تعاظم خوفه مذ علم عبر الهاتف أنهم سحبوا فورا الحجيرات المعروضة من المتحف بصندوقها الزجاجي، وسط ذهول زواره، أخذوها على جناح السرعة في سيارة سوداء سريعة إلى المخبر الصخر، لم يكن يدري أن الحجر مثل البشر، له أوطان وجينات وانتماءات، وكان عليه أن يخبرهم بالحقيقة كاملة، لكنه والده الذي أحسن تربيته وعليه أن يحسن ذكراه، ويصون سمعته، فلن يسيء لصمته الأبدي، هكذا قرر بعد أن تم استدعاؤه مجددا إلى المخفر:

- لقد أكدت تحليل المخبر أن الحجر البركاني الصغير الذي تنازلت عليه منذ أيام وبلا مقابل لإدارة المتحف الجيولوجي ليس من هذه الأرض الطيبة!

- نعم، قال بعض زملائي أنها من القمر!

ضحك الضابط بصوت عال وهو ينظر في وجوه من هم وحوله من جنود بألبسة مدينة ودينية:

- ما شاء الله! ومتى صعد زملاؤك هؤلاء إلى القمر؟

لم يكن ممن صدقوا بنزول الانسان على ظهر القمر، وهو الباحث في الجيولوجيا، كان قد حدثه شيخ طريقته على أن القمر محمي من البشر والوصول إليه يحتاج لكود لا يملكه أحد سوى الله لكنه لم يقل هذا للضابط وإلا ورط شيخه في السياسة وتسبب في سب الله!

- لم أصعد إلى القمر إنما الحُجَيْرات هي التي سقطت بعدما اخترقت كل السقوف والاغلفة الغازية لتضرب أحدهم!

فجأة اجتاح الضابط موج من الغضب والغيظ، تحرك من على كرسيه وضرب بقيضة يده على مكتبه

- تضرب من على هاته الأرض؟ هل ثمة فيها من انتوي هدم الكعبة، أو تغيير القبلة؟ على من تريد أن تضحك يا أنت؟

- ربما على من أريد هدم بيوت الناس ويمنع عليهم الطعام!

- وفكرك أن حجيرات سبع بهذا الحجم قادرة على أن تردعه؟

- هذا يظل وقفا على القوة المتولدة عن السرعة التي نزلت بها!

- وأين جثة هذا المضروب المغضوب عليه؟

فجأة سكت وراح يستدير بكرسيه الأتوماتيكي إلى الخلف ناظرا إلى صورة الزعيم، وهو يضرب بشيء كالقضيب مفتول بجدائل من جلد البقر اللامع، ساعتها أدرك أن الخروج من المخفر ليس كدخوله، اعتذر لأبيه، وتمنى أن يعذره، فالسياط لن يناله مرتين في القبر والمخفر، أما هو فظهره لا يحتمل:

- في الحقيقة هي جمرات رجم الشيطان!

استقام الضابط واقفا في غضب عارم:

- وهل وُجد الشيطان بهذه الأرض الطيبة حتى نجلب الجمرات من الحج لرجمه وردمه، ما هذا الخبل؟

- لا سيادة الضابط والدي وفاه الأجل في الحج قبيل الرمي ولم يرم؟

وحضرتك قررت أن ترمي بدله هنا، وكأن الشيطان يوجد في كل عاصمة عربية هذا ما تريد قوله؟

- لا أبدا حضرتك، فقط من كانوا معه حملوا الينا كل اغراضه بما في ذلك الجمرات التي كانت في يده ولم يرم بها الشيطان، وكانت نصيبي من ميراثه الذي قسمناه!

ضحك بصوت عال وهو يطوي صفحة الادب الساخر للجريدة الناطقة بلسان الحزب الشيوعي، فاحتار كيف يُسمح بتوزيع جرائد الحزب الشيوعي بالطائرة المقلة للحجيج التي اهتزت بسبب المطبات الهوائية، وارتعب الحجاج العائدون من البقاع حتى عادوا يرددون التلبية ناظرين إليه بشؤم وتطير!

 طبعا لم يقرأ عليهم القصة الساخرة بل طوى الصحيفة ليتخطف انتباهه العنوان المكتوب بالبنط العريض على الصفحة الأولى "تم فجر يوم أمس تنفيذ حكم الإعدام في الخمسة الذين أدخلوا السيوف المحظورة إلى أرض الوطن" !

 أدخل يده في جيب محفظته الجلدية المعلقة على صدره حيث يخبئ الهدايا الرقيقة الدقيقة الثمينة، تحسس ظلمتها فكاد قلبه أن يتوقف إذ تلمست أصابعه المحمومة ما يشبه حجيرات، عدها والعرق يتصبب من جبينه فوجدها سبعا !









Share To: