.                         وداد معروف


اثنان أربع ستات والهروب بالثورة إلى الأمام

   رواية اثنان أربع ستات للأديب الدكتور عبد الرحيم درويش, هي من نوع الرواية الفنتازيا, وهذا النوع من الكتابة يعد من السرد الرمزي الذي يرمز لشيء نعيشه في واقعنا, فيخلق عالما متخيَّلا فيه من المفارقة والسخرية من المألوف الواقعي, كما فيه من خرق قوانين الطبيعة, وعلى القارىء أن يتخيل قوانين جديدة لتفسير الظواهر العجيبة.
   يرى (ميلين كلاين) أن الفنتازيا: هي القوة الدافعة وراء استبطان الواقع.
   ولذلك تعد الفنتازيا على حسب قول كلاين, أمرا جوهريا تساعد على إدراك الواقع. وسنرى ذلك من خلال استعراضنا للرواية بشكل موجز.
   صدرت الرواية عن دار روعة عام 2017م تقع في 173 صفحة من القطع المتوسط, تمثل صورة الغلاف فكرة الرواية, فهناك أربع نساء, ثلاث منهن بشعر أسود وواحدة لها شعر أصفر, وبينهن من تلبس كابا ميري, وجميعهن بشوارب, وخلفهن ظلان لرجلين أحدهما يحمل سلاحا والآخر أعزل.
     تدور أحداث الرواية في عام 2666م, في شهر يونيو وترتيبه في الشهور الإفرنجية 6 أيضا, فترة زمنية مستقبلية, تدور الأحداث في عالم تحولت الحياة الاجتماعية فيه تحولا جذريا, في طبيعة الرجل وطبيعة المرأة, فالرجل كما يطلق عليه الكاتب (ترجل في البيت) يقوم بما تقوم به المرأة الآن من حمل ورضاعة وتنفق عليه زوجته, هي من تخرج للعمل وتعود مكدودة آخر اليوم ليقابلها زوجها بالأحضان وقد أعد لها كل وسائل الراحة, يطعمها يساعدها على النوم المريح, يقوم برعاية الأطفال وتنظيف البيت وطهي الطعام, أما هي فتقابل كل هذا بالغضب والسب والضرب للزوج المقهور المسكين المستأنس, الذي لا غاية له في الحياة إلا رضاها, لا يطمح ولا يتمنى إلا أن تكف عن ضربه وإهانته, وعلى هذا تحول المجتمع إلى رجال مقهورين ونساء مستبدات ظالمات, حتى يتمرد الجيل الجديد على هذا الوضع ويقوم بالثورة, ويتصاعد الصراع ويأخذ أشكال الثورة الحقيقية بتدخل الجيش والشرطة فيها.
     بطل القصة علي حسام الشريف هذا النموذج المقهور والذي لا يخاطب زوجته إلا بستي وسيدتي, أما زوجته التي رَجَّلته في البيت فاسمها ( رشيدة ) تلك الظالمة الغاشمة, التي ولد لها ابنه ثائر وسمير, وثائر هذا كما يدل اسمه هو الذي تمرد على هذا الوضع المقلوب, وأصبح فيما بعد عضوا في جماعة (رجال الحق) 
     المجتمع كله هذه طبيعته, ( ريري ) أم علي بطل الرواية تفعل ذلك مع والده حسام, وجاراته يفعلن ذلك, كما أن أصوات استغاثة الرجال من الضرب وصراخهم تدوي في المدينة كلها, الرجال في هذا المجتمع يعانون من تحرش النساء بهم ويتوارون خجلا من ممارسات النساء معهم, يخافون أن يخرجوا من البيوت خشية الاغتصاب, فعادة النساء اغتصاب الرجال, ولا ترى امرأة رجلا في الشارع إلا هجمت عليه لاغتصابه, بينما هو يتوسل إليها أن تتركه كي لا تفقده عذريته. ويحمل العار فوق رأسه ورأس أهله إلى الأبد.
     "لم يكن يعاملها إلا على أساس أنها سيدته, وأنه خادمها العبد المطيع الذليل, الذي يعشق التقرب من مولاته في تذلل, كان يتفنن في إظهار ولهِهِ بها وعشقه الذي لا تحده قيود ولا تمنعه عوائق, لقد كان يحب البقاء تحت قدمي سيدته, ويتلذذ بلعق أصابع يديها وقدميها ...." ص 75
     هذه السطور تظهر مدي الخضوع الذي يعيشه الرجل في كنف زوجته, ورضاه بذلك بل استمتاعه بهذا الخضوع, فعلام الثورة إذَنْ؟!
 حتى وإن غضب لنفورها منه فهو يبتلع غضبه ولا يظهره. 
     "كانت تعود فتجده مبتسما وهي تراه يقف في البلكونة منتظرا رجوعها على أحر من الجمر, كان يقسم لها إنه ينتظر أن يستمع إلى صوت خطواتها حتى قبل أن تدخل الشارع, كان يخبرها أنه يتنسم عطرها ويحس بعبيرها, فيقوم ليقف في البلكونة ليكون في شرف استقبالها.... " ص71.
     المرأة في رواية اثنان أربع ستات شبقة أبدا للرجل, لا ترى رجلا إلا انقضت على شفتيه, حتى العميد عنايات هَمَّت أن تفعل ذلك كثيرا لكنه كان يهرب منها ويتحاشاها, أما سميرة فقد أفقدت علي حسام الشريف بطل روايتنا عذريته قبل الزواج, وهذا السر هو الذي كان سببا في إشعال الثورة بعد أن كشفته زوجته رشيدة.
     أجاد الكاتب عبد الرحيم درويش في إدارة الصراع وتلاحق الاحداث, كما أن لغة الرواية سلسة لا تعقيد فيها, حرص الكاتب على الفصحى حتى في الحوار بين الشخصيات, أيضا فيها تناص مع آيات من القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, وهذا يعود لثقافة الكاتب الدينية وحفظه للقرآن الكريم, كما أعرف عنه.
     الأماكن في الرواية متعددة, فيها المغلق كالبيوت مثل بيت علي حسام وبيت والدته ريري, وبيت جارته سنية التي دأبت على ضرب زوجها, وأيضا السجن الذي أودعته فيه زوجته رشيدة, وجمعية "رجال الحق", وأيضا الأماكن المفتوحة كالشوارع التي قام فيها الحراك الثوري لجماعة رجال الحق, التي قامت لإزاحة ظلم الزوجات عن الرجال, وتغوُّلَ النساء على السلطة في البلد, فرئيسة الجمهورية سيدة, والقوانين لتكريس استبداد المرأة بالرجل.
      وكان مما أحسن فيها الدكتور عبد الرحيم درويش أنه لم يجعل هذه الجماعة مقصورة على الرجال فقط وإنما ضمت أيضا النساء الثائرات على هذا الوضع, فكانت بمثابة صوت الحق للجنسين معا.
     رواية اثنان أربع ستات تجعلك بعد قراءتها تردد "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله" هذه الفطرة التي ارتضاها الله لنا هي الخلق السوي, صور ومشاهد ذل الرجل و قهره وقيامه بدور المرأة من حمل ووضع وإرضاع ثم قيامه بالتزيين لزوجته بالأصباغ والألوان كلها مشاهد تنفر من هذا الوضع, ولا تساعد على التعاطف مع الرجل في الرواية. 
   أهمس للكاتب الدكتور عبد الرحيم درويش فأقول له: حتى في ظل الوضع الصحيح السوي, لا يتهالك الرجل على المرأة بهذا الشكل الذي جعلت فيه المرأة وكأنها لا هم لها إلا الجنس والمتعة, في الوضع الطبيعي يتزوج الرجل من أجل تكوين أسرة كي يستعين بها على السكن والهدوء, كما أنه لا يتعرض الرجال للنساء كما تفعل نساء الرواية بالرجال, فالرجال في تلك الرواية لا يأمنون على أنفسهم حين يخرجون للشوارع  خوفا من النساء جميعا؛ فكلهن متحرشات مغتصِبات؛ لا قيم ولا خلاق لهن.
     "أنا كبير يا أبي وأفهم ما يمكن أن تتعرض له من خطر جراء ركوبنا للتاكسي مع سائقة لا وازع عندها ولا دين ولا ضمير"
     "نعم يا ولدي سائقات التاكسي سمعتهن سيئة, ولا أدري ما سيُفعل بي ولا بك لو ركبنا بمفردنا مع واحدة منهن". 
     "معك حق يا أبي. لقد صرنا مستضعفين هذه الأيام, وعلينا أن نتجرع عارنا في صمت يا أبي, نخاف من السائقة ونخشى من كل أنثى قد تتحرش بنا, ترى ماذا نفعل يا ربي في هذه الأيام" ص26. 
     هذه هي المرأة في اثنان أربع ستات, إلا نموذج واحد مضىء هي منيرة حبيبة ثائر, ومع ذلك في أكثر المواقف جدية وقت اندلاع الثورة تنقض على شفتيه وتلامس خديه وكأنها لا تحمل في راسها عقلا. 
     أما العجيبة فهي تقديمها لثائر حبيبها وجبة شهية من ثلاث زوجات هي رابعتهن يتزوجهن في ليلة واحدة, كما أن من منجزات الثورة أن يتقدم البطل علي حسام الشريف الصفوف وفي صحبته أربع زوجات بفساتين الزفاف البيضاء, العميد عنايات وعالمة الاجتماع وسميرة ابن خالته التي أفقدته عذريته قبل الزواج وواحدة من جماعة رجال الحق.
     أخيرا أقول للكاتب د. درويش: كما غيرت قوانين الحياة في الرواية وجعلت الرجل يحمل ويلد ويرضع, لماذا تركته يتزوج أربع نساء؟ ألا يؤدي ذلك لاختلاط الأنساب؟!
     هذه الرواية تعابث من يقرأها ليقول الكثير ويتعرض لزوايا عديدة تناولتها تلك الرواية لكنني سأكتفي بهذا القدر. وأنهي هذه القراءة بكلمة, إنها رواية الخيال المثير للنقاش والأخذ والرد وهذه هي طبيعة كتابات الأديب عبد الرحيم درويش, لا يرضيه إلا أن تثير كتاباته دوائر من الحوار القلق والمشاكس.
كل التقدير لقلمك أديبنا الرائع ودعوات بمزيد من الإبداع والتألق. 







Share To: