.                          سمير اليوسف


في واحدة من "محاضرات ريث"1993 التي بثتها اذاعة بي بي سي، وقدمها ادوار سعيد (نُشرت لاحقاً في كتاب تحت عنوان "صور المثقف") يميّز المفكر الفلسطيني ما بين الخبراء والهواة. الخبراء هم الخبراء الحديثون ممن ذكرنا في الحلقة السابقة. وهؤلاء على ما يعرّفهم سعيد هم عموماً أكاديميون اختصاصيون في حقول مختلفة، سياسة، اقتصاد، تاريخ .. الخ. وهم مرتبطون بمؤسسات علمية، جامعات ومؤسسات بحث، تقوم ببحوث وفقاً للحاجة في المجتمع والدولة.
نظرياً من المفترض ان الخبراء هو علماء اختصاصيون يتبعون مناهج علمية في الحصول على المعرفة العلمية، الموضوعية بطبيعة الحال. الواقع يروي قصة مختلفة تماماً.
لنعد الى ما جرى في العراق في عام 2003 ، الى الغزو الاميركي-البريطاني. الخبراء زوّدا مجرميّ الحرب جورج دبليو بوش وتوني بلير بما يكفي من المعلومات التي تحض على الغزو. أن صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شاملة، ان الشعب العراقي سيستقبل الغزاة بالورود والقبلات، انه سيُصار الى انشاء حكم ديمقراطي في العراق يكون بمثابة المثال الذي ستحذو الدول المجاورة حذوه، بل انه سيُصار أخيراً الى حل سلمي للصراع العربي الاسرائيلي.
خرافات وكذب فاضح، كما برهنت الايام، والأعوام، اللاحقة على الغزو.
المجرمان الكبيران، بوش وبلير، لم يطلبا معرفة موضوعية من الخبراء وانما مجرد غطاء دعائي (بروباغندا). الخبراء زودوهما بما طلبا.
والتر بنيامين نعا الينا موت الخبير التقليدي وحلول الخبير الحديث محله. الخبير الحديث، الذي اًصر على الفصل ما بين المعرفة والاخلاق، برهن لنا بانه مستعد ان يكون مثل مومس تعطي من يشاء كل ما يشاء، بمعزل عن الحق والحقيقة، طالما ان الزبون مستعد أن يدفع الثمن اللازم.
ما الحلّ اذا؟
هنا ياتي مفهوم ادورد سعيد للهواة في مواجهة الخبراء. الهاوي بخلاف الخبير، ليس أكاديما مختصاً بحقل محدد ولا هو مرتبط  بموسسة أكاديمية أو بحثية تقدم ثمرات خبراتها لمن يدفع. الاهم من ذلك انه يبقى بعيدا عن السلطة بل وفي مواجهتها ومواجهة الخبراء الذين تعتمد عليهم  في دعايتها السياسية. وهو يفعل ذلك انطلاقاً من اعادة الاخلاق الى المعرفة بخلاف الخبير الذي يصرّ على الفصل ما بينهما.
الأخلاق بالنسبة لادوارد سعيد هو الالتزام السياسي بقضايا الشعوب والجماعات والأقليات المضطهدة والمهمشة.
أدوارد سعيد لم يفوّت فرصة للانحناء امام ينابيع فكره، جورج لوكاش، انطونيو غرامشي، ادورنو، سي ل ر جيمس، فرانز فانون، ارك اورباخ ورايموند وليامز. كلهم رجال طبعاً (للاسف ادواد سعيد لم يكتب مقالة محترمة واحدة عن امرأة مفكرة أو شاعرة أو كاتبة) ولكنه حينما يتحدث عن الباحث الهاوي انما يتحدث عن نفسه. وكتابه الاشهر، وان ليس الأهم، "الاستشراق" هو نموذج لانتاج الباحث الهاوي.
ادوارد سعيد لم يكن اكاديمياً مختصاً في حقل الاستشراق. ومع ذلك تصدى لهذا الحقل أو "الخطاب" بنقد صارم أصاب منه مقتلاً. بعد كتابه هذا كلمة استشراق صارت تدل على معرفة مشبوهة ومغرضة. هذه كانت مساهمته من منطلق التزام سياسي-اخلاقي بقضية شعبه اولا "القضية الفلسطينية" وكافة الشعوب التي كابدت من ويلات السياسات الاستعمارية الغربية في آسيا وافريقيا.
ادوارد سعيد اعتبر الباحث الهاوي الملتزم بقضايا الشعوب هو البديل للخبير التقليدي، الذي كان والتر بنيامين قد نعاه، ومن ثم هو المؤهل من حيث اصراره على ربط المعرفة بالاخلاق بالمعنى الذي قصده، هو المؤهل لمواجهة السلطة واتباعها من الخبراء الحديثين.
اليوم وفي ظل شيوع العدمية السياسية بمختلف أشكالها وتجلياتها يبدو مفهوم الباحث الهاوي ضروريا للحفاظ على ما تبقى للبعض منا من كرامة وأمل.

              ادورد سعيد     




Share To: