ليت لنا قلوب من حجارة ، أو من فولاذ ، لا تشعر ولا تتألم ولا تحب، تعبنا يا إلهي تعبنا، توجعنا أكثر مما ينبغي، تحملنا أكثر من طاقتنا، لم نعد نحتملُ أكثر، كل يوم رحيل وكل لحظة أسى وفي الثانية نذرف ألف دمعة ، نحنُ بشر لا جبال، نحملُ قطعة رقيقة مُكلفة بضخ الدم إلى الجسد لكنها خانت وظيفتها فاصبحت توزع الألم والأسى وتهدم الجسد ، موجوعون يا خالقي موجوعون، تائهون يا كبيرنا تائهون، مشتتون ومبعثرون ، مفزوعون نحنُ يالله مفزوعون من الأقدار المُفاجئة، وكأننا خلقنا للألم والبُكاء وحياكة قطع الأكفان للجثثِ الراحلة .

كل يوم عزاء ، كل يوم سواد وكل لحظة ظلمة حالكة ، كل ثانية نواح وعويل وصرخات صرخات مُفزعة وأخبار مُفجعة لم نعد نحتمل يالله أكثر من كارثة ، نحنُ ضُعفاء يا إلهي ضُعفاء خُلقنا من تراب من طين لم نُخلق من اللهب والنار المُشتعلة لم نعد لدينا استطاعة نحدق نحو النعش والجُثة الهامدة ، نحنُ يتامى يا قَدير يتامى ، فقدنا كبارنا ويُتمت صغارنا ، تنهدت منازلنا قبل أمهاتنا وتأرملت أرواحنا وتصدأت زوايانا نتيجة فجوة الرحيل والغيبة الكبيرة للأرواح الساكنة في المقابر الأضرحة .

رَحل من جوارنا رَحل ، بالأمس كان يحدثنا عن سُهيلٍ والثريا ويسرد لنا قِصص عن الزهرة وزُحل واليوم نحدثُ أنفسنا عن الفقدُ ونرثي ثم نبكي وبالمناديل نمسح الدموع من المُقل، رَحل أبو فهمان فمن سيفهِمُنا الأحاديث ومن سيضحك لنا عندما نعبر الطُرقات متوجهين نحو ذاك المَحل، رَحل أبو وحيد فمن أين لنا بجليسٍ يؤنس وحدتنا ويضيء لنا بأحاديثه العذبة ومن سيزرع فينا بذرة الأمل ، بالأمس كان هُنا واليوم هُناك أصبح نائما يفوح عطراً ويرتدي قطعة تُدعى كَفن . 

رَحل عبده أحمد الحداد ونحنُ هُنا نكتوي باللهب ، رحل هادئا كما عاش،  محبوبا كما خُلق ، صافيا نقيا كالماء وكحبات البرد ، بشوشاً صديقاً للجميع ، رَحل دون أن يكره أحد ، رَحل من كنتُ أغبطه على أخلاقه ورحابة صدره ووجهِ المليء بالنور، رَحل دون أن يجرح قلباً أو يقطع شجرة أو يدوس حشرة في الرمال، رَحل من ألتقطتُ معه صورة للذكرى في حفلة فرائحية مليئة بالطربِ والعزفِ والرقصِ وهأنا أرثيه دون أن يدرك ماذا حلَّ بي رحيله هذا اليوم ، أنا مفزوع يا إلهي مفزوع . 

رحمات رحمات لروحك الطاهرة يا صديقي. .








Share To: