ما لم يبُح به البحر.. للكاتبة سحر حسين الذهبي


ما لم يبُح به البحر.. للكاتبة سحر حسين الذهبي



يكتب: منى ياقوت


صدر عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع كتاب: "ما لم يبح به البحر" للكاتبة سحر حسين الذهبي، الكتاب عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة والخواطر والأشعار ،عدد صفحاته   ٨٥صفحة، ومن أجواء الكتاب خاطرة بعنوان (رغد) حيث ورد فيها...

"تعد رغد واحدة من جميلات منطقتها؛ فهي خجولة للغاية وكان خجلها سبباً في طلب ودها؛ نظراً لقلة وجوده في كثير من الفتيات، ولكنه بعد ذلك أصبح نقمة عليها؛ حيث أن ذلك الخجل الزائد كان سبباً في فسخ خطبتها..

فكل شيء يزيد عن حده قد ينقلب سريعاً إلى ضده، ظلت وقتاً طويلاً في حالة انعزال عن البشر حتى عن أقرب الأقربين إليها، حتى ظن البعض أنها تعاني من الاكتئاب نتيجة لفسخ الخطبة، لم يدم هذا الحال كثيراً، فبعد شهور قليلة انتبهت لما وصلت إليه حالتها من سوء، فحاولت أن تكسر حاجز الخوف بداخلها وتتمرد، فنهضت وارتدت أفضل ثيابها، ووضعت قليلاً من الحُمرة على خديها وشفتيها وخرجت، متناسية كل ما حولها غير مهتمة بأي أحد إلا أن تسعد نفسها ولو مرة واحدة، وحين خرجت من المنزل..."

الكتاب كان من ضمن المشاركات في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الرابعة والخمسين، وحيث أنه الكتاب الأول للكاتبة إلى جانب مشاركتها في بعض الكتب المجمّعة الأخرى.

***




 

فتاة مُجبَر أن تقع في حبها! | بقلم الكاتبة اللبنانية أ. دعاء قاسم منصور 


فتاة مُجبَر أن تقع في حبها! | بقلم الكاتبة اللبنانية أ. دعاء قاسم منصور


تائهةٌ ولا شيء يأويها، تأمّلت فخُذِلَت، الجميع يهواها وقلبها لا أحد يُلفته، نقيّةٌ ناعمةٌ بقلبٍ أبيض ناعم وليّن وكيف لا وهي تجسّد ما يحمله اسمها، التي سبقت وحملته الأميرات، من معنى بأنه رسول الصحة والطيبة والإحسان...

 قاسيةٌ وبالقسوة تحاكي نعومتها وطيبتها الداخلية، بعينان عسليتان الآثرتان المسرّتان للناظرين، لا مُحال ستلتفت، قمحيّة اللّون تمرّ على الصباحات كأنها قهوة تعديل مزاج... ومع ذلك هناك لعنةً أصابتها من صغرها وكأنه كُتِبَ لها العيش بخذلانٍ دائم وكأنّها فراشةً دُسَّت بين حشدٍ من المجرمين، القاسية قلوبهم، بدون رحمة.. وما لها غير الصبر والانتظار...

ما الذي تنتظره من دنياها، غير قلب يحميها، وعينان تنظر لها بالكثير من الأملِ، بأحد يهتم لتفاصيلها الملفتة، وطباعها السيء الجميل... فأتاها، وظنّت وظنّت وظنّت حتى خابت الظنون، واستاءت نفسها من ذاتها، فاستقبلت خيبات عديدة، وبشخصيّاتٍ مثيرةٍ لاهتماماتها، أخذتهم بين ضلوعها لا بين يديها من حسن ضيافتها وحُسن أخلاقها، ولا يليق لبعضهم سوى عدم الاكتراث لأمرهم، أُسِرَت بالبعض مستخدمين مكرهم وخداعهم معها، وفي كل مرّة كانت على وشك أن تتعلّق، كانت تُترَك مع وحشية أفكارها وسوء تصرفهم وقلّة وعيهم وسوء تقديرهم، وبَدَلًا من إصلاح روحها والشد على يدها، أُفلِتت بدون سابق إنذار، وصُفِعَت صفعات متتالية إلى أن باتت مرعبةً من الشعور بالأمان تجاه أي شخص يرغب القرب منها...

وجعلها من ناحية أخرى، لا شعور يخرج من قلبها تجاه آخر، يبيع العالم ليشتري خاطرها... فأخبرتكم من البداية بأنّ تائهة كيونس عليه السلام ببطن الحوت، يحتاج لمعجزة لزرع الحب في أيمنها - كون يسارها به قلب يضخ الحب لكوكب - لتتابع حياتها برفقته!

أيُعقل بفتاة بحسنها ضائعةٌ لا ملجأ لها؟ وإلى أين المفر وما الحل؟




 

المثليون وثقافة الإنسان العربي وكرة القدم | بقلم الكاتب والباحث الجزائري محمد بصري 


المثليون وثقافة الإنسان العربي وكرة القدم | بقلم الكاتب والباحث الجزائري محمد بصري


قد لا تكون مفاجأة للبعض حين تطرح المثلية كشكل جديد من الجندرية التي قصمت ظهر المثقفين والحقوقيين والبيولوجيين والفلاسفة  أيضا. قد تكون صدمة حضارية انتابتنا في عرين ثقافتنا ، أصابت الحضارة  الكونية في مقتل.حين يصبح الإنسان المكرم لاهوتيا وميتافيزيقا مسْتنزفًا أخلاقيا يعاني عوارا وفراغا رهيبا في ضميره القيمي.تصبح المثلية مع مفردات جديدة هي الإبنة الضآلة لما بعد الحداثة السائلة هوس وجنوح وفوضى الاختيارات الجنسية. التي تطرح ذاتها كنوع جديد من الجنوسة أو الجنسانية المركبة بالمعنى الدلالي البيولوجي. المبالغة الحقوقية في أنسنة المثلية عرضت الفكر الثقافي البشري إلى هزات ثقافية وفكرية و نفسية.

لما انتحر البرلماني دومنيك فينز بتاريخ 22/05/2013 وهو يميني برتبة كاتب ومفكر و مؤرخ فرنسي يمثل الفريق المتأخر من المثقفين الجدد الذي يمجدون الذات والهوية ومطالب إصلاح الأفق القيمي للغرب. الحادثة وقعت في عهدة  فرانسوا هولاند سنة  2013 و مسرحها هو كنيسة نوتردام أمام مرأى ومسمع 1500 كاثوليكي من المؤمنين بالخلاص اليسوعي .ترك رسالة مؤثرة جدا. إطلاق النار الطوعي والقاتل للمنتحر كان قبيل انطلاق مظاهرة احتفالية للمثليين فرحا وبهجة بإقرار  قانون الارتباط والزواج بين الذكور أو الإناث في سابقة خطيرة أحدثت ثقوبا حمراء في الثقافة الفرنسية المعاصرة. المنتحر دومنيك مكروه سياسيا وتاريخيا من الجزائريين فهو مضلي سابق في جيش فرنسا المستعمرة ومؤرخ يمجد الكولونيالية ويدعم مواقف البقاء الثقافي والرمزي لفرنسا بالجزائر. ناهيك عن عضويته في منظمة الجيش السري التي ارتكبت فظائع في حق الجزائريين وحتى الفرنسيين المؤيدين للثورة الجزائرية  ومؤيد للأقدام السوداء. وجه الاستغراب في سلوكه هو التقاء رفض المثلية والجنسانية المتطرفة في الثقافة الإيمانية لكل الشعوب الإبراهيمية والأديان السماوية والتوحيدية وتوافقها مع تصورات يمينية.أو حتى بعض الأطراف في اليسار. قد يكون موْقفا بطوليا وشجاعا في نظر المؤمنين الذين ينعتون جحافل المثليين بالتسول الجنسي والنجس و الذين باتت أعدادهم تتكاثر وتتزايد وفق القاعدة اللاشرعية "أنهم قوم لا يتطهرون". خروجهم من الظل إلى ضوء النهار ومن أنفاق العتمة والظلام إلى إشراق الأنوار أصبح مدعما بقرارات دستورية وقانونية ووصايا سياسية جبرية. حالهم بات يشبه تحرر تلك الجماعات السياسية السرية  المعارضة التي خرجت إلى العلن من أوكارها . بعد مقتل النائب سارعت زعيمة اليمين المتطرف مدام مارين لوبان بنعت سلوكه بالفعل المرتبط بدوافع سياسية وشروط إيديولوجية وهو" موقف نحترمه جيدا" بحال لسانها السياسي .علينا أن نفهم جيدا أنه نائب ينضوي تحت دائرتها وأفق اليمين السياسي. لكن وجه الصدمة الثقافية هو ركن وتحويل مقتله الطوعي بالأثر السياسي فقط . تجريده من أبعاده الدينية والقيمية والأخلاقية. أي أن المثلية هي موقف جوهري في البناء الراديكالي لثقافة سياسية لائكية ممعنة في علمانيتها التي تتنكر للإرث الثقافي والفلسفي للجمهورية الأولى التي كان ماركيز دي لافاييت و ماكسيمليان روبيسبيار والماركيز دو كوندورسيه يحاولون تهجين المواقف السياسية الحرة والمدنية  مع تعاليم الدين المسيحي الكاثوليكي.

الفكر الغربي محكوم ببنية ثقافية ولاوعي أسطوري كلاسيكي رغم ادعائية تَمَثُله اللوغوس والعقلانية الموضوعية فاليونان  زمن غلبة التصورات الأرسطية كان الاعتقاد السائد لديهم  أن المرأة تشكلت بسبب تشوهات في الذكر وانحراف في الطبيعة الذكرية كما  ترى عصمت حوسو في كتابها (الجندر الأبعاد الاجتماعية والثقافية) فالمرأة لها تكوين بيولوجي رجولي بالمفهوم الطبيعي  وذكوري بالتصور الجندري الاجتماعي الثقافي  فهي "رجل ناقص" .فالتكوين الجنوسي متداخل وهو ما يؤهل التداخل الجنساني بين المتنافرين خَلقيا أصلا  .فالتركيز الجندري يجعل المرأة قادرة على التحول إلى رجل أو أن الرجل هو إمرأة ثانية فهو قادر على التماهي مع سلوكها البيولوجي والنرجسي والعاطفي لكن تحت مطرقة الجنس. وهو ذاته التصور الأفلاطوني المتشبع بإزدرائية مثالية نحو الحضور الأنثوي فالمرأة وظيفتها الإنجاب فهي مضخة للنسل والمتعة المؤقتة في الوقت الذي يجب أن يحب الرجال بعضهم بعضا. فالثقافة اليونانية الغلمانية  كانت تحفظ للنبلاء و الارستقراط والسادة حق الاستمتاع بالغلمان والصبيان ولم يكن ذلك قاعدة شاذة.  هذا الفراغ التأويلي والقراءة المقلوبة للعلاقة بين المتنافرين فيزيولوجيا والمختلفين جنسيا وفردانيا مهدت لثقافة المثلية والتي تُفسر سلبيا بالشذوذ. هناك جنوح وفوضى تفسيرية لجوهر التكوين الطبيعي للرجل والمرأة.هو اختلال في التصور  لمفهوم الفردية والجوهرية التي راهنت عليها كل الفلسفات من ظهور الفلسفة في الشرق العظيم مرورا بالإغريق حتى فلاسفة المسلمين .التعريف الماهوي للإنسان اضطرب بسبب تشويش نظري خائب طرأ على العقل الغربي.

هذا الجزء القاتم لتصور مهزوز لحضور الكائن البشري هو أمر مهول يهدد الوجود البشري ليس فقط على المستوى القيمي و الأخلاقي والإنسانية  وهذا التفرد خطير على مستقبل الفكر البشري فالإنسانية لم تعد أفقا أخلاقيا موثوقا به كما يقول المفكر التونسي فتحي المسكيني.لم يعد الإنسان الغربي مؤتمنا على التراث الإنساني بالمرة.

هناك تعصب جندري مثلي بدأ في التشكل والضغط عالميا هو شبيه بفوبيا جنسانية وعنف بيولوجي تسلل إلى القوانين والدساتير وقباب البرلمانات و تحول إلى قوى سلطوية وضغط طبقي مخملي وجنساني. ترتعد له فرائص الرؤساء والجماعات السياسية المتقدمة جدا علينا أن تتذكر أن وزراء في كندا ذوي تمثيل ومستوى سياسي عال لم يخجلوا من مثليتهم وقدموا زوجاتهم أو أزواجهم الذين يعادلونهم في نفس التكوين الذكوري أو الأنثوي في منتديات سياسية ومهرجانات عالية التمثيل والمستوى الدبلوماسي. وهنا وجه الغرابة كيف يقدم مسؤول سياسي رفيع  شريكه أو شريكة حياته أو السيدة المبجلة سياسيا  للاعتراف الدبلوماسي  المبتذل رغم انتمائهما لنفس الفصيلة الجنسية وهو التأكيد الذي يفصح  عن الترحيب بالظاهرة الجندرية الجديدة في أفق التحولات السياسية والثقافية الغربية.

استغربنا نحن العرب وقطر العربية  تحتضن  كأسا عابرا للثقافات والحدود والأقاليم حيث كرة الجلد لها غوايتها وتأثيرها السحري على الأفئدة والأرواح، كرة القدم دخلت بقوة معادلة الحضارة وتخطت كونها رياضة فلكلورية أو  ترفيهية إلى الاستحواذ الأخير على عالم السياسة والمال والأعمال وباتت مشروعا ثقافيا وسياسيا يتبادل فيه البشر الرسائل والإشارات والرموز فالملاعب كما هي واحات وساحات للفرجة والإمتاع والاستمتاع هي فضاء لتبادل الرموز و القناعات والعقائد أيضا .طغى عليها محاولات تمرير توجهات إثنية وبيولوجية وجندرية. أصبح الستيديوم والملعب ساحة حرب للشارات والإشارات والهويات القاتلة. تفطنت القيادة القطرية والهيئات المنظمة لتلكم النزعات التي تحاول التشويش العقدي على التراث العربي والأعراف البدوية والعربية القطرية في خضم حدث كروي جلل أضحى من المستحيل فيه التمييز بين الايديولوجيا والسياسة و الرياضة. لذا راهن المنظمون على الثبات الثقافي ضد هذه  الإكراهات فسطروا خططا أمنية مشددة ضد التلاعب بالتوجه العام لهذه المناسبة الكروية لإخراجها من سياقها العربي.كون الكرة وكأسها المبجل لبسا الكوفية والشماغ العربيين.

الصدمة الثانية هي إعلان دولة بحجم ألمانيا عن مثليتها ونتذكر هنا الحركة التي قامت بها الوزيرة الألمانية  نانسي فيـــزر والتي ترقى إلى الاستفزاز السياسي الساذج وهي تُطوِّق ذراعها بشارة"حب واحد" المثلية كنوع من الاحتجاج الثقافي والحقوقي ضد المنظمين . هذا الحب الذي انتهى بهزيمة ألمانية أمام الفريق الياباني الفتي والخلوق والإنساني المحب لعقيدة الشنتو Shinto . الفريق الالة دابت دواليبه تحت كيمياء لاقيمية هي "المثلية" . هذه الردة السياسية والثقافية تحيلنا إلى التاريخ المعاصر.الذي شهد أكثر الحملات شراسة في اضطهاد المثلية في الرايخ الألماني بين سنة 1933 حتى سنة 1945 تم تفكيك وتشتيت 50 ألف "مثلي" وملاحقتهم  بالتهديد والسجن والإعدامات أحيانا بل أحدثت جهاز المخابرات الألماني الغستابو  السيئ السمعة دائرة لمتابعتهم واصطيادهم كونهم لا يمثلون المعايير الألمانية الآرية والجرمانية وأخطر الاتهامات هي ميولهم العرقية اليهودية والسامية وقد كشف عن ذلك اليهودي ماغنوس هيرشفيلد  Magnus Hirschfeld (1868/1935 طبيب يهودي وعالم جنس مؤيد للمثلية علنا). رئيس أكثر المنظمات المدافعة عن حقوق المثليين وأحد المطالبين بتفعيل سياسات تؤيد التحول الجنسي.

الاصطياد الناعم والرافض لهذه الظواهر الجندرية في ملاعب الكرة القطرية خلال الكأس العظيم ،عكس تناقضات وأفرز نتائج تحليلية كثيرة مؤسفة جدا فقد خاب ظننا كعرب في الألمان الذين كنا نحترمهم كونهم أكثر الشعوب الغربية المتدثرة بمركزيتها المثالية والعقلانية والتي تربطها قرابة ثقافية ولغوية وفلسفية وأدبية مع المخيال العربي .فلطالما أنصف جمهور حكمائهم الثقافة العربية وأشادوا ببطولات الانسان العربي المسلم  والشعر و العربي أمثال كانط وهيغل  وهولدرلين وغوته وحتى الفيلسوف المجنون نيتشه.هذا الإنقلاب في قطر بيّن أمرا ليس بالجديد وهو أن الألمان يمارسون كل السلوكات و المواقف التي بإمكانها أن تكون قرابين عرفان للتنصل والتجرد من تاريخهم النازي ولو كان ممارسة الرذيلة والانضمام إلى المثلية هذه الأخيرة بمثابة هلوكوست ثاني يجثم في قعر الضمير الألماني وبالتالي تدخل المثلية كطرف في الابتزاز اليهودي والصهيوني لهذه الأمة المستعبدة لاشعوريا وثقافيا .بل الأخطر والأسوأ هو تحويل المثلية إلى ايديولوجيا عابرة للثقافات وفرضها على شعب يتطهر من النجس والرجس أو الشعب التي وصفه الله عزوجل " وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ".

هذا اللغط الذي كثر فيه الحديث عن مؤهلات دولة عربية  واعدة كقطر في تنظيم بطولة عالمية عالية التكاليف والإعدادات والاستعدادات سرعان ما تحول إلى حرب حقوقية  دونكيشوتية مقيتة ضد نفس البلد والذي  يعكس الفجوة الثقافية بيننا وبين الغرب والأنا المتغطرس والمتعالي لثقافة غربية شوفينية لا ترى إلى صورتها تنكعس في الطلاء الذهبي لكاس العالم.نجاح أي فريق عربي في هذه الدورة  بالموازاة مع النجاح التنظيمي والتقني والسياسي للبلد المنظم يجب أن يعيد العرب إلى مصادر ذاتهم.فكُرَة القدم اصبحت وشاحا تتسربل تحته كثير من القناعات.انعمتم صباحا

بصري محمد كاتب من الجزائر.

 

 

مواجهة | بقلم الكاتبة المصرية أميرة محمد 


مواجهة | بقلم الكاتبة المصرية أميرة محمد


اليوم كعادة أيامي جميعا و أهم ما يميز هذه الأيام الركض حتي تتقطع أنفاسى لإنجاز أعمالي اليومية، فأتناول فطوري بأقصى سرعة حتى أذهب إلى عملي الذي كان حلمي في يوم من الأيام و لكنه الآن لا يمثل لي غير عناء متواصل و غطرسة مديرين و خيانة من  أصدقاء العمل فقد جعلوا حلمي أسوأ كابوس الآن.

فمن كثرة أعمالي نسيت إنه كان من أهم أحلامي و تذكرت وقتها قصة السمكة التي عاشت عمرها تتمني أن تذهب إلى لمحيط و آخر القصه تكتشف أنها بالفعل تعيش فيه وهي لاتدري ،"في النهاية كله مجرد ماء لا أكثر  ".

عدت من عملي وأنا في قمه إرهاقي و جوعي و كالعادة  سآكل طعام سريع و سأصبّر نفسي بالجملة المعتادة لي  " سأبدأ من الغد  تناول الطعام  الصحي  و توفير بعض الوقت للعب الرياضة "

و جلست أتناول طعامي أمام التلفاز المضئ للترفيه عن روحي  ولكن دون أن أعى ما يدور بداخله من كثرة إرهاقي فكأنني أشعلته لأشعر بالونس فقط ،حتي نمت على مقعدي  والطعام مازال بفمي. 

 إستيقظت فجأة علي صوت غريب أخافني لوهله فتسللت بهدوء لرؤية ما هذا الصوت !!

إذا بإمرأه تشبهني تماما !!و لكن تبدو وكأنها تعيش في حقبة ماضية، يتضح ذلك من موديل فستانها الأنيق و قصة شعرها و كانت تطهو الطعام وهي في قمة أناقتها ،فوجهت لها سؤال مفاجئ وهي التى لا تشعر بوجودي

"من أنتِ؟"

إستدارت فجأة و هي مذعورة و قالت " بل من انتِ؟"

أوضع أحدفي هذا المكان مرآة ؟!!

فنظرت لها وكانت الدهشه تعلو وجهي " نعم، نحن نشبه بعضنا تماما ولكن و كأننا من عصرين مختلفين "

فقالت "نعم لاحظت ذلك، أنا سناء أعيش الآن في سنة ١٩٦٦ و من أنتِ؟

فقلت لها "أنا فريدة و أنا الأن في بداية سنة ٢٠٢٣ التي لم يمضي منها إلا القليل" 

فنظرت لي ببعض من الإستهجان و قالت " لماذا تلبيسين هكذا أكنتِ تقومين بإصلاح سباكة المنزل؟"

فغلب الإحمرار علي وجهي من الخجل و قلت لها " إنها ملابس المنزل المريحة لي " و أكملت الإجابة عن سؤالها في سري بأن هذا الثياب المنزلية لا تختلف كثيرا عن ملابسي الرياضية السريعة التي أرتديها أثناء ذهابي للنادي و المولات" 

فرفعت حاجبها و قالت" و من يلبس الفساتين الآن  هل هم الرجال؟" 

 فجاوبتها وأنا أضحك علي قولها " لا طبعا نحن جميعا نلبس نفس الملابس تقريبا لدرجة أن أخي كان يغلق دولابه بالمفتاح حتي لا أسرق ملابسه وهو خارج المنزل "

و قمت أيضا بالإستهزاء منها كما فعلت و قلت لها " إن ملابسكم غير عملية تماما، كيف تتحركون بها وأنتم تعملون ؟"

ففتحت فمها و ملأت نظرة الإستفهام  وجهها ورفعت حاجبها وقالت 

"عمل !! أي عمل ؟!

 هل تقصدين أعمال المنزل ام العمل خارج المنزل بأجر مثل ما يفعل الرجال لتوفير متطلبات بيتهم.  

قلت لها  و الفخر يعلو وجهي "لا الحمد لله لقد أخذت المرأة الآن حقها في العمل "

فقاطعتني و الرجل جلس بالمنزل !!

فقلت" لا نحن نعمل معا من أجل مستقبل أفضل "

فسألت في دهشه " مستقبل !! 

من يعتني بالأطفال إذاً فهم المستقبل ؟"

فقلت لها " لا تقلقي   فالآن يوجد لدينا حضانات و مربيات للإعتناء بالأطفال ولو الحاله غير ميسورة نتركهم للأجداد فأنهم يفرحوا بهم كثيرا"

و أكملت حديثها و سألت" وماذا عن الأزواج في عصركم؟

 هل لديكم من الوقت لتقضوه معا و تشربون فيه شاي العصاري و بجانبه  قطعه من الكيك التي تفوح رائحتها داخل المنزل ليزيده دفء و حب .

فقلت لها بلا مبالاه "ما هذه الرومانسيه التي تعدت الحدود "

المتزوجين في عصرنا لهم حالات متشابهه جميعهم لا يتقابلوا خلال اليوم إلا صدف بين ذهاب الأم للعمل ثم مع أبنائها للتمارين  والأب في إجتماعات العمل التي لا تنتهى .

 و لو  إجتمعوا لبعض الوقت يجلسوا في صمت تام و هم يتصفحوا هواتفهم الذكية و هي مثل ما أحملها في يدي الآن.

فجلست و كأنها سيغشي عليها و قالت لي "وهل أنتِ سعيدة؟"

كان سؤالها كأنه سهم يخترق قلبي لأني لم أسأله لنفسي من قبل  

فأجبتها بحزن واضح في نبرة صوتي "فعلا أنا لست سعيدة تماما و لكن لا أعرف سبب تعاستي برغم أنني حققت كل ما أحلم به ،و لكن هذا الحوار جعلني أفكر فى الذهاب للطبيب النفسي لعله يجد معي سعادتي المفقودة بمجموعة من الأدوية كما يفعل معظم أصدقائي الذين أصابهم الإحباط و فقد الشغف والذين مرضوا بالإكتئاب من كثرة الأعباء التي يحملونها علي عاتقهم ".

فقالت أنا على العكس أشعر بالسعادة والرضا و الونس بدون الإستعانة بأقراص دواء  لأن كل إنسان في عصرنا يعيش الدور الذي خلقه الله له.

أنا لست ضد عمل المرأة و لكن أنا ضد أن تترك المرأة عملها الأساسي و تنسي أنوثتها تماما و تركض من عمل و تمارين و بيت و تنسى نفسها داخل دائره ليس لها نهاية و تستمر في الدوران بها حتي تسترجع عقلها وتعترف أن في عصركم حملوا المرأة كل المسؤوليات و جملوا لها هذه المهام الجسيمه بكلمة أن المرأة الآن تأخذ حقوقها. 

ليست من  حُقوقها أن تصبح هي  الرجل و المرأة في نفس الوقت 

بل بالعكس من الواضح من كلامك أنكم تفتخروا بذلك أيضا

أنتم نصف المجتمع وليس كله فمهامكم هي نصف مهام أيضا 

تلبسون و كأنكم رجال و تعملون و كأنكم رجال، العالم لاينقصه الرجال بل إن العالم لن يكتمل إلا بأنثى حقيقية لأن الرجل وحده لا يستطيع بناء مستقبل .

فسقط علي مقعد كان  بجانبي و وضعت رأسي بين يداي و بكيت لأني شعرت أن كلامها آلمنى،  وعندما رفعت رأسي وجدت كل ما فات كان حلم .

وتمنيت أن تكون حياتي أيضا حلم حتي أستيقظ منه  لعلي أجد الطمأنينة و السعادة و أنجز مهامي و أحقق أهدافي ولكن وأنا في روية من أمري و دون الركض وكأنني أهرب من وحش يريد أن يلتهمني .




 

التغريبة السورية  الحلبية | بقلم الشاعرة السورية ردينة أبو سعد 


التغريبة السورية  الحلبية | بقلم الشاعرة السورية ردينة أبو سعد


أحد عشر  عاما ، نحمل خوفنا ونهرب ، يمينا  شمالا  ، لا ...

عليك الاتجاه جنوبا غربا .

اصعد إلى السطح  للحماية من الغازات  السامة ، لا...

 انزل إلى الأقبية خوفا من القذائف ، ارتجفْ اصرخ اصمت اركض يكللك الذعر  والرعب والحيرة .

البرد من كل حدب وصوب، الجوع يحاصرك  ، الزلازل الهزات امض مرة أخرى على غير  هدى  تحاصرك الأمطار ،

والبرد القارس .

  

 

سلسلة: "شاعر وقصيدة" الجزء الثاني إعداد وتقديم: ذة أمنة برواضي | الحلقة 35 مع الشاعرة والروائية:عائشة الطاهري


سلسلة: "شاعر وقصيدة" الجزء الثاني إعداد وتقديم: ذة أمنة برواضي | الحلقة 35 مع الشاعرة والروائية:عائشة الطاهري


الهدف من السلسلة التعريف بشعراء مغاربة، وتسليط الضوء على مسيرتهم الإبداعية، وتقديم نموذج من شعرهم للقارئ.

الحلقة 35 مع الشاعرة والروائية:عائشة الطاهري.


السيرة الذاتية:


عائشة الطاهري:

• شاعرة وكاتبة مغربية ، من مواليد مدينة أبركان ومقيمة بمدينة تازة.

٠ خريجة جامعة محمد الأول بوجدة

٠ خريجة المدرسة العليا للأساتذة بفاس

• أستاذة لغة عربية بالسلك الثانوي التأهيلي

•تكتب الشعر الفصيح العمودي، وشعر التفعيلة والسرد 

ومن الإبداعات المطبوعة:

٠ ديوان "عزف على أثر"، منشورات " عبودة برانت" ( 2020)

٠ ديوان مشترك" قصائد العشق والوطن" (2022)

٠المشاركة في ديوان: ( عينية الوجع العربي) تنسيق الدكتور صالح الطائي من العراق(2021)

٠المشاركة في( موسوعة الشعر العربي النسائي المعاصر)، تنسيق الأستاذة فاطمة بوهراكة(2021)

٠ المشاركة في كتاب( مبدعات وأديبات من تازة) تنسيق سميرة الشعيبي(2019)

٠ المشاركة في كتاب" عزيزة يحضيه عمر ، امرأة بحجم الحلم"، تنسيق حسن بيريش"(2022)

٠رواية قيد الطبع" بين ريما وعيوني أغنية"


القصيدة:


بٓغدادُ  نٓزْفٌ بقلبٍ يٓكْتٓوي صرٓعا

ما بالُ دُنْياك تشكو الهمّٓ و الوجعا


و لأَهْلُ هَلْ غادروا الدّارَ التي سَكَنُوا أَمْ هَدَّهُمْ مَنْ طَغى في الأرْضِ وَابْتَدَعا


هٓوْلٌ أٓجٓفّٓ المِدادٓ و اجتبى عِبٓرا


                       فارْتٓدّٓ ضٓوْءُ صباحٍ زالٓ وانْقٓشٓعا


بغداد ، هل غادر السّٓعْدٌ الحمى عجلا


                   قٓدْ كنت عشقا وفخرا يزْدهي ولعا     

       

دارُ السَّلامِ اسْتَباحَ الْغُرْبُ حُرْمَتَها


                  و اسْتَرْخَصوا سُؤْدَداً في العُرْبِ قدْ لَمَعا


  أركان دِجْلَةَ كالحَيْرى تَنِزُّ أسى


                    وَ هْيَ التي ضاهَتِ البِحارَ مُنْتَجَعا


حتى الطيورُ استجابٓتْ للشّٓجى أسفا


                     إِذْ أٓنْشٓدٓتْ لٓحٔنٓ شٓدْوٍ بالأسى دٓمٓعا


اِسْتَوْقَفَ الْوُرْقَ حُزْنٌ في مرابعها


                   فاسترْسَلَتْ تَنْدِبُ الْحَظَّ الذي خَدَعا

 

ما زِلْت فِرْدٓوْسٓ شرقٍ يٓبْتغي أٓلقا


                          أنت المُوٓحِّدُ إِذْ تٓفٰرّٓقوا شيعا


يا أَهْلَ بَغدادَ طابَ العَيْشُ عِنْدَكُمُ (١)


                    عِلْمٌ وَ فَنٌّ مدى التاريخِ قَدْ لمعا


اَلصفحُ شيمتُكُمْ و السلمُ مقصٓدُكُمْ


                     كيفَ اسْتُبيحَتْ نُفوسٌ نَجْمُها سطعا!


قُدْ يا عريقا عراقا نسلُهُ دُرٓرٌ


                       تَرْبو عُراهُ  فتوصِلُ الذي انْقَطعا


فارْبٓأْ بِنٓفْسِكٓ أنْ ترتدّٓ منحرفاً


                       الدينُ للهِ ، سٓنّٓ الحقّٓ لا البِدٓعا


واسْلٓمْ مدى العمر  لا تسلوكٓ مكرمةٌ


                     أُهْديك قٓلبا نديًّا ليس مصطنعا




 

ترنيمة الهوى | بقلم الأديب المغربي عمر مرحام الجموحي 


ترنيمة الهوى | بقلم الأديب المغربي عمر مرحام الجموحي



 في سراديب الحياة،

تتلمس ضوءا

 يبدد ظلمة النكبات،

وعلى غير موعد...

أطل بدر في الحمراء،

يهدهد أجنحة الليل

بنسمات عشق وبوح.

تحت همسات أنشودة أندلسية،

وترانيم هوى على ضفاف الدجى

أُعلنَ ميلاد فجر ندي 

آت من مخاض الأحزان،

ورواسب سنين الضباب،

وأنت تعانق روحا حالمة

تعتريك نشوة الانتصار،

تحلقان

 نحو شفق مخضب 

بألوان قزحية،

تعطلت لغة الكلام،

فكان الصمت رسولا.




 

صلوات وطقوس "الليخليخة"  Lekh.Lekha العبرانية في القصر القديم بالقنادسة وقصة إيزابيل ابرهاردت | بقلم الكاتب والباحث الجزائري محمد بصري 


صلوات وطقوس "الليخليخة"  Lekh.Lekha العبرانية في القصر القديم بالقنادسة وقصة إيزابيل ابرهاردت | بقلم الكاتب والباحث الجزائري محمد بصري



القصر في القنادسة كان مهيبا يكتنز  في عمقه عمرانا قادما من الأندلس، الأقواس والزخارف والأديرة "الدويريات" اللباس العربي، المقصورة التي جمعت بين مستراح للنوم ومكتبة صغيرة وفسحة لحوار والنقاش تدعى "الڨلسة"، الغرفة "المصرية" في سطح البيت منزوية تحتفظ للعازب بشيء من الخصوصية  وهي تفصيل قيمي وأخلاقي حكم الهندسة الإسلامية .التضاريس الثقافية .فسيفساء القبائل العربية التي شكلت ثروته البشرية. تَعامُد العقائد والأديان. كانت العبرانية جزءا من هذا القصر.احتل اليهود نصيبا من مساحات القصر العرفانية والدينية والاجتماعية.كانوا تجارا في القنادسة وأصحاب بساتين لهم ذات الحقوق التي تمتع بها العرب المسلمون قبيل الكولونيالية المقيتة .

سنة 1900 أطل وافد غريب على القنادسة شَكْله مريب مُقَنّع يلبس لباسا عربيا قدّم نفسه للهيئة الدينية التي كانت تشرف على الزاوية الزيانية وطريقة الشيخ القطب العارف  سيدي امحمد بن أبي زيان على أنه زائر وضيف وفارس جوال.يدعى "محمود أبو علي".لم تكن حركات هذا الفارس ومشيته وخيلائه ورشاقة جسمه وخفته لتخطئها فراسة شيخ الزاوية لكنه ترك ذلك للحظة الفارقة و للفضوليين من السكان المحليين. مرّ الفارس بصبية يتقاذفون بفاكهة الرمان الممتلئة في حدائق وجنان القنادسة.اكتشف فلاح جندرية وماهية و شخوص الفارس المــــــــُلثَم والمـُـــــــــــقنع  الذي لم يكن غير امرأة خانتها أنوثتها  وجمال وجهها الوضاح وخضرة عينيها وجمْعِها لرجليها وهي تستقبل حبات الرمان.هرع إلى سيده شيخ الزاوية " سيدي ابراهيم" .يعلمه بسر الوافد غريب الأطوار انها  ليست إلا أنثى مفعمة بالحياة متنكرة تحت ستار شاب فارس . ايزابيل ابرهاردت(1877/1904) هي ضيف الزاوية و القنادسة الصحفية السويسرية الاستقصائية التي يُرجح النقاد ومؤرخو القلم الصحفي أنها أول من دشن الصحافة  الاستقصائية النقدية العابرة للحدود.فقد كانت تلاحق جيوش الإمبراطورية الفرنسية بقيادة الجنرال " لويس هيبرت ليوطي" 1854/1934 وتكتب فضائح القتل والاجتياح وإحراق النجوع والقرى والدشرات  أحيانا تداهن ليوطي بمقالات مادحة لغزوه وكبريائه الكولونيالي .أتعبت مقالاتها وكتاباتها وصفحاتها التي فاقت الألفين. حركة وغطرسة الجيوش الفرنسية التي تألفت من مغامرين فرنسيين وأفارقة مجندين قسرا و"صبايحة سبايس" تم ضمهم جبرا للفيالق النافقة  وهم من قبائل أمازيغية وعربية أذعنت للمستعمر التافه.

ايزابيل كانت تطوف  دروب القصر تتجول وتلتقط اللحظات الوجودية لِتُحولها إلى كلمات حية إلى أرواح لها هويات طوافة . جلب انتباهها التشكيل الهووي و الإثــــــــــــــني في القصر والطوائف المذهبية والاختلافات المذهبية التي عاشت  وتآلفت تحت سقفه. بعد غروب الشمس كانت تتجه إلى رصيف عتيق من الطوب يواجه حوش "المـــــــــلاح "خلف درب قديم يدعى "درب دخيسة " .المـــــــلاح زقاق عريق تجمعت فيه الجالية اليهودية وأغلبهم من بقايا يهود "التوشافيم" ويطلق عليهم اليهود الأصليين. تتداخل صفاتهم الفيزيزلوجية وثقافتهم الإجتماعية مع أمازيغ وعرب الجزائر والمغرب العربي كما يصفها الكاتب الاسرائيلي حاييم سعدون في كتابه الجالية اليهودية في الجزائر.والفئة الأخرى هم خليط بين المارانو   والميغورشيم والتي تعني المطرودين يتميزون بوضع "الكاباه "على رؤوسهم التي تقيهم غضب السماء أو "الكبوسين". إيزابيل كانت تتابعهم بتركيز فضولي وتصفهم في كتابها "في الظلال الساخنة للإسلام" وهم  جالية متحررة لها تشكيل إثني إرادي في حيهم الاختياري "المــــــــــلاح" لهم دكاكينهم وسوق صغيرة يتداولون فيها مهنتهم الأبدية "التجارة" كان االزقاق المزدحم بهم  في مدخل القصر غير منعزل و ليس" بغيتو "كما تفيد الكتابات التربصية المتصهينة أو حتى بحوث المستشرق حاييم سعدون والتي صورتهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة.  هذه الفترة لم يجد الاستعمار طريقه إلى القنادسة وحاضرة بشار  ولم يبدأ توغله في المنطقة إلا بُعيد زيارتها حيث اقتحمت جيوش الإثم والرذيلة بشار ونواحيه سنة 1903 وهو ما يجعل كثير من المؤرخين يربطون بين زيارتها والغزو كونها عين بصاصة وجاسوسة وهو أمر مختلف حوله يفنده ويدل على تهافته مصرعها في واد عين الصفراء وإعلان إسلامها وكتاباتها التي ضجت بألأم وأوجاع الجزائريين وعدم تمكنها من الجنسية الفرنسية .. الإسم الذي اختارته هذه المرة وهي تتدثر تحت قناع فارس عربي هو "محمود ولد علي التونسي".مشهدية اليهود في وصفها الخلاب  في مساء ونساؤهن تطهين العشاء قبيل المغرب وتجمعهم لتناوله يفصح عن قهرية تاريخية تجثم في اللاوعي  والألم اليهودي التاريخي الذي تم صهينته وأدلجته بشكل فظيع. تم نقله  من فضائه الديني العقدي  إلى مستوى علماني غامض، فكل الشرور مصدرها العلمانية المتدينة التي انجرت عنها دولة مستحيلة أي الجمع بين العقيدة الصهيونية والسياسة.

كانت نسوة المــــــلاح في القنادسة  من اليهوديات اليافعات يقمن بطهي وتحضير العشاء على عجل، قدور كبيرة تصفها ايزابيل ونيران غاوية من جريد وسعف النخيل وأحيانا من أبعار الإبل. يهودية جميلة تغني لرضيعها كي  ينام.يتناول الجميع طعامهم وعشاءهم الذي يشبه العشاء الأخير للمسيح. تشبه إيزابيل ابرهاردت الملاح في كتابها في ظلال الاسلام الدافئة " بفانوس مضيء ،القدور والنيران التي تصدر شررا في السماء ،غناء اليهوديات العبري وأراجيزهم . الدياسبورا La diaspora التي تُجسد هوية ضائعة في تاريخية الأمم، محاولتهم المتمنع و التبتل الطائفي الذي  أذاقتهم أوجاعا وجودية وتاريخية مكلفة جدا.المشهد السريالي كأنه تحضير للهروب الذي استعبد المخيال اليهودي.يقول الشاعر المحلي الحاج سليما سعيدان المنتمي إلى قبيلة ذوي منيع وهو يستذكر صورة من صور التجمع اليهودي في الملاح والأسواق وفق تشطير شعري نبطي شعبي  يقول   :

بَعدْ ما كنت تزهى بهواك...عدت ياڨير نْدامة وكْحالو لَرْسامْ

شوفْتك عادت ماتَسْواشْ كِــــــــــــــــلي مُنَقبْ بالشاش

ماأنت راضٍ بنا ماوْهَمْنا مادَرْنا باش...عْلاشْ رافد النيف علينا ماعرفنا هذا الغَيضْ علاشْ.

من بَعدْ قُوة وليــــــــــــــــــــــت خْشاشْ يالْغَدارْ..بخمس عْراش خْدَمْتَـــــــــــك عادَت شينة ....

عَادْ فيك النَظــــــَر حرام.... يالميِت بين الحيــــــــــــــــــــــــــين ماتلا فيك نْجَامة وقْلَبْت السَلْهَامْ

كَيــــــــــــــــــــَهودْ المـــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاح مْـــــــــــــــــــــــــلاجا عليك السَوامة.

كانت الأهازيج العبرانية طيفا دينيا مرحب به في القصر القديم ببلدة القنادسة  وطقس ديني تمتع اليهود بحرية الافصاح عن سلوكهم الديني عكس ما عهدته الأدبيات التاريخية العبرانية من تنكيل في إسبانيا وفي الدولة العثمانية وفي دهاليز العقائد المسيحية الأرثودوكسية التي طالما عنفت اليهود واعتبرتهم جاليات معادية للعمق العقدي الكنسي وعزلتهم طائفيا. العبرانيون في القنادسة عاشوا تفتحا دينيا تحت رعاية مشيخة الزاوية وأعيان البلدة  وأشرافها في القصبة  والزاوية وضواحيها.  القصبة كانت عمق وقلب القصر النابض بالحياة كما هي القصبات في كل القصور الجزائرية- قبل وبعد الاستعمار تمت إحاطتهم برعاية ثقافية من أعيان القصر وهو  من صميم التسامح الديني والعقدي الذي عرفت به طرائق التصوف السني والمالكي.كان شيوخ  وبعض  أعيان القنادسة يدعونهم لإقامة طقوسهم في بيوتهم العامر ة بالقصبة يتلون فيها "الليخلخة"  leh’leha وهي أناشيد وصلوات وتلاوة تروي الطوفان العظيم الذي ذكر في سفر التكوين .تنشد حكيا سرديا فيه نصوص وروايات من التوراة فيها يأمر الرب ابراهيم عليه السلام  بالتوجه من "أور "إلى "حاران" أرض ثم  "الحجاز" ثم الأرض المقدسة حسب مزاعم دينية آنية اسرائيلية . الليخلخة تعني "من أجلك إنني أتصرف بمشيئتك" يمارسون صياما مؤقتا لا يتناولون فيه إلا قليل من التمر والحليب. "الليخليخة"  Lekh.lekhaهي ترديد ترتيلي غنائي ديني حسب إيقاعات  روحية حزينة ذات شجون ميتافيزيقية يقرأ فيها "الحزان" باللهجة المحلية وهو حبر وحاخام كبير للطائفة لآيات من التوراة القديمة "اية 3/4/11/ 12/13 حول خطاب الرب الوهيم أو "إل" لنبيه ابراهيم "ابرام" يأمر "العبريم" وأهله "لوط عليه السلام  وزوجته وأطفاله  و مؤيديه من أمة العبرانية أو طوائف العبور العظيم من أرض الأباء إلى الحجاز ثم مصر ثم فلسطين لبناء المذبح والصلاة والبيت  ولتكن مشمولا ببركاته وكل اللعنان مسلطة على الذين يسبونه.

قانون" آدولف كريميو" الصادر 24 اكتوبر 1870 كان امتحانا للجاليات اليهودية بالجزائر الذي أعطاهم فرصة التجنيس وجعلهم تابعين للإدارة الفرنسية لكنه بالمقابل  حرمهم من استقلالهم الديني والثقافي.تــــــم علمنة وضعهم الاجتماعي .تم تجريدهم من محاكمهم الشرعية التي طالما تباهت بها الطوائف اليهودية في الجزائر.هذا  القانون ذاته الذي قسم الفكر الكولياني وشطره إلى مكعبات ايديولوجية متناقضة مصلحيا وهوويا وسياسيا .يهود يرفضون التطبيع المطلق مع فرنسا ويهود يدعمون ذلك بقوة بموافقة ومباركة حاخامية يريدون العيش تحت سقف الاستعمار ورعايته طبقا للمبدأ التوراتي "اتبع قانون الممكلة التي تعيش فيها إذا فرضت عليك" كما جاء في بحث للباحثة شيخ فاطمة  موسومة "قانون كريميو أو تجنيس اليهود الاختيارات الصعبة في ظل الهيمنة الاستعمارية "والطرف الثالث في حيرة من أمره لعب على طرفي الحبل وبقي متربصا ومتوثبا حتى لاحت أفكار التهجير الجماعي للوطن المزعوم "فلسطين".

في عشية الاستقلال 1962  حسب الروايات المحلية توقفت شاحنات البيرلي وبعض الباصات ونقلت جزءا كبيرا من الجالية إلى مناطق مجهولة، قيل فيما بعد أنها تونس والمغرب وفرنسا. وبقيت بعض العوائل متشبتة  بحسن الجوار والمعاملة الطيبة للمسلمين والعرب المحليين  منها بين يتاح وعائلة يغو عزي وشلومو إلى غاية 1965.فقد كان الفضاء الثقافي القندوسي صوفيا بامتياز متسامحا أساسه أخلاق المحبة الإلهية والإشراق الغنوصي والعيساوي  والمجاهدة والتزكية الغزالية.تروي جدتي الراحلة " أن يهودية في حدود أواسط الستينات أرادت الهجرة فطافت على صديقاتها تودعهن باكية ومنتحية قائلة "سننتقل إلى فرنسا ثم  إلى فلسطين " أجابتها إحدى نساء حي القصبة  بعفوية وبساطة وفكر بريء لماذا  لا تبقون هنا أنتم أحسن أحوالا و أفضل من أمكنة لا تعرفونها  إنكم تتجهون إلى أرض ليست أرضكم ومكان لا تنتمون إليه.

محمد بصري كاتب من الجزائر