يحتضن لوحته ويقرأ ويقرأ ،وعملية الشهيق والزفير متواصلة ومسموعة،يجلس على الحصيرة،وبعض أكوام نبات الحلفاء، يمكث طويلا فتضره الحلفاء غير عدة مرات من جلسته، والشيخ: اقرأوا،عيطوا، هيا ،ياالله،،،ومطرڨ الرمان في يده يلوح به،يختار دائما إما مطرڨ شجرة الرمان أوالزيتون ميزة الرمان أن مطرڨها طويل، يتلوى ولاينكسر ولا يترك أثرا واضحة على الجلد عندما يضرب به، كانت مساحة الجامع قليلة والطلبة كثيرون لكن بمستويات مختلفة في تحفيظ القرآن ،( اصحاب حزبي سبح وعم، وياسين فنبذناه بالعراء ، والكبار أصحاب سورة الكهف والبقرة ) هؤلاء يفضلون اختيار الزوايا ويحتمون بالعرصة وأعمدة المسجد للاختفاء وللتمويه، والضحك قليلا ،لكن الشيخ لهم بالمرصاد حسبوه لايفهم وقال لهم مرارا أنا أفهم أنا ذئب،وأرى كل شيء حتى النملة أحدد مكانها ،احيانا يغضب : اقرأوا، أقرأوا،عيطوا، عيطوا، ،وتبدأ المجموعة في رفع أصواتها والكل يتمايل جيئة وذهابا والعمود الفقري يتلوى ويستقيم يتماهى مع الحركة، ويبدو العرق يتصبب على الجباه ويتناثر كحبات لؤلؤ مع انعكاس أشعة الصباح، والوجوه محمرة،ورغم ذلك ناكل المطرڨ كبيرنا وصغيرنا وكل وحظه من الضربة وموقعها ،فنتحايل ونظهر من جسمنا الجزء الذي يتحمل ضربة مطرڨ الرمان،وفي هذه اللحظة ومع الصراخ يخيل إليه أنه نحلة في الخلية،أو كأنه في سفينة فضائية تسبح به ويحس بطنين في أذنه وسرعان ما يزول ذلك الطنين حينما يخفت صوت الطلبة وترسو سفينة الفضاء،ويبدأ الخوف في الفترة المسائية قبل العصر بقليل حيث نعرض ونحفظ على الشيخ ماكتبنا وهو يستمع،وغالبا ماكان متسامحا مع الصغار اما الكبار فلا وخاصة الكسلاء الذين لا يحفظون يتعرضون للفلقة ويالها من ساعة سوداء عليهم وخاصة مع مطرڨ الرمان، ومع المتمردين يطلب الشيخ مساعدة طالبين كبيرين ،مفتولي العضلات يشبهان متصارعي الحلبة الرومانية يمسكان بالطالب من الجهتين ،لا رفس ولا تزعبيط ،أنه بين كماشة محكمة، ويضرب الشيخ أسفل القدمين المرفوعتين ، والطالب يتلوى من الألم ويصرخ مستعطفا قلب الشيخ، ياسيدي يا أرحم والديك، يا سيدي إن شاء الله تعيش، سامحني أعدك سأحفظك، ثم يطلق سراحه، ويحاول السير فلا يتمكن فرجلاه منتفختان، ويكتم الأمر عن الوالدين، وإلا لتعرض للضرب من قبل الوالد،وفي الصباح يعود ذلك الطالب ويدخل الجامع ويسلم على كتف الشيخ بكل حب وود وكأن شيئا لم يقع، وغالبا ماكان الطلاب يحملون للشيخ ( كسرة،مطلوع، البيض، قطعة صابون، أوقهوة الشيخ لايطلبها لكن إذا حضرت القهوة فلا يرفضها ويبدو مبتهجا بها إنها تريحه وتخفف عليه التعب ) هذه هدايا فتيان أهل القرية،كبرهان على حبهم للشيخ نتيجة تعبه معهم فهو يبغي لهم الخير،وهو تحفيظ القرآن الكريم ،لم يكن للشيخ راتب معين لعمله رغم أن له أسرة يعيلها وتنتظر منه الأكل،كان أهل القرية يقدمون مبالغ رمزية فقط ،وأحيانا تكون في شكل قمح أو شعير وقت موسم الحصاد، وأحيانا تكون صوفا،،،،سكان القرية كأنهم كانوا يعتبرون تقديم العلم وتدريس القرآن واجب ورسالة،وليس لها مقابل مادي لأن الجزاء من عند الله،لكن كانوا يدفعون أجر البناء فورا وجميع الخدمات، ما عدا تحفيظ القرآن،لذلك توفيق الحكيم ( كان يرى أنه كان يتحايل ويطلب من أسرته مبلغا من المال ليدخل للسيرك ويشاهد المهرج، فتمنحه الأسرة مبلغا، أما إذا قال لهم أن المبلغ للشيخ فكانوا يقولون له: وماذا يفعل به؟). الشيء الثابت أنه كان يحب معلم القرآن ،وبعد انتقاله للتعليم في المدرسة تفوق على جميع زملائه في اللغة، وكان في المرتبة الأولى بدون منافس،إنه القرآن الذي كان أساسا متينا لدراسته، بل هو الاسمنت المسلح الذي منحه معرفة اللغة والتفوق في الدراسة، إنها أيام الزمن الماضي لكنها حلوة بناسها وبقناعتهم وتمسكهم بالقيم مع حب الوالدين والتدين. وتبقى تلك الفترة نحن إليها ونود العودة إليها لنعيشها مرة ثانية لأننا سنعيش ذاتنا الحقيقية وليس المزيفة ولا المستعارة. سنحس بقبضتنا مملوءة بتربة البلد ،وبقلبنا متمسك بالوالدين ونتسمع ترتيل القرآن فنذوب رقة وطاعة ثلاث صفات كان يملكها سكان القرية: ( التربة، حب الوالدين، حفظ وترتيل القرآن) هذا هو ملمحهم تعرفهم بهذا الثلاثي.


Post A Comment: