كأنه يري نفسه لأول مرة، ويتسأل  :من يكون ؟
جفف وجهه بالمنشفة، واستدار هاربا إلي المطبخ .أصابعه تعرف مكان الكنكة، كما تعرف أين الكبريت ومكان القداحة،لما يمثلان من أهمية قصوى لمدخن عريق في حجمه !.أشعل الموقد، ووضع الكنكة بعدما خلط البن بقليل من السكر . إنتظر قليلا ثم رفع الكنكة بحرفية سنتيمترات قليلة فوق الفنجان ثم بدء بالصب ،تأثر، وسر أيما سرور  لرؤية وجه القهوة وقد افترش سطح الفنجان.  حمل قهوته، وهو يرشف رشفة صغيرة ،وهو يسير إلي مكانه المفضل في الصالة، بجانب الكمبيوتر. 
جلس بعدما أدار مفتاح التشغيل .أشعل سيجارة ،وسحب نفسا ثم أطلقه في الهواء .نقر علي ملف أغاني مفضلة ،أختار أغنية  (نحنا والقمر جيران ) لفيروز .
نحن والقمر جيران 
بيته خلف تلالنا 
يطلع من قبالنا 
انسحب قليلا إلي الداخل، حيث عوالمه الجوانية العميقة ،مركز الألم والسعادة، بوصلته، وقبلته في آن واحد ،زمنه وحيد لا يتغير ،لكنه يتجدد من تلقاء نفسه بفعل الحياة ذاتها، وتفاعلاتها التي لا تتوقف .طفت صورتها علي سطح ذاكرته ،وهي تضحك ،ثم وهي تصدر أوامر له .تذكر الامتعاض الذي يعتمل داخله كما يعتمل الزيت في الموتور . لاشك أن وجوده في هذا المكان كان  استثنائيا، ومؤقتا، إلا فلماذا كل هذا الاستغراب لوجوده  ،لشخصه . حضرته فكرة :ماذا لو لم أذهب للعمل اليوم ؟ماذا يحدث ؟لن يحدث شيئا. وإذا سألوك :قل لهم أي شيء. .لابأس. 
دخل المطبخ للمرة الثانية، هذه المرة للإفطار. اعتاد أن يشرب قهوة مع سيجارة عند الإستيقاظ، عادة يعرف من أعماقه إنها قاتلة ،وقلبه يرفض، ويهفو إلي التغيير ،وذلك أضعف الإيمان. أعد طبق فول صغير بالزيت الحار مع طبق اخر صغير به قطعة جبن قريش ،ورغبفي خبز بلدي ساخن .ثم وضع  البراد علي النار .طبق الفول إفطار صاحبه منذ نعومة أظافره، كما صاحب الملايين من المصريين علي مر  التاريخ. فكر ان الجبن القريش عرفها قدماء المصريين أيضا، كما عرفوا الفول والعدس  .لذة حواس عجيبة تصاحب أكل الفول بالزيت الحار ،تذكر رحلة ارتحل فيها خارج حدود الوطن ،ثم مرت أسابيع ثم شهور بدون فول ، مما جعله يشعر بالضياع. ظل يبحث كالمجنون  في الشوارع  والأسواق حتي وجد علبة مرسوم عليها طبق فول ،فدمعت عيناه ،وعاد مسرعا إلى مسكنه ليعد طبق الفول .الآن، كوب شاي ثقيل مع سيجارة أمر مستحب بعد الفول والجبن. عاد مكمنه في أمان. أدار فيروز مرة أخري :
كتبنا وما كتبنا 
كتبنا نية محبوب 
ولهلء ما جاوبنا 
شعر بألم خفيف في معدته ،فقام علي الفور ،واخرج كيس فوار من صيدلية المنزل الخشبية المعلقة بجانب الحمام ، ووضعه مع قليل من الماء ،وشربه. 
رنين التليفون لا يتوقف ،وهو داخل الحمام .أخيرا، ضغط علي صندوق الطرد ،فانطلقت المياه كالشلال. خرج من الحمام ،وأمسك بالتليفون. فوجد أحد زملائه (سامي ميرغني )قد إتصل به ثلاث مرات .فاتصل به في الحال  .
-الو سامي  كيف حالك ؟
-تمام يا زميلي ،ماذا بك ؟لماذا لم تحضر اليوم ؟
-سافرت بالأمس لرؤية عمي في المشفي ،للأسف  توفي منذ دقائق.  الله يرحمه ..علي فكرة أنا في القاهرة .
-الله يرحمه انا اسف جدا 
-غادرت الإسكندرية أمس العاشرة مساء .
-أعطني عنوان العزاء ..ربما يحب احد تقديم واجب العزاء بنفسه 
-اء. .اء. اه اه 
ارتبك قليلا ثم قال :5 شارع محي الدين بن عربي المهندسين .
-شد حيلك يا صديقي .
-سلام .
ارتبك قليلا ،لكنه حدس ما سيفعله زميله سامي ،نعي علي صفحة الشركة،هذا بالضبط ما سيحدث .يالها من كذبة ،لقد مات أخر  أعمامي منذ أكثر من عشرون. ماذا فعلت؟كان الأجدر بي أن اذهب للعمل !!أو لا أكذب. إنتابه شعور بالذنب جعله يفكر في التوبة والجنة والنار  .وفيما هو سارح بأفكاره، فتح باب الغرفة ،وخرجت ريهام زوجته ،وهي ممسكة بالمنشفة، فوجدته  أمامها، فصدمت، وقالت  :إيه ده ،انت مرحتش الشغل؟
-لم أجد لدي رغبة في العمل ،فقررت ألا أذهب. 
استغربت من رده ،وتوجهت للحمام .
رن الموبايل مرة أخري. 
ألو البقاء لله يا مروان ..لسه عارف دلوقتي من النعي. 
-حياتك الباقية تعيش يا رفعت .
فتح باب الحمام ،وخرجت ريهام ،وهي تقول :خير ..خير يامروان ..مين اللي توفي ؟؟؟



Share To: