يحيل عنوان الرواية إلى حالة الاكتشاف الجديد للذات في مسار انطراحا وانبساطها على أسئلة الزمن المحتبس في تلك الذات والمكان السائل في سواقي الخيال وسياق الحكي الذي انبنى عليه المتن كله بحواره وسرده، الهامش هو مركز مضى في الوعي، معسكر لاحتجاز الكيان يقمع رغباته التي ستنكشف مع حوارية ساخنة بالرغبة في الانكشاف والانعتاق بين مشاعر ذكورية متحررة وأفكر أنثوية مقاومة بدافع وعي بمعسكر الاحتجاز" الرمزي الذي نشأت عليه.

تبدأ الفصول الحكاية الفاعلة، من بعد "محكية الهامش الشعري" الذي اختارت الكاتبة تصدير سردها به، بإغلاق مكالمة الخارج وفتح مكالمة الداخل، في احالة بهية وأسر تقني للمتلقي ليمتد في ما قبلية وما بعدية المتخيل، عبر تكثيف لغوي يختزل مسافة الانتقال من القبلي إلى البعدي.

تتمرحل الرغبات في مسعى خروجها من محتشد الاحتجاز على ثلاث مستويات من الحوارية الثنائية، فكر ومشاعر، خيال وواقع زمان ومكان، أجادت الكاتبة هنا باقتدار في الجمع بين هاته المراحل عبر تجسير الذاكرة وتسخير كيمياء اللغة بمجازها وسحرها في القفز على حواجز المنطق وسور الترتيب التي تؤدي أحيانا بفعل الخضوع لصرامتها إلى رتابة في السرد.

تتأسس حوارية الفكر والمشاعر على إحالة جديرة بالنظر، وهي قلب معادلة المنطق الدارج في الثقافة العربية، بإفراد المشاعر للذكر والعقل للأنثى، ما يجعل المتلقي يستحضر مسبقا التجربة في تعامله مع النص، أي بحكمه بمظهرية موقف الذكر لغرض استدراج الانثى، وسعي هاته الأخيرة للتمنع، وهنا يُتلاعب بفكر أو بالأحرى بالتفكير المجتمعي لهذا المتلقي عبر خلخلة خفيفة خفية لأدوات التلقي ونظم التفكير، وهذا عندما تكشف النهاية عن بداية أخرى.

فعلى امتداد حوارية الفكر والمشاعر بالفضاء التواصلي الصوتي، تبرز الرغبة عبر مستوييها التحرري من المحتشد (الثقافي والعرفي المجتمعي) من خلال أداة العقل القامعة لأداة المشاعر "لأن ما يخالجني هو صراع منذ بداية الخليقة بين الخير والشر، بين الحب والكراهية، بين الحرية والعبودية، أرى ذاتي في مرآة أخرى، أنا معلقة بين الشهوة والحب المقدس، أنا أنثى لها من قناعات المدفونة أطان، ولها من قصائد العتب على الذات لا تكفيها مجلدات.." في مقابل الرغبة في التحرر من أسئلة العقل وترك المشاعر والقدر يكملان مسار السفر نحو اللقاء المأمول "جبان أنا في حبك، أعترف، دعينا من الأوهام الآن، للنظر إلى ذلك اللقاء بعين العشاق، لنترك القدر يرسم أفكارنا"

ويستمر سحر اللغة البديعة التي انساق عبرها المتن بانسيابية بديعة، في الكشف عن مجروفات سيله المتدفق بسلاسة وهدوء، من خلال الثنائية الثانية، الخيال والواقع، المربطان مفهوما وبنية بالمشاعر والعقل، وهذا حين تصر في محاولاتها لإنزاله من علياء العاطفة وبليغ المشاعر التي كان يجيد امطارها بها، "أنا أشعر بأن كل يوم يقترب من موعد اللقاء، هو اليوم الذي يقربني من الولادة الحقيقية، واللقاء بأحد الملائكة الذين لم أتصور يوما أني سألقاهم، تؤمنين بالملائكة أليس كذلك؟ الملائكة؟ نعم أؤمن، ولكني لست منهم أجابت مبتسمة"

وأخير يصل السياق المحكي إلى مرحلة الحسم حيث ثنائية الزمان والمكان تتفعلان على صُعد شيئية عدة فيما بين الذاكرة والملموس، وهنا ينبثق المكان في بعد ربوعه الرحبة، وطن برمته، لبنان بماضي أزمته وأزمنته المختزلة والمختزنة في الذاكرة تستثار في الحضور بالمكان، وتستشار في حقيبة الألبسة من خلال أسئلة الاختيار الجمالي لونا الأزرق والأبيض، وشكلا جينز وتشيرت"

والولادة الحقيقية/المجازية هنا، هي الخروج من واقع الأسر الذي لم يعه إلا بحضورها والملائكة خروج من دنس العالم إلى قدس الغيب حيث يغيب الشر ويحضر الخير والصدق والبراءة، والأروع في جدل ثنائيات الرغبات أنه في الوقت الذي يبدو فيه على صعيد الكلام متضاد هو غير ذلك على مستوى المشاعر، ما يعطي جدوى لاستمرار المتن ومعنى لحضور الرغبات في مسار تحررها للطرفين.

في المقهى بالجبل حيث تغيب صرامة الترتيب ولوثة الرتابة ويترك الزمن لأشياء بديئته النقية، يلتقي الطرفان على زمن الزهور الزرقاء، التي أشرت للعصر والموضة وزمن الشوق الذي اقترب من الساعة والنصف من لحظة أن قتناها من البائعة، تصمت اللغة المحكية وتتفجر لغة التأمل تعيد استكشاف الحقول المنسية في ربوع التواصل عن البعد التي تسابقا فيها على صهوتي جوادي جدلهما، العقل والمشاعر، ليركبا بعدها فرسا واحدا، تبرزه الخاتمة عبر تجرد "ريتا" حال عودتها لغرفتها من لباسها تماما أمام المرآة تجرد يشي به قبل القطيعة مع الموقف "العقلاني" وأسئلته الفلسفية والعرفانية، وأسمال الأعراف والتقاليد، قناعة السؤال الذي أعادها في شبق اللحظة إلى ماضي تجربتها مع العشق ومعادة النظر فيها "كم مرة إلى هاته اللحظة أردت أن أقنع نفسي أني قد عرفت ومارست الحب فيما مضى، وأني عشته بكل أريحية، ولكن ما اكتشفته الآن  لم يكن سوى فتات مما يسمونه الحب" قناعة تقود حتما إلى  الارتماء في مجرف ومجرى المشاعر أكدته الزينة والعطر الذي وضعتهما على جسدها الحامل بعد لعمر الحب، أبرزته صدمة اللقاء مجددا في رواق الفندق حيث أقاما في غرفتين متجاورتين دون علمهما، والزينة قد قلبت في نظره الواقع الحقيقي (المتجرد المتحرر من قيود الفلسفة والمعرفة والأعراف) إلى ما لم تذكره الرواية من العوالم المفتوحة، تشد المتلقي في صمت إلى إتمام سبيل الخيال المشترك بين المبدع والمتلقي.

عمل جد مميز في إطار متنه العام الذي يحصل فيه على عامل الخصوصية والتميز، من بنية الحكي التي تتفجر فيما بين ثنايا السرد، بحواريتها المليئة بقضايا الثنائيات المتصارعة في الثقافة العربية، الذكورية ـ الأنثوية، المدنس ـ المقدس، التقليد ـ الحداثة، العقل ـ العاطفة، الجسد ـ الروح، أين تتزاحم وتتلاحم لغة المشاعر والعقل والأشياء والزمكان الذي يتقلب في سيله مع مجرى النص أطوارا، من غرفة المنفى إلى غرفة العودة للوطن بالفندق ثم رحلة السهرة التي حبستها أو بالأحرى حجبتها صدمة الاندماج النهائي بين البطلين في جوارية الغرفتين بالفندق من خلال الزينة كعلامة لذلك الاندماج وبلوغ نقطة الا عودة.

 

بشير عمري

كاتب  جزائري







Share To: