قرأت للكاتبة التركية ( إليف شافاق) روايتها الشهيرة " لقيطة إستنبول " و التي أراها جديرة بالإهتمام أيضاً                         
أتمنى  أن تنال مراجعتي لها إعجابكم.
ص  ٨-١٩٩...العالم سيء في جميع الأحوال . الماضي و المستقبل ، هنا و هناك ....كل شيء هو ذاته . التعاسة ذاتها في كل مكان . فإما أن الله غير موجود ، أو أنه بكل بساطة  مترفع  عن رؤية الشقاء  الذي ألقى بنا إليه. إن الحياة حقيرة و قاسية" 
هي كلمات التقطتها من " لقيطة إستنبول " للكاتبة التركية ( اليف شافاق). العنوان بحد ذاته رواية، خاصة ًفي مجتمع ٍ شرق أوسطي غارق بالتناقضات و السوداوية . تحاول الكاتبة تطعيمه' بنكهة الغرب منذ بداية الرواية عبر خلطها المباشر لسيرة حياة عائلتين تركية( قازنجي)  تعيش في تركيا و الثانية أرمنية (تشكماكجيان)تعيش في أميركا في مطلع القرن العشرين و عبر التنقل الزمني بحرية ما بين الماضي و الحاضر و التنقل المكاني بين تركيا و الولايات المتحدة  في روايتها الصادرة  باللغة الإنجليزية  عام ( ٢٠٠٦) ،
أول ما يلفت نظرنا هو الإسقاطات التاريخية على سجل تركيا من خلال سردها الذكي لقصة النساء  الشقيقات والمختلفات في عائلة ( قازنجي) التي كانت تسكن بيتاً كبيراً في إستنبول ، فنراها تسحبنا بلطف الى موضوع إمكانية العيش المشترك رغم التناقض بين الطباع و الأفكار كمؤشر على تنوع المجتمع التركي.
نبدأ ب( زليخة) الأخت الصغرى  المستهترة و الطائشة تملك صالوناً للوشم و هي والدة ( آسيا) اللقيطة  التي جاءت نتيجة اغتصاب  أخيها  ( مصطفى ) لها؛ترمز إلى  الصراع  الأرمني العثماني ... حيث كان من المفترض على الدولة العثمانية حماية الأرمن لأنهم جزء من مكوناتها  لكن الذي حصل هو العكس عندما تحدوا السلطات العثمانية فقامت بمعاقبتهم بوحشية تماماً كما فعل مصطفى بأخته زليخة عندما  استفزته بتمردها و بإصرارها على ارتداء التنانير القصيرة و استعراض مفاتنها أمام الغرباء ... ص ٣٠٨"الأتراك لم يرتكبوا أي خطأ بحق الأرمن ، و إذا كان ثمة من سبب ، فالأرمن هم من ثار على النظام العثماني و قتلوا الأتراك ... إذا كان  النظام العثماني مجرماً حقاً كما يدعون و قتل الأرمن ، فكيف يوجد أرمن الآن يتحدثون عن ذلك؟"
(بانو) التي اكتشفت مواهبها كمنجّمة و هي هنا ترمز للمكوّن الإسلامي الصوفي  الذي يعيش على الشعوذة .(سيزي )الأرملة و المدر ّسة تمثل التيار القومي المتعصب و فريدة المهووسة بالكوارث .أما ( آسيا) الابنة اللقيطة فهي ترمز إلى تشتت الهوية التركية بين الشرق و الغرب ، و هنا جدير بالذكر أن الكاتبة تشجع على انضمام تركيا إلى أوروبا.
يذهب (مصطفى ) الأخ الأوحد إلى الولايات المتحدة و يتزوج من الأرمنية الأميريكية  (روز)  والدة (أرمانوش)  من زوجها الأول الأرمني و هي تجسد الهوية الأرمنية ذات الماضي المؤلم و الذي لا تستطيع التخلي عن ذكرياته. 
نجدها بعد سنوات تسافر إلى تركياو بالتعاون مع آسيا تحاولان كشف أسرار كبيرة عن العائلة و عن تاريخ تركيا الحديث.
تنتهي القصة بقيام الأخوات بقتل مصطفى بالسم الذي وضعته له زليخة له في صحن العاشورية  محققة نبوءتها في بداية الرواية ص ١١"بدأت تشعر مرة أخرى بعودة موجة الأدرينالين تتصاعد في بطنها، ترغي و تزبد، و تسرع من دقات قلبها ، مما جعلتها تشعر  بأنها ليس كأي امرأة أخرى في عائلتها،قد تقتل رجلاً ذات يوم" .
هذه الخاتمة تعبر عن رفض الكاتبة لاستقرار الحالة العثمانية في تركيا و لو ارتدت قناع الديمقراطية و ذلك في مسعى للخلاص من الإرث العثماني الثقيل .
أيضاً تلفت نظرنا العناوين الغريبة و المتفرقة لفصول الرواية : قرفة  ،سكر ،ماء الورد، اللوز و سيانيد البوتاسيوم. فقط نراها تجتمع في الفصل ما قبل الأخير في الأكلة التراثية ( العاشورية) و التي تتسبب في موت مصطفى العثماني المتجدد.
في السياق العام تقدم الكاتبة شخصيات أرمنية تحتل مساحة  سردية واسعة مثل ( روز و ابنتها أرمانوش) و هما تحملان لواء التذكير بمذابح الأرمن و تهجيرهم القسري . حتى عندما تكون أرمانوش في ضيافة تلك العائلة التركية ؛ تعبر عن سخطها و حزنها من تلك المجازر و تروي بالتفصيل قصة تصفية العثمانيين لجدها(هوفانيس ستامبوليان) الشاعر المعروف بعد القبض عليه...
الشيء الجميل هنا  توظيف الكاتبة هذا الموقف لتوحيد الصف التركي الحديث و ذلك عن طريق الفصل بين الهوية  العثمانية القديمة و التركية الجديدة من خلال السلمية في الحوار  بين أرمانوش و النساء التركيات المضيفات ص ١٩٧"ظنت أرمانوش أنها قد تسمع منهن اعترافاً بالذنب، إن لم يكن اعتذاراً. لكن ذلك الاعتذار لم يأتِ، لا لأنهن لم يتعاطفن معها ، فقد أحسسن بالتعاطف معها ،بل لأنهن رأين أنه لا توجد أي صلة تربط بينهن و بين مرتكبي هذه الجرائم .....فالأرمن و الأتراك يعيشون في إطار زمني مختلف. فالزمن بالنسبة  للأرمن دورة تجسد فيها الماضي في الحاضر ، و الحاضر يولِّد المستقبل . أما الأتراك ، فالزمن بالنسبة لهم خط متقطع ، فيه فواصل عديدة ، انتهى فيه الماضي عند نقطة محددة و بدأ الحاضر مجدداً من نقطة الصفر ، و لم يكن سوى خط فاصل في الوسط"...لذلك فإن ما نراه من توافق هو ظاهري فقط"أنت صديقتهم فقط ما دمتِ تنكرين لهويتك.هكذا كان الأمر مع الأتراك طوال التاريخ"ص٢٢١
أيضاً نجد حيزاً واسعاً من الحرية في مناقشة كثير من القضايا الحساسة كالحجاب و العلاقات خارج الزواج و النساء المتعطرات بندى الاستقلالية فبعد زليخة المتمردة دوماً و العابثة  في علاقاتها مع الرجال، نجد أرمانوش التي تخدع أمها و أبيها و تذهب الى إستنبول لاكتشاف حقيقة أصلها بعد أن أوهمت كل واحد من اهلها انها في ضيافة الثاني....و آسيا التي تعلن ذلك بوضوح ص١٧٩"الماضي ليس سوى قيد يجب أن نتخلص منه. إنه عبء ثقيل مبرح.  كم أتمنى أن لا يكون لدي ماض-كم أتمنى أن لا أكون أحداً، و أن أبدأ من نقطة الصفر و أبقى هناك حتى الأبد، خفيفة كالريشة . لا أسرة ، لا ذكريات و كل ذلك الخراء...."
صحيح أن الكاتبة صورت و بشفافية مذهلة تركيا الأتاتوركية العلمانية ، لكنها لم تبخس التراث التركي حقه من خلال التفاصيل الاجتماعية الصغيرة في المجتمع ، كأن مثلاً أخبرتنا عن القساوة الناتجة عن معاناة لم يستطع ممارسيها  نسيان ماضيهم ...كحالة الأب (ليفينت قازنجي) ص ٢٥٧الذي" لم يكن يتورع عن استخدام حزامه لمعاقبة زوجته و أطفاله..." و كأنه ينتقم من حرمانه العطف و الحنان بسبب فقدانه لحضن أمه التي تخلت عنه لتهرب مع رجل آخر غير والده.
هذا الأب القاسي تحرمه الأقدار من ابنه الصبي( مصطفى) الذي جاء بعد أربع بنات ، حيث يهاجر الى أميركا و يتحول وجوده في حياتهم إلى " مجرد بطاقات بريدية و رسائل"ص ٢٥٧
 
الرواية بشكل عام جريئة و دخلت الى مفاصل الروح و الفكر ؛ كثيرة هي المرات التي تكلمت فيها عن أشياء نتجنب النقاش حولها لأنها من خصائص فئة معينة من الناس . مثلاً نلاحظ طرحها لموضوع المتحولين جنسياً و المرأة التي ترفض الاستمرار في علاقة لا تسعدها . ثم نراها تدخل الى الفكر الايديولوجي للأرمن حيث نراهم يحرصون على الحفاظ على استمراريتهم من خلال زرع فكرة ضرورة الزواج في عقول البنات و ذلك عوضاً عن التشجيع على الدراسة "كانت أرمانوش تعرف ، ربما ليس عقلانياً بل غريزياً ، أن السبب وراء مقاومة عائلة تشكمكجيان لولعها بالكتب شيء أكثر عمقاً من مجرد رغبتهم  في تذكيرها بالأشياء التي تنشغل بها الفتيات في عمرها لا لأنها امرأة فقط  بل لأنها ارمنية ايضاً " .
أعتقد أنها رواية غنية و حية جداً . تطرقت إلى كل المواضيع الإنسانية بحرية اكتسبتها من شخصيات روايتها تقول أرمانوش في ص٢١٣:"إن الأدب يحتاج إلى الحرية لينمو و يزدهر ".هذه الحرية التي جعلت الكاتبة تترك  الباب مفتوحاً للقراء كي يحددوا وجهة نظرهم بعد أن وقفت على مسافة واحدة من كل الأطراف المتناقضة  ص٣١٠:"إن بعض الأرمن في الشتات لا يريدون أن يعترف الأتراك بالمجازر . فإذا فعلوا ذلك، فإذا فعلوا ذلك فإنهم سيسحبون البساط من تحت أقدامنا  و يسلبون أقوى رابطة توحدنا . فمثل الأتراك الذين اعتادوا على إنكار خطتهم، اعتاد الأرمن على وضع أنفسهم في شرنقة أن يكونوا الضحية. يبدو أنه توجد بعض العادات القديمة التي يجب أن تتغير في كلا الطرفين.
هذا ما قاله البارون باغداساريان"






Share To: