عالية ممدوح والإيقاع الحي
في رواية " الغلامة "
-الرواية ، ودلالة العنوان الإيقاعية
رواية الغلامة ، رواية تبحث عن إيقاعها الخاص ، إيقاع تتكتم عليه لغتها وشخصياتها وزمانها ومكانها ، لذلك بإزاء فكرة الحركة بوجه عام ، وهذا الإيقاع إنما يستمد وجوده في خارج الإنسان وداخله، والذي يعبِّر عن حاجة روحية وعن ضرورة مادية في الآن نفسه ، هو عنصر نشعر به جميعًا ونتحدث عنه، وندرك أنه أول مظهر للحياة في الكائنات الحية عامةً ، وهو كذلك في روايتنا هذه ، وعلى نحو عميق في كتابة " عالية ممدوح تحديدا ، ويمكن العودة إلى تعريف للرواية كانت الكاتبة قد أطلقته في واحد من حواراتها ..تقول :"الرواية محاولة كتابة تريد الوصول إلى اللحم الحي من الكلمات والسرد وأساسيات الروح وأكوام لا تحصى من عبق ما كان يسمى وطنا" مما يجعلنا نقول أنها واحدة من كاتبات السرد المميزين في عالم الرواية ، وقد تكون من الأعمدة الأساسية التي نهض عليها هذا الفن الذي وصلت إليه الكتابة الجديدة ، وهو ما نحاول تلمسه في رواية " الغلامة " الصادرة في طبعتها الأولى عام 2000 م ، بداية من عنوان الرواية " الغلامة ، الذي يوجه ، إيحائيا ، إلى تأنيث المذكر ، وهو تأنيث للغلام نادر الاستعمال ، ولو عدنا للغة سنجد غلام بضم الغين والجمع غلمان , وأصله من الاغتلام وهو شدة طلب النكاح وأيضا الصبي من حين يولد إلى أن يبلغ شابا، وفي حوار مع الكاتبة عن روايتها وسبب تسميتها بهذا الاسم قالت أن لقب " الغلامة " لقب اطلقه عليها أحد الاصدقاء ، بسبب شدة نحولها وقسماتها الغلامية ، وهو ما جعلها تستحضرها وتشطفها من الغبار ، ثم تسمي باسمها بطلة قصتها صباح أو صبيحة ذات الأسماء الحركية المتعددة ، والاسماء لا تخلو من الاشكاليات ..(كنت أريد أسما عاديا ولا يعود لأحد .أسماً بارداً ،نيئاً لا محبوبا ولا يجترح الاعاجيب، يا رب العالمين ،الأسماء كالمصائب. الاسم مشكلة سياسية /155-156)..والأمكنة ثابتة في موضعها، والمتغير الوحيد، هو التسمية، المنبثة من المتغير السياسي ومن الواضح أننا أمام كاتبة متحررة من قيود التقليد ، وقادرة على تسمية الأشياء بمسكوكاتها الخاصة ، أي منحها إيقاعها الحي وهو ما ينعكس على نصها ، ويُكسبه سمتها الأسلوبي الخاص ، بل ويفترع إيقاعات جديدة تطلق للكاتبة يد الابتكار ، ويبدو أن إخضاع نص لسمت الذكورة والأنوثة في آن معا يشير إلى أننا بإزاء نص / جنس إيقاعي ، مختلف وجميل .
-الفرق بين حكاية الرواية وسردها
1- ترصد الكاتبة الحياة في العراق من العهد الملكي وحتى 1977، من خلال معايشة أبو صباح لماضيه، ذلك التاجر الذي يطارد النساء وأقصى حلمه إنجاب الذكر، تبين مقدار العنف والمجازر التي حدثت في تساؤل لا إجابة له عن أسبابه، ترصد مصائر أبطال آخرين تنتهي حياتهم بمأساة، مثل هجران صديقتها وجارتها، التي تنتهي إلى أن تصبح مجنونة بعد أن تخلى عنها حبيبها “رامي” الذي كان بعثياً وصولياً.. الرواية ترصد الحيوات الخربة التي انتهكها العنف السلطوي الوحشي، والتي لا تنتهي بالخلاص، فالخلاص في تلك الحالات هو إنهاء الحياة أو الجنون ، أما صباح فيتم اعتقالها واختطافها في نادي رياضي قريب بسبب أن حبيبها ناشط سياسي، في فترة الستينيات، تصور الكاتبة مشهد الاعتقال ومشاهد التحقيق والاغتصاب بلغة مميزة، وحكي غير متوقع، تنتبه “صباح” لملابس المحققين ورائحتهم، يشغلنا السرد عن التعذيب الوحشي والاغتصاب لكنه يحوم من حوله، يتناول تفاصيل أقل وطأة على الروح.. تنشغل عالية بشعور “صباح” بجسدها الذي ينتهك بوحشية، فيشعر القارئ أنه حل مكانها، يسمع أصواتاً بعيدة، وصوراً مشوشة، ويفقد الشعور بالألم بعد تجاوز ذروته.. لا ينتمي سرد الكاتبة للسرد المأساوي إنه أقرب إلى الحيادية ، ونتعرف من حكايات “صباح” على “هدى” صديقتها، و” سالم ” ابن خالتها الذي يعشقها إلى حد الجنون، وخالتها التي تتعامل بصبر أم مع محنتها، تحمل من اغتصابها وتنجب طفلة لكن بعد إطلاق سراحها بواسطة أحد الجيران البعثيين لا تعود كما كانت، تظل لشهور لا تستحم ولا تعبأ بالحياة حولها، ثم تتحول لامرأة تائهة تقيم علاقات غرامية متعددة وتغير اسمها مرات، لكنها لا ترتاح إلا لقرار الانتحار، فترمي بنفسها في نهر دجلة لتتفسخ جثتها..
2-هذه تقريبا حكاية الرواية ، أما سردها فيعتمد على طريقة كتابة الحكاية ، ومرادفاتها العديدة ، أي ان السرد سيكون بمعنى " النظم " أو " التركيب " أو "الإيقاع " ، وهذا معناه أن السرد هو العنصر الجمالي للحكاية وإذا كان الأمر كذلك وأن لكل شيء إيقاعه ، فلابد أن يكون إيقاع الشيء ملائما للشيء الذي تنطلق منه أو تتخلل فيه ، ومن هنا يتخلق الاستمتاع ، والإحساس بالنشوة بسبب العلاقة التفاعلية التي تقيم توازنا بين إيقاع النص الكامن في طيات السرد ، وبين ظواهر الحكاية وما فيها من أحداث ووقائع وشخصيات ، ولو أردنا أن نُظهر ذلك يمكننا أن نختار أي مقطع من أحداث الرواية ، وليكن كلام صباح لصديقها رئيس المؤسسة الصحفية – صحيفة الغد - الموصوف " بالمناضل في لقائها معه في مكتبه للتدليل على ما نقول :
" لم ترق لي غرفتك ، غرفة مدير عام بالفعل ، كانت عباسة زوجة أبي ستطلق عليها اللقلب الضاحك : " يطارد بها الخيال " ، مضيئة ، شاسعة ، مهواة نظيفة ، لكن بها شيئا ما ، شيئا طارئا ، مؤقتا ، حتى هذا النحت ليس دقيقا ، كانت زائفة كلما اقتربت منها ، كأنها غرفة مقصوصة من مجلة أجنبية ذات حداثة شديدة ومخيطة بخيوط نازلة على مؤسسة إعلامية ناهضة للتو ، آتية من الكريستال المضلع ، استيراد إحدى الدول الاشتراكية وفي الوسط باقة أوراد اصطناعية مشغولة بطريقة ماهرة ، لكنها بشعة ، ترى هل تذبل الأزهار الطبيعية بسرعة في غرف المدراء العامين والمناضلين العراقيين ؟! "ومثل هذا التعبير ليس مجرد وصف لحجرة رئيس المؤسسة ، بقدر ما هو وصف لشخصيته ، لذا هناك انفعال وحساسية وتوتر وسخرية ، كذلك هذا المقطع دال على الحالة النفسية والشعورية الخاصة ببطلة الرواية – الأنثى - في مواجهة المناضل – الذكر - الذي يواصل هو الأخر " البحلقة الهادئة إلى حركة يدها وعنقها والزنود وهي تطلق أصوات العقود الذهبية النازلة على صدرها "
وهكذا يمكننا الربط بين شكل الشخصية وبين لغتها ، وأيضا ملامح العالم الذي يجمع بينهما في لقائهما الأول ، من خلال حركتهما ، أي إيقاعهما ، وهذا الايقاع الذي نزعم نقل الصورة من التجريد إلى التجسيد ، وهذه هي النقلة الأهم في السياق التعبيري الذي نقلناه للقارئ للتدليل على ما نرمي إليه من فروق بين الحكاية وسردها .
- جلال الإيقاع في اللغة والتركيب
ان كلمة السرد بمعناها الذي افترضناه هنا ، أهميتها في تشكيل عوالم متخيلة ، تحاك ضمنها صور الذوات ، وتندغم فيها أهواءها ونزوعاتها، وهذا الخليط العجيب هو الذي ينسج الحكاية التي هي تاريخ الشخصية وتصورها لنفسها وللعالم ، وبمعنى أخر يمكن القول إن الشخصيات والأحداث هي ذاتها إيقاعات تتشابك فيها كل هذه المكونات ، كما أن الاعمال الابداعية التي يكون موضوعها – الصراع بين السلطة والناس – غالبا ما توّلد الحركة / الإيقاع ما يجعلها تلج إلى تلوينات الفكرة ، والأشياء ، والمعاني ، وقوة حضور الشخصيات ، كأنها هادرة تندفع في طريقها بشهوة ، بحيث تصل إلى نهاية لا فكاك منها ، وهو ما يتمثل في شخصية صبوحة أو صباح بأسمائها الحركية ، وبفكرها وحيويتها وشبوبها ومعرفتها ولغتها الفاحشة ، وغيرها من شخصيات الرواية في احتكاكها وتعاركها وتلاحمها مع كل شيء ، ولنقرأ عن ريحانة زوجة والد صباح بعين صباح ذاتها : " ريحانة كالثريا وبها أبهة وهي تخلد في حضن أبي ، يمامة بللها الندى والضوء ونشيد الراعي المزدحم بالنغمات ، شديدة الانتباه والإصغاء والنظام كانت ، لحمها مشغول كله حتى يطابق هوى الوالد ، حين تدخل حمامها اليومي تنقع اللحم الفياض بزيت الجوز الذي يستورده لها من التجار الهنود فيطير عقله عندما يمد اليد واللسان والفم وهي تتمطى وتتعرى في الركن الفسيح ، واقفة بطولها الذي لوحته الزيوت ، الأغذية ، الزبدة البلدية والأسماك النهرية ، يستعجلها لكنها لا تهتم ، تفك ضفائرها وتدفع بشعرها إلى وراء ، تمسح البخار عن المرآة لترى وترى وتواصل الابتسام ، تطلي الوجه والرقبة والزنود وترش عليها ماء الورد ، وجهها يتغير ، يطفر الدم من الخدود : وجهك يطلع منه ضوء ، تطلع منه أنفاسي ، لا تصدقين ؟! تعالي شوفي وجهك بعيوني .
إن ذلك كله لإيقاع " عالية ممدوح الذي قرأته هنا وهناك ، بحميمية واشتعال ، والقارئ من المؤكد سيعيش هذا الإيقاع بأوجاعه واغتباطاته ، والمتفجر في قطع سرد قلق لا يستقر ويتموج ويضطرب في حنايا اللغة ، وفي فكر كاتبة وفي علاقتها بالعالم وبالثقافة وبالكتابة التي هي الحياة ذاتها .






Share To: