هل يمكن أن نتفق مع الطرح الذي يقول إن ما أنجزه الدرسُ اللساني النصي الغربي الحديث في بعض قضايا النص لا ينأى بعيدا عن ما أنجزه التراث العربي وبإمكان المعاين للمدونات التراثية أن يرصد مادة ثرية اشتغلت على النص بكل مكوناته ورغم غياب التطابق الاصطلاحي بين المادتين التراثية والغربية الحديثة إلا أن حضور الكثير من الظواهر النصية في المتون التراثية يكاد يشاكل في ملامحه العامة ما وُجد في الدرس النصي الحديث ، هذا إذا لم يتجاوزه في بعض الجزئيات
في هذا السياق نطمح لتأكيد أن ما أنجزه القدامى _ باختلاف مرجعياتهم المعرفية_ في قضايا الممارسة النصية ولاسيما مقولات : التماسك النصي ، السياق ، التناص ، المقاربات التداولية والحجاجية لا يختلف كثيرا عن ما قرره الدرس اللساني النصي الحديث ، وإن اختلفت المصطلحات والمنطلقات والإجراءات وتتأكد هذه الممارسة _ بدقة ووضوح _ مع علماء أصول الفقه وعلوم القرآن الكريم وإعجازه في اشتغالهم على النص القرآني . فضلا عما أنجزته المدونات اللغوية والبلاغية والنقدية في اشتغالها على الخطاب الشعري
وفي اتجاه رصد الأنساق التي اشتغل عليها أعلام التراث تتأكد قدرة علماء الأصول وعلوم القرآن وإعجازه حين حددوا منطلقاتهم الإجرائية في اشتغالهم على لغة القرآن من استرتيجية مهمة هي : وحدة النص القرآني ، تأسيسا على بنيته المتسقة والمتماسكة بالوصفين الشكلي والدلالي وفق مراد المتكلم وهو الله عز وجل ، الذي شاءت حكمته وقدرته أن يكون كلامه المنزه على هذا النحو المتقن والعجيب تركيبا وترتيبا وهو المبرر والمحفز في الآن نفسه الذي مكن هؤلاء الأعلام من الاشتغال على امتداد النص وتجاوز حدود الجملة ليجدوا أنفسهم _ ممارسة _ في عمق الاشتغال على لسانيات النص. وقد كانوا في هذا المنحى على مسافة قريبة من منجزات الدرس اللساني الغربي الحديث مع التنبيه على اختلاف الدوافع و الأدوات والمصطلحات.


Post A Comment: