قضية إبستين… حين يُستثمر الفساد الغربي لتبرير قهر المرأة | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة

قضية إبستين… حين يُستثمر الفساد الغربي لتبرير قهر المرأة | بقلم أ. د. روحية مصطفى أحمد الجنش أستاذ ورئيس قسم الفقه الأسبق بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات القاهرة
أثارت قضية Jeffrey Epstein موجة واسعة من التحليلات والمقالات، خاصة في الأوساط العربية والإسلامية، كشفت كثيرًا من عوار الخطاب الغربي المتشدّق بحقوق الإنسان، وفضحت البنية الأخلاقية المنهارة التي تسمح بنشوء شبكات استغلال جنسي منظم، محمية بالمال والنفوذ، ومسنودة بصمت سياسي وقانوني مريب.
غير أنّ المؤسف في بعض هذه الكتابات، أنها لم تكتفِ بإدانة الجريمة، بل انحرفت عن مسارها، فخلطت بين تفكيك الفساد الغربي والانقلاب على حقوق المرأة، وكأن الجريمة لا تُدان إلا إذا دُفعت المرأة ثمنًا لها.
إن أخطر ما في هذا الخلط، أنه يبدأ بإدانة مشروعة، ثم ينتهي إلى نتيجة فاسدة؛ إذ يُرجِع بعض الكتّاب جرائم الاستغلال الجنسي – ومنها قضية إبستين – إلى “تحرير المرأة”، وعملها، واستقلالها المالي والاجتماعي، في خطاب يَمزج السمّ بالعسل، ويُعيد إنتاج منطق قديم طالما عانى منه الخطاب الإسلامي نفسه: تحميل الضحية المحتملة مسؤولية الجريمة، بدل تفكيك بنية الجاني والنظام الذي يحميه.
والحقيقة أن قضية إبستين – في صورتها الغالبة – ليست قضية “نساء عاملات” ولا “نساء متمكنات”، بل قضية أطفال قُصَّر، فاقدي الأهل أو الحماية، أو ضحايا اختطاف واتجار بالبشر، أو نتاج منظومات شاذة كـتأجير الأرحام لتلبية نزوات فئة فقدت الدين والضمير والحدّ الإنساني. وهؤلاء الأطفال – بداهة – لا علاقة لهم بخطاب تمكين المرأة ولا بسعيها المشروع إلى التعليم والعمل والاستقلال.
إن إزاحة مركز الجريمة من شبكات الاتجار والاستغلال إلى حقوق المرأة ليست فقط مغالطة تحليلية، بل انحراف أخلاقي؛ لأنها تُفرغ الإدانة من مضمونها، وتمنح البنية الإجرامية فرصة للهروب، بينما تُلقى التهمة – مجددًا – على الحلقة الأضعف.
ثم إن الإسلام – الذي يُستدعى اسمه كثيرًا في هذه المقارنات – لم يحمِ المرأة يومًا بعزلها عن الحياة، ولا بتجريدها من الأهلية، ولا بإعادتها إلى وضع التبعية المطلقة. بل جاء فرفع عنها أعباء الجاهلية، وأثبت لها ذمة مستقلة، وحقًا في التعلم والعمل والتملك والمشاركة العامة. وقد شهد التاريخ النبوي حضور المرأة في ميادين الحياة المختلفة: طبيبة، ومعلّمة، ومُشيرة، وعاملة في السوق، ومشاركة في القرار الاجتماعي، دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه تهديدًا للأخلاق أو مدخلًا للفساد.
بل إن الحماية الحقيقية – في المنظور الإسلامي – تقوم على التمكين المنضبط بالمسؤولية، لا على الإقصاء. فالمرأة التي تملك وعيًا، وحقًا، وموردًا، واستقلالًا قانونيًا، هي أقدر على رفض الاستغلال، وأقوى في مواجهة الابتزاز، وأقدر على الإبلاغ والحماية، لنفسها ولغيرها. أما المرأة المعزولة، التابعة، المجردة من الخيارات، فهي – في كل التجارب الإنسانية – الأكثر عرضة للانتهاك، وإن رُفع فوق رأسها شعار “الستر” و“الحماية”.
ومن أخطر ما ينتجه خطاب “الحماية عبر التقييد”، أنه يُحوّل المرأة إلى كائن هشّ، لا يُرى فيه إلا جسد أو وظيفة بيولوجية، ويُعاد تعريف العفة بوصفها سجنًا، لا كرامة، ويُختزل الأمن في السيطرة، لا في العدالة. وهنا تتقاطع هذه الخطابات – من حيث لا تشعر – مع جوهر الفساد الذي تزعم محاربته؛ إذ كلاهما يُشيّئ الإنسان، ويُنكر عليه أهليته.
إن استثمار قضية إبستين يجب أن يكون في اتجاه واحد واضح: فضح الاستغلال الجنسي المنظم، وإدانة الاتجار بالبشر، وحماية الأطفال، وكشف زيف المنظومة التي تحمي الجناة بالمال والسلطة. أما توظيفها ذريعة للانقلاب على حقوق المرأة التي أقرّها الإسلام، فليس دفاعًا عن الأخلاق، بل انحراف عنها.
وختاماً: كل خطاب يجعل حماية المرأة مرهونة بتجريدها من حقوقها، ليس خطابًا شرعيًا، ولا أخلاقيًا، ولا إنسانيًا ، وقضية إبستين لا يجوز أن تتحول – بغير وعي – إلى أداة جديدة لتكريس القهر القديم، تحت لافتة المحافظة.






