منذُ ابتعادِ ذلكَ القطارِ مُحمّلا بشبابي / ورُحى الوُجودِ، تَجرُشُ الأيامَ / الظلالَ والأضواءَ / حتى باتَ العمرُ رصاصيّاً يرسُبُ / يتهامَسُ بينَ مُسَوّداتِ الدّفترِ الصّغيرِ / وريقاتِهِ الكالِحةِ / سنينُ رُغمَ شيخوخَتِها / لا زالتْ تستقبلُ وِسواسَ المدنِ الغريبةِ / بينما القرى القصِيّةِ في زاويَةِ رأسي / فقدتْ نُعاسَها بسببِ انتظاري / لأني خالفتُ وصايا عهدي، ولمْ أَعُدْ إليها. / منذُ زمنٍ لمْ يَزُرْني حَفيفُ النّخيلِ / زمنٍ صارتْ فيه القطاراتُ تافهَةً، الكترونيةً / مثلَ خُطى الحياةِ / والناسُ، طَلاها تخاذُلُها / لا تتمردُ ضدَّ ما لا يُطاقُ. / جُبنٌ يَتَضخمُ باستمرارٍ، شبيهٍ بجدارِ توَجُّسي القديمِ، / ذاكَ الذي بمجردِ أنْ أصبحَ مَهيباً، تهاوى من قمتِهِ. / ها هو اليوم مُزنْزَنٌ في تابوتِهِ، مع الحبلِ، والرّقْبَةِ والحُنْجُرَةِ الخبيثَةِ / مُجَلّلاً بنياشينِهِ التّنَكِ، وحروبِهِ المُشبَعَةِ بِخَرَسِ أجراسِ الكنائِسِ / تلك التي لمْ نعُدْ نَتَلَمَّسُ صدى رنينِها يُحَلِّقُ فوقَ أسواقِ "بغدادَ" القديمةِ.
كلّما طالَ زمنٌ بِتَعَذُّرِ معرفَةِ مَلامِحِ الإلهِ، / بقَدرِ ما زادَ الإنسانُ ذلك إصراراً للتعرف على كينونَتِهِ / تماماً، مثلَ ضوْءِ فَنارٍ معزولٍ في بحرٍ، / كلما كان مُنطلقاً في أعالي السّماء، كلما دلَّ المبحرَ التائهَ إلى ضفافِ اليابسةِ.
أينَ سأعثُرُ على صُدفةِ أرضي؟ / وفي أيّةِ مدينةٍ نُصِبَ فناري؟ / نادراً ما تَحشُرُ أمي نَفسَهُا في منامي. / كم وحيدةً هي الآنَ تَضِجُّ في رقدتِهِا، يعاشِرهاُ النّملَ، / وبمحاذاةِ قبرِهِا، ثمّةَ وطنٌ استباحَهُ الأجلافُ.
وأنا لَمْ أعدْ أعرفُ طعمَ الطمأنينةِ. / أتعبتني شوارعُ "باريسَ"/ لكنّ المنفى لمْ يُفلحْ بتجريدي من آدميتي.
لا يَهُمُّني بعدَ الآنَ مطرُ شعراءِ "القضيةِ" / ولا جَلبَةُ أضواءِ منتصفِ الليلِ / لقد أهملتُ حِصّةَ قَدَري، يا "مناويكَ" المقاومَةِ العراقيةِ المزيّفةِ / ويا شعراءَها، المُستذئبينَ على جياعِ بلدي.
بكلِّ تأكيدٍ، / منَحتُكُمْ كلَّ شيءٍ، / حتى قدري، / الذي لا يَهلَكُ، وهو يواجهُ افتراءَ راياتِكُمُ المُلطخةِ بدماءِ الأبرياءِ.
كلُّ شيءٍ نيئٌ برؤيةِ الأبدانِ / وهي تَنفَلِقُ، / ربُّكُمْ نيِّئٌ، حتى الحياةُ نيئَةٌ في الشارع وعلى الجدرانِ، / فدماءُ ضحيتِكُمْ لا يزالُ دافئاً حينما يَختلِطُ ببارودِكُم.
أبسطُ الأشياءِ تهربُ منيّ... / يا إلهي، / أقنعني، / كيفَ لبدنِ هذا الطفلِ أنْ يحتَمِلَ كلَّ هذهِ المساميرِ؟ / وكلُّ الأشياءِ وَجَعٌ / وماذا عنْ لوعَةِ الأُمِّ ؟
سوف أبقى مُتفرِّساً بوجوهِكُمْ إلى حينِ مُلامَسَةِ روحي، / بعدَ أنْ أدرتُ ظهري لمدينةٍ أستفحلَ عليها الغروبُ، ستعودُ الأشياءُ إلى مضاجِعِها.
غرفتي هادِئَةٌ، تُعطِّرُها روائحُ "بغدادَ"/ وجميعُ محاولاتي بعدمِ الذَّهابِ إلى الفراشِ باءَتْ بالفشلِ. / رُغمَ أنّي كنتُ أُلِحُّ على نفسي ذلك طِوالَ النّهارِ / أنْ تبقى عينايَ مفتوحتانِ بالعتمةِ، تحملِقُ بيّ !
الوقتُ يتزَحلَقُ بينَ أصابعي، / مثلَ سَمْكَةٍ توغِلُ في عالَمِها السّائِلِ. / الزّمنُ كذلكَ يَفلِتُ منْ رأسي، كأنّهُ طيرٌ بلا وَطَنٍ، / قصائدي منتفشةٌ، مُكَشِّرَةٌ عنْ حروفِها وتَفزَعُني، بينما صباحاتي تَتَراكَمُ، / مثلَ أكياسِ قُمامَةٍ مَحشوّةٍ برؤوسِ ضحاياكُمْ المذبوحينَ على عَتْبَةِ بابِ البنايَةِ / بِنايةٍ كلُّ أروِقَتِها وطوابِقِها مكتظةٍ بغرباءَ يُصيبونَني بالتّقيُّؤِ. / يَنتابُني أحياناً شعورٌ بأَنّني المُؤَجِّرُ الوحيدُ فيها، / لا أحدَ يدخلُ، لا أحدَ يخرجُ، لا نعرفُ مَنْ مِنَ النزلاءِ قد انطفأَ عمرُهُ ولا شكلَ المولودِ الجديدِ. / وأنا الذي لا أفتحُ بابي، أحدّثُ نفسي: ماذا سيَنفعُني لو نزلتُ إلى الشارع، هذا العاهرِ؟
فكرتُ: لماذا كتبَ إليَّ صديقي البلجيكيُّ: / "بأنَّ الطاغي لمْ يَبتدِعْ أيَّ شيءٍ؟ لمْ يفعلْ سوى استبدالِ الليلِ البغداديِّ بِعَتْمَةٍ جديدةٍ. / بهذهِ الأسطرِ العربيةِ الشّحيحةِ، أختصرُ هنا حواراً مقيتاً بخصوص القمرِ.
لماذا لا أشتكي بدوري أنا أيضا؟ / من الآن سوف أشكو إليكَ يا صديقي / أنظرْ إلى بلدِنا البعيدِ، الواهِنِ، المُغتَصَبِ، / ضحيةِ دوّامَةٍ يقودُ تهيجُها قَتلةٌ جاؤوا من وراءِ البحارِ، يُعاوِنُهُمْ على ذبحِنا جيرانُنا البدويونَ.
مُتشبِّثٌ بِحُنجُرَتي، الوطنُ يَنعسُ، مُلازِماً صدفاتي، مُلتصِقاً بدهشتي / وسوف لنْ يُؤَخِّرَني رُكامُ الحنينِ عنْ موعدِ القطارِ المُنتظَرِ في كتاباتي...
نعم، سأعودُ إلى منْ همْ مثلي،
نُظرائي بالحِدادِ،
لأنّي لمْ أبتعدْ عنهم،
في تلك المدنِ العتيدةِ
سوى مسافةٍ بِثِقَلِ السّرابْ.



Post A Comment: