الفارق الاكبر بين حقيقتي (الفهم) و (التذوق) لاسيما عند الشعراء ...
وشاعرنا القدير ماجد الربيعي هو من اولئك القادرين على الفصل بين الفهم والتذوق وتوضيح ذلك لجمهوره وقراء فنّه المتميز ، باداة ذهنه الفاحص وشعوره المرهف ، وهما طاقتان قد انتصبتا عنده بهاء وروعة .
فقويت تلكما الطاقتان وتوقدتا وجودا في شعلة قلبه وعقله على حد سواء ، حتى اصبحتا نافذة تطل على حديقة غنّاء مليئة بأغصان زيزفونه .
من هنا نفهم بوضوح المبرر الأساس ، والسبب الأسمى الذي جعل شاعرنا يُطلق صيحتَه الملتاعة تحت اضلع تكاد تكون متهاوية بصرخة طواعية أذوت حشاه وأذكت حزنه وألمه في بناء جميل أوكلَه الى صورة كئيبة رسمها لنا شاعرنا بفؤاد مبتهل ، وانامل معتلة ، وحرف لم يكن مالوفاً لديه قبل اوانه هذا ، ماجعل تلك الصورة مَجدُولةً بجدائل النأي والكبر والهم والابتسامة ، وماجعلنا نعيش معها روحانية قد سرت في روح شفافة ، بعد شدة معاناة ، وطول مجاهدة ، مما يجعل شاعرنا مطالباً بالشرح والتفسير عن تلكم القدرة الفائقة التي امتلك زمام تركيباتها اللفظية ، وتذوقَ فيها ايجابيةَ صورها الفنية مع شكوى سنيِّه الخمسين التي رافقت لونَ شيبهِ الابيض ومكابرةِ شاعرنا وعناده اللذين راق له ان يتجاوز من خلالهما منحدراً خطيراً اودىٰ به الى ساحة صراع شديد لا هدوء فيه ولاصمت .
وقد انتصب ذلك الصراع بشكل جعل شاعرنا مثيراً للشفقة ، والشعور بالغضب ، حتى غرق في ذكريات سنيّهِ الخمسين ناسياً (او متناسياً) وجودها الفعلي والتي توالت عليه عجافاً ماجعلها مؤثرة جداً حتى استحال الى لونٍ أجردَ بفعل فصوله التي انقضت دون ان يغتسل شاعرنا بأمطارها من درن اوجاعه التي تراكمت وتراصت مع بعضها البعض لتسرق منه ربيعه الذي لم يعد بالإمكان ردُّهُ او اعادته ، ولتهرق روحَه ودمَه الفائر على جدران غربته ووحدته اللتين أفناهما بين ايام مريرة وليالٍ سقيمة ، وهو يحاول في هدأتها ان يأوي الى ظل راحة ينشد فيها اشواقه التي اوجعته تحت املِ فجرٍ له رائحة تبعث في نفسه مقدارا عظيماً من الأمل الذي لايُرجِعُ له ربيعَه الذي هشّمتْه الخمسون بمعاولها ، وألقت بها في جوفِ موقدِ نيرانها المتلظية ، حتى خُيَّلَ لشاعرنا انه يحاكي ظنونَه المختلفة بظهر أحدب ، ونوبات سعال متتابعة ، وهوىً اصابته عدوى الفتور ، ونفس مكسورة تصببَ منها عرقاً ، ما حدا بشاعرنا الربيعي ان يفكر مليّا في نظم هذه الابيات ويستمر بها طويلاً بشكل متزن وعبارات منسقة جعلته يصيح بأعلى صوته (ياويح نفسي ) باسلوب شعوري غير مبهم ، يجعل من صرخته المدوية (على ماذا اصبّرها) صورةً موسيقيةً لايتذوق جمالَ لحنِها ، ولايهتز لروعة ايقاعها ، ولايتجاوز نغمها سوى الخبير المتذوق للفن .
وهذا الاسلوب هو مااتخذه شاعرنا في قصيدته التي جعل منها قانوناً يسير فيه ويقرر طريقه مع ما تبقىٰ من سني عمره الذي لانديم يزيح كربَه وهمّه ، ولاسحابة صيفٍ يمكن لها ان تخرق هذا القانون ، وذلك ينبئنا ان شاعرنا مراقبٌ جيد لعوامل الطبيعة ، وعارف كيّسٌ بكل الامور التي تجعله متابعاً لدرسهِ الذي يفضي الى ان ربيع العمر سريع العطب ، وان الحلم متبدد حتماً مع الريح ... هباءً منثوراً ......
وخلاصة الأمر ... ان شاعرنا استلهم من سنيّه الخمسين شكوى اباحت له ان يتسلق السلّم مايجعله في مصاف الشعراء الكبار .
قصيدة (غربة العمر)
تحتَ الضّلوعِ هُنا خَبَّأتُ مُضطَرما
يذوي حشايَ ويُذكي الحزنَ والأَلَما
*
ما ناءَ كَتفي بِحِملٍ دمتُ أَحمِلُــــــهُ
أُكابِرُ النَّفسَ رغمَ الهَمِّ مُبتَسِمـــــــا
*
ولا شَكوتُ لِخَمسيني أُعانِدُهـــــــا
فَأَنبَتَت أبيَضاً في الرأسِ مُحتَدِمـــــا
*
تَمضي سنيني عِجافاً في تَصَحُّرِها
ولا ربيعٌ يَردُّ العمرَ إنْ هَرِمــــــــا
*
يا مُديَةً أَوغَلَت في الصَّدرِ طَعنَتَها
بينَ الحُشاشةِ روحاً أَهرَقَت وَدَمــا
*
يا غُربَةَ العُمرِ كَم أَفنيتِ من زَمَـنٍ
في كلِّ يومٍ أَذوقُ المُرَّ والسَّقَمـــــا
*
ارنو لِفَجرٍ سَيَأتيني بِأُمنيَــــــــــــةٍ
آهٍ لِفَجري بِأنواعِ الهمومِ رَمــــــى
*
في هَدأةِ اللّيلِ والأشواقُ توجِعُنــي
فَجرٌ بَعيدٌ وليلٌ تٌهتُ بينَهُمـــــــــــا
*
شَتّى الظُّنونِ أُحاكيها فَتَجعَلُنــــــي
أَدورُ بينَ شَتاتِ العُمرِ مُتَّهَمــــــــا
*
أُعاقِرُ اللّيلَ يَمضي دونَما أَمَـــــلٍ
ما زِلتُ أَحلُمُ ليتَ العمرَ ما سَلِمـا
*
أمضي معَ التيهِ والأوهامُ تَنهَشُني
أُصَبِّرُ النفسَ مَكسوراً ومُنهَزِمـــا
*
يا ويحَ نَفسي على ماذا أُصَبِّرُهـا
وقَد عَلِمتُ بأَنَّ العُمرَ مَرَّ كَمـــــا
*
سُحابُ صَيفٍ فلا قَطرٌ يُبَلِّلُنــــي
ولا نَديمٌ يُزيحُ الكَربَ لو عَظُمــا


Post A Comment: