Articles by "قصص"
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل


الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب" 


الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب"


ذاع صيته بين أهالي القرى المتجاورة، و قيل فيه كلام الإعجاز و الإنجاز، و أنه يفك السحر و يسهل المكتوب و يحفر في رحم العواقر موضعا خصبا و يذهب الفقر و يطرد النحس و يشفي العليل و يرد الغائب ، و شاعت حظوته في جريان الأسباب على يديه ...فتهافت على بيته الزوار من كل حدب و صوب ينشدون بعض تمتماته و يرقبون أثر ايماءاته و سرعة حركاته .

لم يكن ملاذا للعامة كما يتراءى للبعض ، بل كان أكثر رواده من المتعلمين ، محامين و رجال أعمال و سياسيين ، و الذين تقطعت بهم سبل الحياة و أرهقهم هوى أنفسهم و تعلقت آمالهم بقشة النجاة المزعومة .. جاؤوا من مضارب مختلفة يلتحفون فراغ إيمانهم ، سلاحهم جيب يزخر عطاء و إغراء..

يجلس المتطبب أمام الحريف واضعا يده على رأسه ، يتحسس طريق الغلبة النفسية ، و سبل إرباك الضحية قبل بداية الجولة الأولى،  يبادره بسلسلة من الأسئلة المتنافرة و بعض القوالب الخطابية البديهية ، و بعض المعطيات المشتركة بين خلق الله كلهم...و حين يتأكد من سريان دجله في نفس الحريف و يرى الشلل في ملامحه، يعتدل في جلسته مستعرضا أمامه حوارا وهميا مع خادمه المطيع ..

و يستهل وصفته : ديك مرقط ، جلد نملة، ساق بعوضة....و مائة دينار لقاء المقابلة الافتتاحية ، و الموعد القادم بعد عشرين يوم...فلا تغفل.!!.



الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "المتطبب" 



 

الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب  الإباء" 


الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب  الإباء"



يا أبي إنني أُحِسُّ بالظّمإ..فقد بلغ  مني الْعطش مبلغا وعودي لم يشتد  بعدُ..

مهلك بني : "  ..الْعطش ..أمنا  الأرض أكثر عطشا..لكنها  تُقاوِمُ..لو تدري  حزني  وكمدي  ..اكرعْ من جَلدِ الْعطشى على هاته الْبسيطةِ ..هم لايتبرمون..يشربون من ماء الإباءِ..

هلا أدُلّك  على النّبْعِ الصّافِي والماء الزّلل..

أم أنّك تُفضّلُ مياهً راكدةً ..

بلى أبتي أنا لا أرتضي  لنفسي  ورُوحِي شرابًا  إلا الْعدب النَّقِي  ..فنفسي  تأْنَفُ  وتمُجُّ كلَّ سَمْجٍ قبيحٍ .

إليك  بني مُشْتَهَاكَ ..وبغية  نفسِكَ والْمشرب الذي يليقُ بكَ...

إنّه "ماء المُقاطعة"..هو ماء لا يتغير لونه ولامذاقه  ..فقد جَرّبتُ كُل صنوف الْماءِ..لكن  ماء الْمقاطعة  مختلف؛ فهو يحَاربُ الْحصَى فِي الْكِلي ويمنحُ  الْوجْهَ نُوراً وبهاء ..فإليك به ..سيذهِبُ الظمإ بإذن الله ..




الأديبة المغربية / سعيدة الرغيوي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "مشروب الإباء" 


 

عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت" 


عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت"


ترجمة: سعاد خليل


اسمي دونيور. لقد أصبحت أنا وجاري عبد الله صديقين حميمين. في يوم من الأيام لم نتمكن من إيجاد أي طريقة للاستمتاع بوقتنا ومتعتنا . لم يكن لدينا هدف. لم نكن نعرف ما يجب القيام به. وبينما كنا نصنع شيئًا من قطعة من الخشب ، استيقظ والدي فجأة. كانت عينيه مفتوحتين نصف فتحة  عندما قال:

“مرحبًا ، بلصوص الوقت! ماذا تفعلون هل  تضيعون وقتكم ؟ “

لم أفهم على الإطلاق معنى كلمته “لصوص الوقت”. أردت أن أسأله ، لكنه نام.

وسألني صديقي عبد الله: “هل نحن لصوص؟”

ولما طلع النهار  دخل منزله. وانا ايضا  نمت  من الإرهاق. لكنني تذكرت أنني تأخرت عن المدرسة فغسلت وجهي بسرعة وشربت الشاي ايضا بسرعة. لا أتذكر سبب تأخري ، ربما اعتقدت أنني تأخرت عن المدرسة ، لكن الدرس لم يبدأ  بعد وفور وصولي ، جاء المعلم. وكالعادة  استقبلناه جميعًنا بكل احترام

“طلابي الأعزاء! أشعر بسعادة غامرة لرؤيتكم. وفرحتي لا حدود لها “.

و بينما كان معلمنا يشرح لنا ا، جاء أحد زملائي في الفصل وقال ، “،  آسف ايها  المعلم  لأنني تأخرت اليوم.”

فأجابه المعلم: “دونيور ، لا تتأخر بعد الآن … هذه المرة  أسامحك ، لكن في المرة القادمة سوف أعاقبك.

ثم  اضاف : “الطلاب الأعزاء ، يجب أن تبني أوزبكستان جديدة ، ويجب ان تكونوا عند حسن  ظن والديكم لانهم  على استعداد للتضحية بحياتهم من أجلكم.

إذا أصبح احدكم  مشهوراً ، فسأكون فخوراً بالقول  إنني علمت هذا الطالب ،.

كلمات أستاذي هذه كان لها تأثير خاص علي وزادت من ثقتي بنفسي. بدأت همسات مختلفة في فصل  الدراسة.

“هل ستأتي إلى عيد ميلادي غدًا؟” انا ايضا سمعت تلك الكلمات. كان من الواضح أن معلمنا سمعها أيضًا.

قال المعلم: “لصوص الوقت”. نظرته الحادة للطلاب تميزت بالندم. “لصوص الزمن”.

كنت قد سمعت هذه الكلمات من والدي بينما كنت ألعب مع صديقي. لهذا لم أتفاجأ لسماعها. بينما استغرب زملائي في الفصل.

ارتجف دونيور من الخوف وكأن ، صديقه عبد الله ، قد ارتكبت جريمة.

“دونيور ، لماذا ترتجف؟” سأله المعلم.

“اسميتنا باللصوص ، أليس كذلك؟ بعد كل شيء ، أليس أولئك الذين يسرقون يعاقبون؟ “

“سارقو الوقت يعاقبون بالوقت نفسه. من خلال القيام بذلك ، فإنك تؤذي نفسك. ” قال المعلم.

“ايها المعلم ، أنا لا أفهم معنى هذه الجملة إطلاقاً. من فضلك أخبرنا عن سرقة الوقت “.

قال المعلم: “عادة ، من يسرق يُعاقب”. “لصوص الوقت ليسوا استثناء. صحيح أن سارق الزمن لا يعاقب. إنه غير مسؤول حتى أمام القانون. لكن إضاعة الوقت الآن هو بمثابة سرقة لوقتك ومستقبلك. إذا قضيت كل وقتك في العلم ، فسوف توفر الوقت وتصبح شخصًا ناضجًا في المستقبل.

يا صديقي عبد الله وأنا لصوص لمستقبلنا.

. ان  كلمات المعلم دونيورم أند في تلك اللحظة ، جعلتنا ندرك ما معني  “سارق الوقت

حتى أنه جاء إلى منزلنا على عجل: “أنور ، هل أنت هناك؟ ابتداءً من اليوم ، أستطيع أن أقول إنني أتفهم قيمة الوقت.

“نعم يا عبد الله ، أنت تفهم ، الآن نحن لا نسرق وقتنا ، نحن فقط نتبع طريق المعرفة. في المستقبل ، سنكون من بين الأشخاص الناضجين الذين ذكرهم أستاذي. أنا أتفق معك.

 لا تضيعوا وقتكم! سأتذكر دائمًا أن الوقت 

غنيمة و ثروة!





عبد الله عبد المؤمن من أوزباكستان يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "لصوص الوقت"




الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"


الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"


" أنا أيضا سيئة ، تركت شخصا في منتصف الطريق و عدت ألملم خطواتي ... " ... جلست اليوم في حديقة عامة أقرأ كتابا كعادتي  و إذا بإحدى المتسولات تبدو أحوالها رثة ، أما ثيابها فتعشى عليها القدر ... بدت على غير النساء اللواتي إلتقيت بهن في الساحة العمومية تقدمن للمارة ما قُدر لهن بيعه فتعتلي أصواتهن " أريد أن أسد جوعي ، أحتاج لتكاليف عملية ما ... و عبارات أخرى   " ، أما هاته فكانت على غير الأخريات تردد 

" أنا أيضا سيئة ، تركت شخصا في منتصف الطريق و عدت ألملم خطواتي ... " أ تراه الجوع ما زار بطنها الهزيل كي تطلب من الجميع ما يسده ؟ أو يا ترى ما كل من هو مريض يحتاج إلى عملية مستعجلة ، فالبعض مريض بالسنين ، بالعمر ، بالإنهزام ، بالخذلان حتى ؟ ... شردت في خطواتها المتمايلة و هي قادمة نحوي ، جلست قبالتي ثم أخذت كتابي بالقوة و بدأت تقرأ عبارة لا أعلم كيف تسللت إليها ... الحروف كثيرة و الصفحات أيضا كيف اختارت عبارة " من أصابوا الناس بالأذى كيف تغيب عنهم فكرة إنتقام الله ؟ " ... الغريب أنها فصيحة في إلقاء الكلمات ، يا ترى من كان له فيها كل هذا ؟ ... خشيت أن أسألها فتؤذيني و كما نعلم جميعنا بأن مظاهر المرء لا تعكس داخله الطيب ... و كان لها ذلك أيضا ، لوهلة بدأت تعود  بحجابي كلما أبعده الريح ، قالت " أنتِ جميلة جدا  " إبتسمت بطيب خاطر  ... أكملت " و إبتسامتك أجمل ، ملامحك ملائكية صدقا ، هل قيل لك ذلك " أومأت بنعم ... عليكِ أن تحافظي على سلامة وجدك من الدنس ، صوني روحك ، كي تثبتي على ما أخبرتك به ، أخاف عن طيبتك أن تبتر و رقة ملامحك ... فسكتت و نظرت إلى نفسها ، و أضافت كان يحبني أدار ظهره للجميع كي يظفر بي ، كان يحبني يخاف علي أن أغدو لا شيء بالنسبة له ، كان يحبني فعمل نادلا في مقهى الحي بنصف راتب كي يطلب يدي من والدي ... نعم و بعد ؟ ، هه تركته كي أقبل عرض الزواج من إبن صديق أبي صاحب أكبر شركة نسيج في البلاد ، لما يملكه من أموال طائلة و إذا بي أغدر به بأقرب صديق له ، لا أدري لما فعلت كل ذلك ، تركت من عشق روحي لطيبها و ركضت خلف الدنيا و رجل أول همه كيف يفوز في صفقاته لذلك إختارني  ، مقابل إتفاق ما ! ... أما حبيبي فقد تركني بوداع بارد لم يلقي عتابه علي حتى ، أظنه وجد بأنني لا أستحق لومه ! ، كان يصرخ علي عندما أتجاهل رسالة ما ، منذ أن اكتفى بالصمت أدركت بأنني لم أعد أعني له شيء ... طُردت من البيت بعدما ألحقت العار له ، فقد إنصعت خلف بنات الهوى و ها أنا ذي لم أدرك حجم أخطائي إلا بعدما رأيت زفافه فقد حلمنا سويا و حقق كل ذلك لوحده ! ... طرقت مرة بابه ففتحت لي زوجته الجميلة بابه نادت بإسمه أن يأتيني ببعض الخبز ... ظنوا أنني مجنونة ربما هه ! ، "لكن أدق بابكم  دقة الأيتام  لا أريد خبزا ... أريد روحي " ، أتسمحين أن آخذ كتابك لطفا يا حلوة ؟ 

-تمام  هو لك ... سارت في دربها تردد " أدق بابكم دقة الأيتام لا أريد خبزا أريد روحي.




الكاتبة الجزائرية / ريهام عبد القادر تكتب قصة قصيرة تحت عنوان " انتمائي"




الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام" 

الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام"



حين احترقت كلمات السنوسي وودع قلبه تقاسيم حب "سرمدي"، عشق المسكين فن النسيان؛ عشق الألم والحزن وتقاطيع ذكرياته الحزينة الكئيبة، وأدرك مطلقا أن الحب لا يولد في لحظة أو في لحظات، وَثبَة من الوَثبَات واستحضر السنوسي ما قاله الملوح:

ما بالُ قَلبِكَ يا مَجنونُ قَد خُلِعا في حُبِ مَن لا تَرى في نَيلِهِ طَمَعا

الحُبُّ والُودُّ نِيطا بالفُؤادِ لها فأصبحا في فؤادي ثابتين معا

وزادني كلفاً في الحب أن منعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا.

وأي منع إذا كانت تراتيل الأماني الدفينة تخنق تقاسيم وجه السنوسي الطامح الحالم بابتساماته الزائفة وتبعثه إلى هوة القدر، علاه يجمع من شتات أفكاره المشلولة ومن رفات أحلامه الجريحة، لحظات أنس هارب يؤمن بوجود كلي لا يمكن أن تمحوه ساعات فراق وبين طويلة.

كان السنوسي كثير المباهاة بالنفس، شديد الإعجاب بها، يقود سيارته البيضاء الصغيرة القديمة، يقودها بسرعة فائقة وبين الفينة والفينة يتوقف محركها، فينزل السنوسي ويرفع الغطاء ويدخل يده الشريفة فيعاود المحرك الدوران من جديد.

لم يكن يمتلك مذياعا من طراز جديد ،لكن ذلك لم يمنعه من الاستماع لأغنية "قاتلتي ترقص حافية القدمين بمدخل شرياني" فقاتله الخوف الذي يهيكل مشاعره ويدعوه إلى النسيان، نسيان عبارة عدم الرجوع بين الوجود والعدم بالمفهوم الوجودي السارتري. حتى فعل التلفظ باسم الساكن في ذات السنوسي أضحى للكثيرين من أترابه مجرد وهم؛ وهم الحرية عند سبينوزا المزعوم،

صرف نظره عن هذا الوهم حسب ما يعتقد أقرانه وبدأ الغناء مع كاظم الساهر:

هل عندكِ شك أنك أحلى وأغلى امرأة في الدنيا؟!

وأهم امرأة في دنيا ..هل عندك شك؟!

هل عندكِ شك أن دخولك في قلبي

هو أعظم يوما بالتاريخ وأجمل خبر في الدنيا؟!... والسنوسي يقود السيارة البيضاء الصغيرة حينها أدرك أنه أسير حب سلب حريته وألهم ذاته قدسية الوفاء، وفاء لتلك الذكريات التي تعانق الأحلام وتسكن القلب بل تملكه وتلبسه صفة الالتحام الكلي.






الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الــحـب الـســرمـدي يعانق الأحلام" 






 

الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة" 


الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة"



أحمـد شـابٌ فـي العشـريـن مـن عمـره، توفـى عنـه والـده تـاركـاً خلفـه أُمَّـاً وأخـتيـن، وكـان أبـوه لا يمـلك سـوى قطعـة أرضٍ صغـيرةٍ، يـزرع فيـها ويجنـي منـها اليسـير مـن المـال. بعـد وفـاة والـده، كـان لـزامـاً عليـه أن يتـرك دراستـه ويعمـل بالمـزرعـة الصغـيرة ليـلاً ونهـاراً؛ حتـى يوفـر أبسـط احتيـاجـات العيـش الكـريـم، ولسـان حالـه يقـول: "أيُ حمـل ثقيـلٍ تركتـه لـي يا أبي؟"

كـان واقـعـاً فـي حـب فتـاةٍ فـي القـريـة، تُدعـى مهـا، ابنـة مـدرس اللـغـة العـربيـة، بعـد جـدٍ وكـدٍ بنـى أحمـد منـزلاً متـواضعاً وكـأنـه يستعـد ليـكمـل نصـف دينـه.


 فـي صبـاح يـومٍ جميـلٍ؛ ذهـب أحمـد إلـى مـنـزل أستـاذ اللغـة العـربيـة طـالبـاً يـد ابنتـه مهـا، وهنـا كـانـت الصـدمـة بعـد أن سـأل أحمـد عـن وضـعـه المـادي ومستـواه التعـليمي! فمـا كـان رده إلا طعنة خنجـرٍ علـى قلـب أحمـد، قـال لـه: "أنـا لا أزوّج ابنتِـي إلا لرجـلٍ ثـري". اغـرورقـت عيـنا أحمـد بالدمـوع، وازدادت ضـربـات قلبـه ولكنـه لـم يستسلـم، وقـال لـه بصـوتٍ حـزيـنٍ منكسـرٍ:

"ومـا الشـروط التـي يجـب أن تتوفـر في هـذا الرجـل؟"

قـال الأستـاذ:

"يجـب أن يكـون لـه سيـارة بأحـدث الإصـدارات، ومنـزلاً فخمـاً، وقطعـة أرض كبيـرة".

طـأطـأ أحمـد رأسـه وهـو يشعـر بالإنكسـار ولكـن حـبـه لِـمهـا هو الذي جعلـه لا يستسلم، وفكـر في أن يسلِّـم أرض أبيـه لأحـد العمـال، ويغتـرب خـارج البـلاد ليزيـد مـن جهـده ويعمـل فـي مختلـف الأعمـال الشـريفـة التـي تجعلـه ينفـذ شـروط والـد حبيبتـه، وبعـد اِغتـرابٍ دام لسنـوات عـاد أحمـد وقـد نفَّـذ كـل الشـروط، عـاد وهـو يشعـر بالإنتصـار؛ لأنـه سيتزوج الفتـاة التـي أحبهـا حبـاً شديـداً.

ولكـن يبقـى السـؤال مطـروحـاً هـل ستـكتمـل فـرحـة أحمـد أم لا؟!


بعـد عـودة أحمـد إلـى القـريـة، فُـوجـئَ بـأن مهـا وأبيهـا قـد رحـلا مـن القريـة، وانقطعـت أخبـارهمـا، فأخـذ أحمـد يبحـث عنهمـا هنـا وهنـاك فـي كـل أنحـاء الـولايـة، ولــكنه لـم يجـدهمـا؛ فـذهـب إلـى العـاصمـة يبحـث عنـهمـا فـي كـل مكـان، وهـو خـائـفٌ، ويقـول:

"مـاذا لـو أصـابهـا مكـروه؟ سأمـوت... سأمـوت!


بعـد عـدة شهـور مـن البحـث والتعـب كـاد أن يستسلـم، وبينمـا كـان يتجـول فـي أحـد الطرقـات، وجـد (بقالـة) فـذهـب إليهـا ليشتـري مـاءاً بـارداً يـروي بـه ظمـأه، أخـذ قـارورة المـاء يشـربُ فيهـا، عنـدهـا وقعـت منـه صـورة لمحـبوبتـه مهـا؛ انحنـى ليـرفـع الصـورة لمحهـا صاحـب البقالـة فقـال لـه:

"أليسـت هـذه زوجـة دكتـور علي إختصاصـي الأورام؟"

اندهـش أحمـد مـن كـلامـه؛ فقـال لـه:

 -بنبـرة صـوت حـزيـنة-

"لـو تعـرف مكانهـا دلنـي عليـه"

قـال الرجل: "نعم، أعرف".

ووصـف لـه منـزلهـا، وعـندمـا وصـل أحمـد إليـه، وجـد البـاب مغلقـاً وكأنَّـه لا يوجـد أحـد بالداخـل، نظـر إلى يمينـه فوجـد مظلـة كبيـرة بهـا مبـرد مـاء، ذهـب وجلـس فـي ظلهـا، نسبـةً لتعبـه الشديـد إنتابـه النعـاس فنـام، ولـم يستيقـظ إلا علـى صـوت سيـارة سـوداء اللـون، وقفـت أمـام المنـزل الـذي وصفـه لـه صاحـب البقالـة، نـزل منـها دكتـور علـي إختصـاصـي الأورام؛ وفتـح بـاب السيـارة فإذا بمهـا تنـزل مـن السيـارة، وتحمـل علـى يـديهـا طفـلاً رضيعـاً، وهـي تقـول أحمـد حبيبـي أغلـق البـاب؛ فيخـرج إبنها الأكبـر وهـو فـي الخامسـة مـن عمـره ويغلـق البـاب. 


مهـا لـم تخـن أحمـد ولكـن أُجبـرت علـى ذلك؛ بعـد أن مـرض والـدها بمـرض السرطـان، وكـان يجـب أن يُجـري عمليـة سريعـة، ولـم تكـن لديهـا المـال الكافـي للعمليـة، فعـرض عليهـا دكتـور علـي الزواج مقابـل أن يتكفَّـل بالعمليـة، وُضعـت مهـا أمـام أمـرين أحـلاهمـا مـرُ؛ إمَّـا أن تقبـل بعـرض دكتـور علـي،  ويستـرد والـدها عافيتـه، وإما أن تضحـي بوالـدها وتنتظـر حـب حياتهـا. وافقـت مهـا علـى عـرض الدكتـور وتـم إجـراء العمليـة بنجـاح، وتزوجـت مهـا مـن الدكتـور وأنجبـت ولـداً سمَّتـه أحمـد علـى إسـم محبوبهـا السابـق، وهـو ابنهـا الأكـبر.


 كـاد أحمـد أن يغمـى عليـه مـن شـدة الصدمـة وكـان يقـول ويـردد كيـف لهـا أن تخوننـي؟ كيـف لهـا أن تخوننـي؟!


 رجـع أحمـد إلى القريـة منكسـراً، لـم يستطـع التحمـل ففكـر مراراً وتكـراراً فـي الانتحـار ولكن كان أحــد ينقــذه في كـل مـرة، وأخيـــرا لجـأ إلـى الإدمـان ليحـاول نسيـانهـا.


تدهـورت حالتـه، وضيَّـع مالـه فـي تعاطـي المخـدرات، وأصبـحت قصـة أحمـد حديـث أهـل القـرية، حتـى وجـدوه ميتـاً فـي احـدى الطـرقـات التـي تـؤدي إلـى المدينـة التـي تسكنهـا محـبوبتـه.





الكاتب السوداني / مجاهد ميرغني يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "التضـحيـة ليـسـت خيـانـة" 





 

الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي" 


الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي"


كان الكرم منفى طيبا كريما، لولا بعده عن دار الشعب أين تعرض "الأفلام "أو قل،  تعرض "الأحلام" ...

كل منفى موحش، حتى لو كان فردوسا وجنة خلد....

أكرم الآباء أولادهم في اليوم الأول، وتابعوا إكرامهم في اليوم الثاني. كانوا يرسلون لهم وجبة الفطور ووجبة الغداء في صرّة مع أحد البالغين المدربين. وكان الصبية يأكلون من فضول الفطور على العشاء: جبن دسم يعلق دهنه باليد فلا يزول سوى بالصابون، مربى تين، زيتون، بيض...، ثم نسوهم في اليوم الثالث. لعلهم مشغولون بجراحات الكرامة والشرف، فجروح السنان لها التئام وجرح الكرامة ليس يلتام، لسان حالهم: أولاد، سيتدبرون أمر لقمتهم، ثم إنهم صيادون. 

ولم يكذّب الصبية خبرا، نزل عادل إلى الوادي وإصطاد سمكة  تزن بعض الكيلو غرامات، في الماء الضحل، بيده، ومن غير شبكة، شقّوا بطنها، وبطحوها على النار بحراشفها، بعد أن ملّحوها ونثروا عليها بعض التوابل، وتغدوا بها ، كانت طرية اللحم. المثل يقول: الضيف في اليوم الأول من ذهب، وفي اليوم الثاني من فضة، وفي اليوم الثالث من حديد. صرنا حديدا يا ليوث الله...

عذرهم عدنان: الكرم بعيد، هم معذورون، للغائب عذره...

قال الصبي الضّلّيل: لقد خذلونا. وأردف يعذرهم: لعلهم يخشون العيون والعسس.

في اليوم الرابع أمدّوهم بمؤونة، أرسلوا لهم بأوعية من الأطعمة المحفوظة بعناية السكر، أو رعاية الملح، مثل  التن، والسردين، والزيتون، والهريسة، والجبن، وكيس من خبز، على هيئة هلال مضلع، فيه ثقوب مثل الإسفنج، يرش عليه الماء، فيعود طريا هشا سهل المضغ، وهو طيب. يخبزه المزارعون الذين يغيبون في البرية شهورا للفلاحة أو الحصاد، وهذا يعني أننا لن نرى أهلنا  إلا كل أسبوع مرة... 

لا خوف من الجوع يا أيها المتمردون، فالطيور كثيرة، ويمكن صيد السمك في الماء الضحل. أكثر ما كان يثير لوعة الصبي الضّلّيل هو السينما، فأول ما كان يفعله صباحا بعد شراء الخبز من الفرن هو الذهاب وراء شارع البلدية. هناك، مقابل المقهى القديم، المحاط بنباتات الحلفاء، التي تنبت حرُّة، وخضراء، يعلّق عمال" دار الشعب" لوحة كبيرة، على الحائط  ملصق الفيلم... 

فإذا كان الفيلم للحركة والمغامرة.مثل أفلام الكاراتي العنيفة، أو فيلما بوليسيا، أورومنسيا ، إزدهت الحيطان بالصوِّر الملوَّنة، ووعد صباح الغد بالسعد، وبالإثارة. أما إذا كان فيلما عربيا،  إجتماعيا، إنصرف الصبي ذو القروح إلى ألعاب أخرى، فهذه الأفلام أقل بهجة....

بلغ الأصدقاء الثلاثة الخبر، غدا  سيعرض الفيلم الموعود.، "سبارتكوس " مع ترجمة وهو فيلم أمريكي من نوع الدراما التاريخية الملحمية للمخرج" ستانلي كوبريك "وكتابة "دالتون ترامبو"، مستنداً إلى رواية تحمل نفس الإسم من قبل "هوارد فاست. "الفيلم يروي قصة "سبارتاكوس" وأحداث حرب العبيد الثالثة ، بطولة "كيرك دوغلاس "بدور "سبارتاكوس" "، "لورانس أوليفر "بدور" ماركوس كراسوس"،"جين سيمونس"،"بيتر أوستينوف"، "جون  "أيرلنداو "هربرت لومى"  ... 

فيلم ، تحدث عنه الكبار والصغار والرجال و النساء في المقاهي و المحطات والمنازل والمساجد، حتى في الأكشاك، فبات للفيلم "سبارتكوس "طعم الحمص والحلوى. ، فيلم الحب والرومانسية، والثورة والحرية، صورة الإنعتاق من العبودية، تحفة السينما الهوليودية ... 

قال الصبي الضّلّيل: سنجد حلّا يا أبناء الكهوف.

- هات؟ ما هو؟ الطرق مسدودة، نحن منفيون، ومراقبون، ولعل "إبن الجزار" وجماعته يترصدوننا  على الطرقات. إنهم إن يظهروا علينا يرجمونا أو يعيدونا في ملتهم ولن نفلح أبدا، اللثام ليس حلا، فنحن في فصل الصيف. 

قال ذو القروح: الولد "عكاض "يعشق السينما، سنكلفه بمهمة سينمائية. 

ضحكوا: "عكاض  "عندما يتحمس تعرق أرنبة أنفه. 

- نكلفه بحضور الفيلم، على حسابنا، ثم يعود في اليوم التالي، ويروي لنا قصة الفيلم.

قال عادل: فكرة معقولة، لولا أنني مفلس، نحن في البرية، من أين سنكسب، فنحن نسرق مصروفنا، من الآباء، سرقةً.

قال عدنان: فكرة رديئة، لكن الرمد أحسن من العمى.

قال أشدّهم حبا للسينما الأمريكية: عندي نصف دينار.

قال عدنان: وعندي عشرين مليما، لا يستحق الرمد أكثر من عشرين مليما. 

قال عادل: هل سيرضى؟

لم لا يرضى؟ سيحضر فيلما على حسابنا. الولد مسكين، ومنتوف.

- لكن المشكلة نحن منفيون خارج المدينة. والمنفى بعيد، لن يرضى سوى هذا الصبي بهذه الصفقة.

أرسل الأولاد إليه مع أحد الزوار يطلبونه، فحضر بعد ساعات، عرضوا عليه الفكرة، فقبل فورا. إشترطوا عليه أن يحفظ قصة الفيلم بالتفاصيل الدقيقة، وعليه أن يعود لهم بمنِّ القصة وسلوى الحركات، وبعض قصاصات الفيلم. لا بد من القصاصات...

قال عكاض: القصة نعم سأحفظها لكم، لكن لا أضمن حفظ الحركات، أما قصاصات الفيلم، فسأعمل جهدي حتى أجمع لكم بعضها، فهي تجمع عادة بعض عرض الفيلم...

إذا تعطل الفيلم في أثناء الدوران إضطر عامل الآلة السيد "العوني"إلى التضحية ببعض أجزاء الشريط، ثم يلصق الجزئان المقطوعان،والفضلات الفيلمية يتاجر بها الأولاد.... 

مدَّ عكاض قدميه، وتعرقت أرنبة أنفه، وبدأ يبتزهم: القصاصات تحتاج إلى تمويل خاص، أريد ربع دينار من أجل القصاصات، ونصف دينار من أجل الأكل، فأنا دائما أجوع قبل الفيلم عندما تنتشر رائحة "المرقاز" أمام باب "دار الشعب"، وأريد أن أتابع الفيلم في مقاعد السادة، في اللوج، حتى أحفظ القصة والحركات بهدوء....

نظر الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم: إبن الداهية..... تعال إركب علينا..... هذا بطر..... دائما تتأخر عن الفيلم رغبة في توفير عشرين مليما، تنتظر على الباب راجيا "العم عيد" موظف الباب، وعصاه يده حتى يدخلك بربع دينار. لم ترَ بحياتك فيلما من أوله أيها المتسول.....

غضب عادل، وطرده:  أخرج من هنا. سنبحث عن غيرك. ياإبن الحرام...

فكر الصبي الضّلّيل، فعكاض أفضل من يصلح لهذه المهمة، المشكلة هي في بُعد الكرم عن العمران، سيعود الولد راجلا على قدميه، والكرم يبعد ستة كيلوميترات عن المدينة. والطريق وعر، وفيه مشكلة، عبور بيوت تجار العلف الأشداء، وكلبهم الشرس، إنها أمور تستحق التضحية.

أقترح لعكاض حلا: نعطيك أجرة الفيلم ستمائة مليم كاملة، تشتري بها تذكرة، ونصيد لك عصفورا، تبيعه من أجل طعامك والقصاصات، وأنت ومهارتك في البيع.

قال عكاض: أفكر. أريد طائرا ثمينا.. .

قال الصبي: لدينا شحرور، ما رأيك؟ 

وركض إلى الغرفة الطينية، وأحضر له قفصا فيه شحرور أسير ملتاع، يقفز من جهة إلى جهة باحثا عن ثغر عبلة المتبسم.

إبتهج عكاض لرؤية "زرياب ر"، وطرب، هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها طائرا عن قرب، سأل عكاض: لمَ لا يغني؟ قال: إجعلوه ينشد موّالا من مواويل الكروم أيها الأصدقاء.

قالوا: ليس مطربا من مطربي الأفراح يا إبن الماكرة، ولعله لا يغني إلا لرؤية الحبيب. لا أظنه سيغني لوجهك وأرنبة أنفك العرقاء. .. .

ماطل عكاض، فالشحرور يحتاج إلى بيع، والبيع ليس سهلا، لكنه رضي بالصفقة، بل إنه منّى نفسه بتجارة رابحة، سيرى الفيلم مساء اليوم، ويعود يوم غد عصرا ليروي لهم القصة، مع ما تيسر من الحركات، وبعض القصاصات. القصاصات، والشذرات الفيلمية يبيعها عادة إبن العيرود، وهو ولد يتيم، ينسب إلى أبيه عشمان، لكن لقبه القديم بقي يلازمه. متطوع لكنس أرض السينما مقابل الحضور المجاني ومليمات معدودة، وهو يحظى في أثناء التنظيف ببعض الهدايا واللقى، يظفر أحيانا بمليمات، أو  قصاصات الفيلم التي يقصها مدير آلة العرض عند تعطل البكرة، يباهي بها إبن العيرود أقرانه، ويزهو بها ويفاخر.

وضع الولد عكاض المليمات في جيبه، وأخذ العصفور الفنان الأسير بعيدا عن الكروم فإزداد الطائر أسرا نصحوه ألا يعود من طريق بيوت تجار العلف  الشرسين. 

عُد على ضفة الوادي.

مضى سعيدا ليحضر الفيلم في المساء في السينما الصيفية التي إزدحم عليها الفتية باكرا أمام شباك بيع التذاكر.

أمضى الأصدقاء الثلاثة يومهم في الصيد وأكل العنب، والتشاتم، إلى أن دارت الشمس دورتها ومضى اليوم مسلوخا، وإقترب العصر فبان طيف عكاض من بعيد، إنتظر الثلاثة فوق سطح دارة الناطور، وصل الولد أخيرا، وقد عرقت أرنبة أنفه. جلس تحت ظل شجرة اللوز التي لمع صمغ كثير في شقوق الجذع وعيون الأغصان.

- هه. كيف الفيلم يا عكاض. بشرنا. أممتع هو؟

قال وهو يلهث من التعب: فيلم تحفة. طويل، مدته ساعتان ونصف، وفيه عديد الحركات يا ليوث الله، فيلم روعة، لكنه حزين.

لخص القصة بعد أن أبرز بعض قصاصات الفيلم، فتصارع عليها الثلاثة، وهم يرفعونها بين أصابعهم باتجاه ضوء الشمس: الفلم يدور حول قصة حياة المتمرد "سبارتاكوس "الذي ثار على الحياة غير الآدمية التي كان يعيشها العبيد في ظل الإمبراطورية الرومانية، وقاد ثورة العبيد الثالثة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية من أجل نيل حريتهم، وكلما تقدموا في طريقهم في البلاد كلما إنضم إليهم الآلاف من العبيد من كافة أنحاء الإمبراطورية المترامية الأطراف حتى أصبحت الثورة التي كان يظن الرومان في البداية أنها بمثابة وخزات من بعض الحشرات - شوكة قوية تهدد كيان الإمبراطورية القوية، وأصبح لازما وضع حد لها مهما تكلف الأمر. .. .

- هيا قلّد لنا بعض الحركات يا عكاض .

يبدأ الصبي بالتقليد، فيضحكون. 

في هذه الحركة ،قال "الجنرال" والمقصود به "سبارتاكوس " :"من قال "لا" في وجه من قال "نعم!! "". يتابع عكاض سرد القصة، ويمضي الأصدقاء الثلاثة بخيالهم إلى حبيبتهم الآنسة عبير، معلمة النشاط الموسيقي والمصلحة الوطنية...!!

ويزيد الصبي من أقوال محرر العبيد: "من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال "لا" فلم يمت  ...!!"

أول مرة يسمع الصبية بهذا الكلام النافذ .الكلمة دائما محجوبة بالصمت غالبا، بخميلة، العبيد قوم أتقياء. ليسوا مثل حالنا، ويواصل في سرد الدرر: "معلق أنا على المشانق الصباح، وحبهتي بالموت محنية ،لأنني لم أحنها ....حية".  صاحب ثأر يا ليوث الله...!!. العبيد اليونانيون  أوالإغريق أكثر يقينا بالحرية منا.. .. .

راح نصف عمركم يا شباب قتل، وقبلة دافئة بين المتمرد وحبيبته . 

- قبلة!!

أقسم عكاض: قبلة معفرة بالثلج. فسدت أخلاق العبيد، يا ضراغم. 

يتابع عكاض رواية الحكاية لقد ضحى بحبيبته من أجل قضيته ، ولقدعان "الجنرال"الويل لكنه وحد معاناته مع أهل جنسه حتى كون جيشا جرارا حارب به أكبرإمبراطورية عبرالتاريخ ثم في النهاية  يموت لكنه هوا من زرع مكان الخوف شجاعة ورغبة في التحررمن كل براثن العبودية ،لقد مهد لحقبة  تحررالإنسان من أخيه الإنسان .

هل يمكن أن نضحي لبعضنا بالحبيبة ياليوث  الله كما فعل  "سبارتاكوس" !!

- مستحيل.. "سبارتاكوس"أحمق.. ترهات. الواحد منا يحارب الدنيا من أجل حبيبةه... .. .

الأصدقاء الثلاثة يحبون معلمتهم الآنسة عبير، ليسوا وحدهم، فكل تلاميذ القسم يحبونها، بل لعل كل شباب الحي يعشقونها، حتى رجالها يحبونها، يحلمون بها، المدير هو الذي يفوز بها، ويراودها عن نفسها في الإدارة مع ثالثهما الشيطان، ثم إنضم المتفقد  إلى جبهة اللذة. نحن مستعدون لقتل بعضنا من أجلها. لم تعجبنا رواية عكاض للأحداث، وهو لا يجيد تقليد الحركات، ساعتان ونصف لخصها بسطرين.... .. .

- الحركات صعبة يا أبناء الداهية.... .. . 

عكاض باع كل طناجر الدار، الطنجرة البافون التي ثمنها عشر دنانير، سحقها وباعها بنصف دينار ليدخل بها السينما، سرق القمح والنحاس وبيوض الدجاج... لم تعجبهم طريقته في سرد الأحداث، هناك أمور مفقودة في القصة، غير المعقولة، أتلفتَ القصة، وظلمتها، أضعت التفاصيل، أين القبلة، صف القبلة... بئس الراوي أنت، لا بد من إعادة البضائع الفاسدة، هذه بضاعة مزجاة.

- إعترف يا عكاض، بكم بعت زرياب؟

بلع عكاض ريقه: بخمس دنانير.

- أصدقنا القول.

- أقسم.. بتسع دنانير فقط. ثم إنفجر ضاحكا، حينها تقدم عادل قائلا : "وتضحك ،يا صحن "اللبلابي!!... "

لم أستطع إمساك نفسي من الضحك   ...ومن لهفتي على "صحفة لبلابي!!"

 سحل الأصدقاء الثلاثة  الصبي إلى الوادي ، وترجَّاهم: "التوبة يا شباب.. ثيابي."

قالوا له: لا تخف، ستجف بربع ساعة في الشمس أيها الغشّاش.

أمسكوا به وهزّوه، وراحوا يعيدون على سمعه ما قاله سابقا له :

- "المجد للشيطان، معبود الرياح، من قال "لا"في وجه من قالوا "نعم"". 

ثم قذفوه في آهات النهر الأخيرة الضحلة. 

صعد الثلاثة على الأشجار وغنّوا أغنية لم يسمعوها سوى من فم عكاض:

": "من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال "لا" فلم يمت وظل روحاأبدية للألم" . . ." !!

لكنني بعد العودة إلى الديار ، سارعت إلى تناول صحفة "لبلابي .."..وأنا أضحك تارة على عكاض وطورا من شدة لهفة على صحفة اللبلابي،وهو عبارة عن أكلة تذكر كتب التاريخ الغذائي التونسي،أنها قادمة من تركيا إلا أنها أصبحت في وقت وجيز إحدى الأكلات التونسية المغذية والسهلة الإستهلاك والتأثير على المعدة..

وهي مكونة أساسًا من الحمص وقطع صغيرة من الخبز الكمون، ويمكن أن يضاف إليها عادةً أحد أو كافة المكونات التالية: بيضة، زيت زيتون، هريسة، قبار، تونة، زيتون. 

كما تعتبر أكلة شعبية في العراق فهي موجودة أيضاً وتحضر من الحمص مع الماء المحمض، ويتم بيعهُ في الأسواق والشوارع العامة في العامة ...

لكن رغم الكبر مايزال اللبلابي موجود لكن دون نكهة الأصدقاء والضحك ....والتمرد!!...




الأديب التونسي / عماد الدين التونسي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صحفة اللبلابي" 




 

الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "شوك و شوق" 


الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "شوك و شوق"


كعادة اهل البادية ، لا تشرق شمس الصباحات عليهم، نياما .. كذا كان دأب عائلة العم سليمان و هي تتلمس خيوط الفجر داخل الحقل المترامي ، مستأنسة بصدى المناجل تداعب رقاب السنابل ، منتعشة بنسمات ندية  تنبئ بهجير الساعات المقبلة ..فيتجهز لها الجميع بالنفير و صحوة الضمير.

لم يكن الإفطار سوى طحين قمح مخلوط ببعض الماء  و الزيت يتناولونه على عجل ، في انتظار أن تلتحق الحاجة مبروكة حاملة على رأسها قصعة من العصيدة الممرغة في اللبن و في يدها مواعين الشاي المعطر بروائح الشيح و الاكليل و الزعتر الجبلي..

لم يكن صابر ابن العم سليمان متمرسا في مواجهة الزرع الاشهب ، فقد كان يتابع دراسته في المدينة  ، و أيامه مع أهله كانت تقتصر على العطل ،  لذلك كانوا يستثنونه من مشقة الابكار و يفردونه بلذيذ الإفطار ، حارة من البيض و صحن من رحيق الأزهار ،، يبتلعها بتأن ثم يسير إلى الجماعة بعد أن رش العطر على ثيابه ..

كالضيف يشيع السلام و يجلس القرفصاء إلى موقد الشاي المحفور في الأرض، متوجسا من ملامسة التراب .. يراقب الحركة الحثيثة و يتأمل حيوية والده السبعيني ، و هو يزحف على ركبتيه غير مكترث لنبات الشوك و لا لحبات الحصى الحادة تخدش جلده المترهل، محتضنا سيول الشوق إلى البيدر المكتنز تجرشه الدواب و تذريه السواعد السمراء ، ليمتلئ المطمور خيرا يفي بقية ايام العام و تبنا يكوم ، قوتا للانعام.



الأديب التونسي / أ. المختار عيادي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "شوك و شوق" 



الكاتبة المغربية / فوزية مسجيد تكتب قصة قصيرة تحت عنوان قصة قصيرة تحت عنوان "حمام الأحد" 




 موعد حمام الأحد كان حاسما غير قابل للتأجيل ... تعد أمي العدة و تجهز كل ما يسلتزمه طقس الحمام السبت ليلا... لتعلن حالة الاستنفار القصوى بمشارف الصباح...كانت رحلة وجودية  لا تقبل التذمر....نسير الواحد خلف الآخر كفيلق عسكر... أو سرب حجل ...يرافقنا بها كلبنا الوفي شديد الوفاء..مثقن الحراسة...يداهمنا العياء فنعلنها ثورة من أجل الراحة ... يرق قلب الأم بشكل حثمي....لكن سرعان ما نسمع جملتها الحاسمة هيا لقد تأخرنا...

نتسابق نحوها بطفولية نحو الحمام....نصل فنجد أنفسنا ضمن طابور أشبه بباب جمارك...لكن صاحبته كانت جمركية بمنتهى اللطف تسمح لنا نحن الصغار بالمرور المجاني...تقابلها أمي بابتسامة ...فندخل لذلك العالم الغائم...ندوب به مصدرين أصواتا لنكتشف  بصداها  وجودنا كمغامرة لا نتنازل عنها....تقوم أمي بتجميع ثيابنا ...ندخل بخطى بطيئة نترصد لمكان شاغر نرتمي به بكل ثعبنا... وبعين المرأة المغربية الثاقبة تجد أمي ذلك المكان....نصطف به فتشرع بفركنا و تمشيط خصلات شعرنا ...نبالغ بالصراخ علها ترأف من حالنا....لكن حنانها وقلبها السخي...لا يكفيان فهي تعتبر تحميمنا  مهمة قومية تستلزم منها الإتقان والأمانة... أمام كثافة الضباب ولسعات الحمام  الساخنة...تسمح لنا بفسحة إستراحة مع الوعيد بعدم تجاوز الوقت المحدد بالتصريح الشفوي الصادر عنها ....

قائلة لا تتأخرن عن الصابون...  

نقصد صالة تغيير الملابس...نشفط كل الاوكسجين بأعيننا ونفتح افواهنا طاردين الدخان..نجلس تحديدا قرب فاطمة صاحبة الحمام وحارسته... نمد سمعنا لما يجمعها من حديث و النساء المسترخيات...عن صرامة الأزواج... العقم ... الإنجاب...عناد الأبناء...الحب ومواضيع أخرى سرية للغاية... لكن ما إن  تنتبه لنا حثى تطردنا شر طردة.. وهي تردد هيا إلى الداخل...نعود مهزومين من الحياء... لكن مبتسمين  لما جمعناه من كومات أسرار وحكايات الكبار ... 

ينصهر صوتها وصوت أمي عالية الحدس...فتعيدنا إلى طقس الصابون...نخرج منه سالمين محاطين بفقاعات عطرة.... مع افراغ سطل ماء غير معتدل السخونة فوق رؤوسنا بفخر المنتصرين بالحرب ضد الأوساخ ...فنعود للصالة المفضلة... نلبس ونسترق النظر لمطبات المستحمات خصوصا انزلاق إحداهن...نضحك كبر البحر ووسع السماء... قطعة خبز و برتقالة كانتا نهاية قصة الحمام السعيدة... نلتهمهما بشراسة...ونستعد لرحلة العودة مع إفشاء كل أسرار الصالة للطريق...بعد مرورنا من فرن الخبز الشعبي وشراء بضع حبات بذور الشمس...وفرصة للتلصص على رائحة الخبز المطهو بإغراء مع سبق الإصرار... 


الكاتبة المغربية / فوزية مسجيد تكتب قصة قصيرة تحت عنوان قصة قصيرة تحت عنوان "حمام الأحد"


الكاتبة المغربية / فوزية مسجيد تكتب قصة قصيرة تحت عنوان قصة قصيرة تحت عنوان "حمام الأحد" 






 الأديب المغربي / عبدالله بقالي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صور وصور"



 

مع اول كتاب امتلكته، شدتني اليه صور. و كأي طفل تسحره الالوان،  نظرت بانبهار لكتابي الملئ بالصور و الرسوم.  احتضنت الكتاب غير مصدق انه لي وحدي. ضممته لصدري مستطلعا من حولي لأتأكد من ان لا أحد سيطالبني به، او يشاركني اياه. وحين اطمأنت، عاودت فتحه مستعرضا ما فبه من صور ورسوم .

كنت في البدء مجرد متفرج شغوف بمعرفة اشياء تنتمي لعالم بعيد لا يعنيه في شئ. لكني حين ألفت الصور وعاودت قراءتها، نبع تمردي من البوابة نفسها التي توارى خلفها اعجابي . لا أعرف كيف استنتجت أن حياتي هي محل سؤال. أهو ذلك الفارق المهول بين ما كنت أعيشه و بين ما كانت تنطق به الصور؟ أهي تلك المعاملة الرقيقة التي كانت تفيض من الصور و التي افتقدت اليها عالم رجولي عنيف كان يلف حياتي؟

لم اكن لأصمد أمام هول  الفارق. كل شئ كنت أجده يصرخ في وجهي و يشهد بدونيتي. الفضاءات الراقية. ملابس الاطفال. الاحذية اللامعة. السريلات و الاقمصة المكوية بعناية. الوجوه التي كانت تنطق بالسكينة. فضاءات المنازل. الغرف الرحبة. الارائك الوثيرة. المزهريات والنوافذ الواسعة التي تنحدر على جنباتها ستائر رفيعة .

اشياء كثيرة كانت تجعلني اغلق الكتاب واعمد لاستعراض ما حولي .

الغرفة التي كانت في الوقت نفسه مطبخا وبهوا وغرفة نوم.اواني الطبخ المبعثرة. الاغطية التي لم تكن لتعرف النظام الا في حالات استثنائية .اتفحص الارضية التي كان جمالها يقاس بطلائها بتربة خاصة ممزوجة بفضلات الأبقار . انظر الى الكوة المنتصبة في منتصف الجدار والتي كانت مشروع نافذة حولت قاعدتها الى رف تودع فيه حاجيات كعلب الشمع وعود الثقاب .الا ان هذا لم يكن ليغير شيئا. ذلك اني كنت استطيع ان اتجاهل هذا مدفوعا باعتقاد مفاده اننا هكذا خلقتا وهكذا ارادنا الله. استسلام عمقته اوامر النهي وصرامة كانت تلجم كل من تطلع لاشياء الآخرين ..غير انه في العمق كان لايزال ثمة بقايا احساس متمرد استطاع ان يغالط الجميع. احساس كان يتحول داخلي الى حريق يدفعني كي استغيث، لكن الناس الذين كانوا حولي، كنت اجدهم رمادا ما كان بامكانهم ان يفعلوا شيئا من اجلي .

وحدهم الاشخاص القابعون داخل الصور من كنت اجدهم الاقدر على اغاثتي .بل كان يخيل الي اني كنت اسمع نداءاتهم، ولذا كنت اقلب الصور باحثا عن ممر، بوابة حيث انتهي الى ذلك العالم الجميل الحالم. وحين كنت افشل كنت اعود لدور المتفرج . 

انظر بانبهار الى ام رائعة الجمال احتضنت بمنتهى الرقة وحيدها بشكل كان يبدو فيه ان جسديهما يتوحدان بحيث لا يصير الصغير في حاجة الى نبض فؤاده كي يعيش، ولا هو في حاجة اجنحة كي يطير او في حاجة الى اغطية كي يحس بالدفء.احاسيس الام الفياضة التي كانت تلفه كانت تبدو قادرة على اذابة جسده بشكل يتحول فيه الى اي كنه يستطيع ان يسبح في الفضاء كاي ملاك لا تأثير للجاذبية على جسده.الاحلام كانت تبدو هي ايضا تأتيه منتقاة، لا كوابيس ولا اشباح ولا فزع.

اغلق الكتاب. يرتسم وجه امي قبالتي. وجهها الذي تميزه نظراتها الحادة التي ينتهي دوما تفحصها للاشياء برسم تعابير الاشمئزاز و الحيطة والشكوك. طريقتها في الكلام المصحوبة بغليان داخلي يرسم تعابير قاسية على ملامحها. كلماتها،  بل رصاصاتها التي كانت تسددها في كل اتجاه .مزاجها القاسي الميال للعزلة والنفور. شراستها حين تستفز.زجرها العنيف لكل من خالفها الرأي. هل كانت امي حقا امرأة ام مقاتلا اسبرطيا تخلف عن زمانه؟

كل شئ فيها كان يؤكد ذلك ويثبت انها مخلوق مات فيه الاحساس .و لهذا كنت اشعر و انا اقرأ الصور، ان امي لا تعرف شيئا عن الامومة وتجهل كل القواميس المرتبطة بها .

غير ان امي كانت احيانا مصدر اشياء غريبة.شئ كان اشبه بزلزال او بركان. اذ في لحظة اشبه بواحة ضيقة داخل صحراء مترامية، كان القناع الذي تختفي خلفه ينكسر و يظهر كنهها المراوغ. هل كان ايقاع هدير الطاحونة الحجرية التي كانت تديرها بيدها هو السبب؟ هل كان انغماسها الكلي في عمقها ما كان يجعلها تنسى وجودنا حولها فتعمد الى التخلص من مساحيقها و ينكشف عمقها ؟

كان ذلك يحدث حين كانت امي تغني. و ان تغني امي او تبكي فذلك كان يعني شيئا واحدا. صوت محشو بكل احزان الوجود كان يسمع. خيوط لأشياء لا ترى كانت تنطلق لتؤقت نبض الفؤاد على ايقاع صعودها او خفوتها .تخترق الصدور. تضغط الاحشاء لتبرز قاطرة قادمة من الاعماق تدك الشوائب و تخترق الحدران الدفاعية لينكشف جوهر الاحاسيس. تتعرى الحقائق ويلوح كنه الأشياء ويصير بامكاني ان اقرأ كل شئ من غير ان اغالط. واهم ما كنت اقرأ، وضع الاسرة الذي كان كعش واهن في مسار اعصار .

لكن اي محول ذاك الذي كان يصهر الصور و الوقائع لتصير نبرات وترانيم؟ و ما حجم الجراح التي كانت تدفع امي كي تنتهك القوانين الصارمة التي سنتها بنفسها و القاضية بحضر  اي احساس بالضعف او الوهن ؟

اكيد انها في انغماساتها تلك كانت تراحع نكباتها .تبدأ بلا شك بالحدث الذي لم تحكيه ابدا حين اقتحم البيت من لدن قوات المستعمر باحثة عن بقايا منشورات المقاومة التي كان الاب قد عاد محملا بها من الشرق، والتي كانت قد احرقتها بعدما ابلغت باعتقاله. لكن ليس اعتقالها ما كان يحزنها، بل ما رافق ذلك من صراخ الابناء والتفافهم حولها رافضين فراقها. تتذكر الضربات الموجعة التي انهالت عليهم من اعقاب البنادق. تتذكر السحب العنيف لها ولهم. تتذكر المصائر المجهولة التي تركتهم في مواجهتها حين اختفوا عن انظارها آخر مرة وهم يجرون باكين خلف سيارات الجنود. تتذكر العزلة الطويلة التي عاشتها و صغارها بعد ان خاف الجميع على مصائرهم بعدما صارت مجرد مبادلتها التحية تهمة تجر الى الاستنطاق . لكن نكباتها تتابعت بعد ذلك وشارك فيها الجميع . الزوج و الاقارب و الابناء والعالم اجمع .

كان العالم يبدو على ايقاع صوتها وهي تغني عالما شرسا بغيضا ممقوتا لا يؤتمن . كنت لا استطيع ان اصدق ان تلك الرحاب و اولئك الناس تستوطن قلوبهم كل تلك الضراوة. اقترب منها. اتطلع اليها. بخشوع وثني حين كان يقف امام آلهته. بسكون اخرس يبحث عن الذوبان في صمت الوجود. هي كل شئ. هي الأمان. هي الحب والامل.



الأديب المغربي / عبدالله بقالي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "صور وصور" 



  

الأديب المصري / سمير لوبه يكتب قصة قصيرة تحت عنوان ( الدنيا على جناح سلامة )




ذات صباحٍ يستيقظُ " سلامة " وقد غطت شمسُ الضحى جنباتِ حجرتِه ، فقد تأخر على العملِ ، سنواتٌ طوالٌ لم يتأخرْ يومًا ، يعتريه شعورٌ باللا مبالاةِ فقد أغلق الستارَ على أخرِ فصولِ الوجعِ ، يرتدي قميصَه يتركُ الأزرارَ مفتوحةً ، يغادرُ منزلَه دونَ قناعِه اليومي ، هو ليس في حاجةٍ إليه ؛ فاليوم لن يذهبَ للعملِ ولن يضطرَّ لارتداءِ القناعِ  ، يتسكعُ في الشوارعِ بتروٍ وهدوءٍ ، يستمتعُ بالشمسِ و السماءِ الصافيةِ فالجوُ صحوٌ اليوم ، لقد أفنى عمرَه بينَ ترابِ المكاتبِ منكبًا على الأوراقِ ، وعندَ البحرِ تناديه الأمواجُ ؛ يخلعُ حذاءه وبروحِ طفلٍ يعدو بملابسِه ليلقي بجسدِه المثقلِ بعرقِ السنينِ وأتربةِ المكاتبِ إلى حِضنِ الموجِ يطهرُه ، فتلك هي المرةُ الأولى منذ عقودٍ التي يغادرُ فيها حلقتَه المفرغةَ ،  يلمحُها مع الصبيةِ على الشاطئ وقد تزينت بالألوانِ ، تداعبُها النسماتُ تتراقصُ في تبخترٍ ودلالٍ عندما تركوا لها الحبلَ على الغاربِ ، لا تفلتُها أيديهم رُغمَ أنَّهم على الأرضِ وهي في حِضنِ السماءِ تتهادى ، تحرسُها الأعينُ لا تحيدُ عنها إن مالت ، برباطٍ لا ينفصمُ تتراقصُ فترقصَ معها قلوبُهم ، يقفُ بينَ الصبيةِ وبقلبِ طفلٍ يمسكُ حبلَها يلهو بها ، ومع الصغارِ على نغماتِ الموسيقى يغني ثم ينطلقُ بينهم على رمالِ الشاطئ يتعاورون الكرةَ بالأقدامِ ، حتى احمرت الشمسُ في السماءِ ، يمضي وفي الطريقِ يشتري طائرةً ورقيةً ، يصلُ إلى بيتِه يغلقُ المنبه يحطمُ القناعَ ، يضعُ الطائرةَ الورقيةَ أمامَه ، وللمرة الأولى يربتُ عليه النومُ بحنوٍ فينامَ هانئا .




الأديب المصري / سمير لوبه يكتب قصة قصيرة تحت عنوان ( الدنيا على جناح سلامة )





الكاتبة المصرية / خلود أيمن تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الجريمة المُلفَّقة" 


الكاتبة المصرية / خلود أيمن تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الجريمة المُلفَّقة"


أشار إليه القاضي بأصابع الاتهام فظل يدافع عن نفسه ويلقي بالأعذار الواحدة تلو الأخرى لينفي ارتكابه لتلك الجريمة الشنعاء المتمثلة في قتل أحد المواطنين الشرفاء لأجل الحصول على ماله و سطو منزله و محاولة سرقة كل ما به من محتويات ، 

وهذا ما رواه المُتهَّم ؛ لقد حضر المحامي المُوكَّل بقضيتي وحاول أنْ يترافع في تلك القضية المستعصية التي أصر فيها القاضي على إذنابي فقد استخدم كل الحِيَّل و نصوص القانون المُشرَّعة في محاولة إنقاذي من حبل المشنقة ولكن دون جدوى ، فما العمل إذاً لقد ترحلت إلى النيابة ثم حُكِم علىّ بالحبس المُشدَّد لحين الانتهاء من التحقيق في القضية و ثبوت التهمة علىّ أو إيجاد أي ثغرة تُطْلِق سراحي وتخرجني من ذلك الهلاك الذي سيطولني و يودي بحياتي للنهاية في غمضة عين ، فكيف سيتمكنون من القيام بذلك ؟، ظل المحامي يحاول ويحاول بأقصى قوته وجهوده ويبحث بين طيات الكتب ويغوص في أغوارها محاولاً استخراج أي نص يساعده على كشف تلك المكيدة التي دُبِّرت ضدي للإيقاع بي و رؤيتي خلف القضبان وكيفية تخليصي منها وها قد وجد شيئاً أمامه بمحض الصدفة وتَذكَّر الأحداث التي سردتها له من قَبْل وحاول ربطها مع النصوص التي وقعت تحت يديه ليتوصل إلى تلك النتيجة المُبْهِرة التي لم تكن في الحسبان والتي ستساعدني على الخروج من ذلك المأزق اللعين الذي تورطت به رغم براءتي على حين غرة فلم يكن على الخاطر مطلقاً ، فلقد استحضرتني المحكمة في صباح اليوم التالي و أُجرِي فتح القضية من جديد و التحقيق فيها والتحقق من أنها تهمة مُلفَّقة بحضور الشهود للإدلاء بأقوالهم مرةً أخرى لعل أحداً منهم يتذكر أي أمر أو مشهد يساهم في حل تلك المشكلة العويصة التي أوقعني بها أحدهم ، فلقد ثبت فيما بعد أنها كانت بفعل فاعل يَضمُر لي بعض الشر والبغض فأراد التخلص مني و الزج بي في السجن ولا أعلم ما الغرض من ذلك أو ما الذي ارتكبته بحقه حتى يدفعه لذلك الأمر الغامض البغيض ؟ ، فدعونا نرى لقد اتبعني ذلك الشخص قيد الحديث تلك الليلة ورآه أحد الحاضرين في المحكمة والذي كان أحد سكان ذلك الحى الذي نقطن فيه وقد اعترف بذلك وأقر بأنه ذهب في الحال واحضر ملابس مُشابِهة لما أملك و قرر ارتكاب تلك الواقعة آملاً في تحسين مستواه المعيشي بعد الحصول على المال ولما تم القبض عليه اعترف بأنه ليس الجاني الحقيقي وبأنه شبيه له و فَرَّ هارباً بفعلته الدنيئة بعد أنْ اعترف علىّ و قرر الزج بحياتي في طريق مسدود ، فلقد انكشف الحق و زهق الباطل وجاري البحث عنه مرةً ثانية حتى ينال عِقابه على تلك الأفعال المؤذية من محاولة السرقة والقتل وإسقاطها علىّ أيضاً دون مبرر واضح أو أي وجه حق ..



الكاتبة المصرية / خلود أيمن تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الجريمة المُلفَّقة" 



 

الكاتبة الجزائرية / ملاك نورة حمادي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "فتاة المحطة" 




كان الجو ماطراً وملامح العابرين تغطيها مطاريات سوداء 

بينما أنا أنتظر الباص لأذهب إلى عملي

فتاة غريبة وقفت بجانبي وحملقت بي كثيرا 

_ سألتها.. مابك؟

فقالت أنتي جميلة  وجميلة جداً.... هممت بالابتعاد

أمسكت ذراعي بقوة  وقالت.......

جميلة لدرجة أنني أود اقتلاع وجهك

انتابني خوف شديد دسست ملامحي في معاطف الصاعدين للباص لكنها لم تترك.يدي 

بسرعة تحرك الباص ولازلت أقف في المحطة  مع الفتاة 

شيئا فشيئا  تلاشت الأصوات وخيم السكون على المكان 

كنت اصرخ في صمت واستنجد بالارصفة المقابلة ربما يمر شخص ويجعلها تترك يدي 

قبضتها جليدية جدا تشعرني ببرد قارس  ...

كانت اسئلة كثيرة تدور برأسي 

هل أكلمها ؟ كيف لي أن اتخلص منها ؟ ...

استجمعت شجاعتي وسألتها ...من أنتِ ؟ 

قالت... أنتِ أنا ؟

سألتها _ وماذا تودين ؟ 

قالت ...جئت أستعيد ما كان لي يوما !

هذا كان آخر قرص ابتلعته ..ذاكرتي مشوشة لا تقوى على تذكر إن كان مع ماءٍ أو بدونه .



الكاتبة الجزائرية / ملاك نورة حمادي تكتب قصة قصيرة تحت عنوان "فتاة المحطة" 





الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الـصـمــتُ قد توارى" 





قرأ العقيدُ قصةً لفقيد الأدب العربي، مصطفى لطفي المنفلوطي، يتكلم فيها عن الفضيلة ويفتش عنها، من دكان إلى دكان ومن تاجر إلى تاجر ومن رجل إلى آخر.ففتش العقيد عن المحبة المقدسة في جامعة بوزريعة، في كلية الآداب والترجمة، في المدرج وفي الفوج.فقال العقيد: قد تعثر على المحبة المزيفة والمقنعة ذات المصلحة، مصلحة الدراهم المعدودة والأثمان البخسة والمنافع الشخصية الضيقة، لم يريد العقيد هاته المحبة بل احتاج إلى حب يحمل الصدق والوفاء، عشق ذو إخلاص وصفاء، غرام دون انتهاء. فهل يجد هذا ؟

قد يكون صمت لم يفصح عنه والعقيد يطالع قصة "المحطة" للقصاص الروائي الطبيب "يوسف إدريس "، أو شعور طمس بزخرفة كلام ورونق لسان وقوة بيان، هذا هو حال البشر (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام).لا يمتلك العقيد هذه البلاغة والمحسنات حتى يزحزح هذا الصمت الجاثم عليه ويحقق له وجوده الزماني، كما فعل بطلنا في قصة "المحطة" فتمكن من العقيد وركن إليه، كأنه جليس يؤنسه في وحدته ويفرج عنه محنته، يقاسمه أفراحه وأقراحه، آلامه وآهاته.فهو صديق صدوق، مُحب لصوق، جعل العقيد في حيرة ومرية، لكن العقيد سئم منه فاجرى معه الحوار يتوسل إليه أن يتركه وشأنه يعطيه حريته فلم يجدي الحوار.

يَا لَلعَجَب من هذا الصمت، تقمص الشخصية وصعد إلى خشبة المسرح ينتظر فتح الستار فهل يقنع الجمهور بمشاعره ويغير لهم الأفكار؟

أجاب العقيد: لا اعتقد عنده أسلوب الإقناع، ولا قوة البيان ولا فصاحة اللسان، ما أن فُتح الستار، نظر إلى الجمهور برهة، وتوقف هنيهة، انكفأ لونه، رأرأ عيناه وشد لسانه فانكب خائبا لا يقدر على الكلام.

نصحه العقيد بأن لا يلعب هذا الدور فالصمت ليس له دراية بفن التراجيديا، لكنه أسر وألح على العقيد بالصعود للخشبة فما أشبه الصمت بممثل يؤدي الدور الذي حدده له القدر فقد يكون فيه مبدعاً أو مقنعاً، بائساً أو سعيداً فلتؤد الدور ولتقبله أيا كانت الأحوال فعلينا أن نحسن أداء الدور أما اختياره فليس من شأننا بل من شأن الجمهور المصغي إليك، ما وجدت أدان صاغية فلم تجني إلا البصق والشتم و تكسب التعاسة والألم.

عاود الصمت الكرة بأن يسكن ذات العقيد ويعبر إلى وجدانه فقال له: رويدك، تمهل أيها البائس المسكين لم أطق عليك صبرا، تمكنت مني أيام خلت، أما اليوم فأنا قادر على صدك، باستطاعتي مواجهتك، أرادت الخروج فحقق وجودك، اثبت جدارتك فلا تخشى الجمهور يا خليلي ولا تأبى لكلامه الجريح، هكذا البداية ولكل طموح كفاح ولكل شهرة تضحية.

نفخ العقيد في الصمت من روحه الطامحة، وأوقد فيه شعلة الحماسة ودربه على المونولوج وطلب منه أن يبتعد عن المأساة ويلجأ للملهاة.

الجمهور لا يريد الحزن، بل يحب الضحك والترفيه ويعشق الطُرفة و القهقهة. اصرف نظرك سيدي عن الدور التراجيدي وعليك بالدور الكوميدي، لعلك تتناسى همومك :

حامِلُ الهَوى تَعِبُ

يَستَخِفُّهُ الطَرَبُ

إِن بَكى يُحَقُّ لَهُ

لَيسَ ما بِهِ لَعِبُ

صه، أسكت رجاء، الجمهور البائس لا يُصغي إليك وأنت كئيب ولا يعطيك اهتمامه وأنت مكروب. نصيحتي لك أيها الصمت أرحل، سافر إلى مكان بعيد وستجد عوضا عن حبك المصيد.


  




الكاتب والباحث الجزائري / رحموني عبد الكريم يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الـصـمــتُ قد توارى" 




 

 

الكاتب السوداني / مجاهد الفريع محمد يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الفاتنة السمراء" 




ينبوعٌ يتدفق منها الفرح والسرور، جميلة وفاتنة يفوق 

الخيال رونقها، داوودية المزمار يوسفية المحيا، غجرية الخفر، حين عثرتُ عليها هشَّ اللقاء جالسة على كرسي عجوز، في أحد المكاتب العامة، شرودة الذهن معصوف بين صفحات الكتب، تأملتها جيداً حسناء ذات عيون دعجاء تنسي الحليمَ الوقار،  وتمتلك القدرة على هزيمة الفتيان بجمالها الطبيعي الساحر، لقد وجدتُها أجل وجدتُها التي كنتُ أحلم بها دائماً، فتاة رحلة عمري ياعبق القرنفل وشذى اللارنجا المفتوق زهراً أقحوانياً متدثراً بقشيب فاقعة شمس الربيع، تغازل قلبي حينما أكون نائماً أو في حالة يقظتي، حملتٌ نفسي وسرتٌ اليها وعلى جنبها كرسي شاغر، فبينة والخيال جلستٌ على ذاك، ولكن لستٌ ايّ! تأملتها ودخلتٌ في محراب التبتلِ القدسي ممددت الروحَ للجمال قُرباناً، كانت طينية الخُلد ثم صاح القضاء كوني فكانت من قلبي، فقلتُ لها السلام فاتنتي يا غابات كينيا والملايو، فرد بعبارة جميلة، ثم رجعت إلى القراءة مجدداً، كانت الرواية التي تقرأها انجليزية، سألتها عن الكاتب، وعن ماذا تتحدث الرواية، فأجابت بكل طلاقه، ثم دار الحديث، حول الكاتب قليلاً ثم عن أحداث الرواية، ثم تعرفنا على بعضنا البعض، وطلبتُ منها الرفق فأجابت على بالحاظٍ كُسال، ثم إفترَّتْ عن أشنُبٍ حكتْ الندى،  فكانت الحظة هي المبتغى، جرتْ الرياح بما تشتهي السفن، فقطفنا ثمراتْ الأنُس اليانعات وحملتُ حقيبتي ثم حاولتُ الرحيل فقالت: اهكذا تذهب؟ هل هناك شيئًا آخر، قالت: كلا ولكن على الأصدقاء أن يكونا دائماً على تواصل،  وانتَ الآن تطلق ساقيك على ارصفة الطريق تمشي في حال سبيلكَ، إذن متى نتقابل مرة ثانية، سوف نترك هذا للقدر عزيزتي، وهكذا انتهى اللقاء الأول ولا ندري متى اللقاء الثاني!!!





الكاتب السوداني / مجاهد الفريع محمد يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الفاتنة السمراء"




 

الكاتب المصري / محمد راشد علي بدر يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "عبثيات ما بعد منتصف الليل " 




وها أنا بعد منتصف الليل، أقف وحيدًا على حافة الهاوية، أُحدق في أعقاب المجهول، بجواري أصدقائى؛ كوب من القهوة، رواية ركيكة يحاول مؤلفها إضفاء بعض الإثارة عليها من خلال بعض الكلمات الغرائزية المحببة لنا كبشر لا تنتصب قرون إستشعارنا إلا بها...تبًا لما تفعله الشهرة بالناس، بالإضافة لأنغام شاعر في أذني يحاول بكل جدارة إثبات وقاحة الحب و إشمئزازه اللامتناهي للعشاق، لطالما حاول الإقناع أن النهاية واحدة للجميع؛ الفراق، ولطالما حاولت إقناعه أنْ ليس الكل مغفل مثلك يا صديقي، تبًا له أيضًا أنا اتفق معه في رأيه عديم الجدوى علي الإطلاق، ولا أكاد أنسي ذاك الصداع النصفي الذي أصبح مُصاحبًا لى في الأيام القليلة الماضية، صداع عجيب لا أدري سببه، فشلت العديد من أشرطة البنادول في مداعبته حتي!!، أهو من قلة نومي أو من فرط تفكيري أو ربما هو ليس سوي اتفاق مخفي أبرمته خلايا المخ اللعينة معه من أجل ...من أجل دفعي للجنون أو ربما فقط للتوقف عن التفكير، تفكير أشعر أنه راح يمزقها ويصول ويجول بداخلها، تبًا لها أليس هذا هو دورها وما خُلقت لأجله!!، ما هذا الذي يحدث، ما هذا الصوت الذي بداخلي ؟!، انتظروا قليلاً...أاااه لقد نسيت أن أخبركم أنها من وقتٍ لأخر تعبّر عن مدي إحتجاجها بزراعة بعض الأصوات بداخلى، تظن أنها بذلك ستدفعني للجنون، تبًا لها أكاد أموت من كثرة الضحك لتلك المحاولة الحمقاء، جنون...أنا الجنون نفسه عزيزتي هاهاها، حسنًا...حسنًا سأنصت سأنصت توقفي عن اللعب بذاك العصب اللعين...ليست لعبة أتاري قديمة هي لتستمري بالضغط عليها، حسنًا سأسمعك ماذا تريدين ؟


_أجابت بحزم: لست أُريد شيئًا، أريد بعض الراحة...بعض الراحة فقط.


_أجبتُ بعبث مصتنع: عزيزتي، تبًا لكِ أليس دورك التفكير ؟، لطالما سمعت أن هذا هو غذاءك لتعيشِ.


_أجابتْ بغضب: دعك من هراء المثقفين هذا، أنت أول العالمين بأنني لا أحتاج سوي بعض اللترات من الدم المحمل بذاك الجلوكوز، وبعض ذرات الأكسجين المعطّب بالملوثات الضرورية.


_حسنًا ماذا تريدين هاا...ماذا تريدين ؟.


_الهدوء، الهدوء أيها الأحمق، سيأتي ذاك اليوم وسأحترق، لن تجد ما تُدرك به وعيك، ستغدو مجنونًا !!.


_كم بقي لكِ عزيزتي ؟.


_تجيب مستنكرة ببلاهة خلايا مخ تتحدث بعد منتصف الليل: ماذا تقصد ؟.


_أُجيبها وقد انفرجت أساريري عن ضحكة جانبية ساخرة: كم بقي لكِ كي تحترقي ؟. 


صُدمت من الرد وكأنما احترقت بعض خلاياها كحاسوب قديم تستمر محاولات مراهق في تشغيل لعبة عصرية، ويستمر الحاسوب بالسب وإعطاء عبارة error 404: تبًا لك، سيكون الجنون حليفك مُرّحبًا بك، كيف أقولها ستغدو مجنونًا...مجنونًا !!.


_ضحكتُ من إجابتها، كم أعشق إنفعالاتها...اعذروني فهي الأنثي الوحيدة في عالمي، رددتُ ولا زالت أثار الضحك تبدو علي ثغري: لقد قُلتُ لكِ مطالبى، أنتِ المستمرة في المماطلة. 


_نظرت لى وكأنما هو الجنون متجسدٌ بعينه أمامها، وأردفت: ما الذي تقوله...أنا لست أدري كيف أُحقق طلبك هذا، أنــ.


_قاطعتها بزمجرة عصبية: دعكِ من هذا الهراء، هاا...أنا أكثر العالمين بهذا الهراء، و إن لم تفعلي ما أمرّنكِ لأسجننكِ في جحيم الأفكار وغياهب الذكريات، سأجعل ما يحدث لكِ اليوم كتجميع أجرة ميكروباص في يومٍ حار، سأفجر كل خلاياكِ واحدة تلو الأخري، سأتسلي بقطع الطريق إليكِ، ربما حبس للأنفاس...جرعات لا نهائية من الكافيين...بعض الجرع الكيميائية مجهولة التراكيب والمصدر...قطع ذاك الجلوكوز المفضل بالنسبة لكِ، ها ما رأيك؟.


_أجابت وقد ذُهلت من إصرارى هذا: ولكنك لن تُجدي فائدة من كل هذا، أنا أنت يا أحمق...أنا أنت، ستغدو مجنونًا أو ستهلك لا أنا. 


_أجبتُ بلذة: سأستمتع أشد الإستمتاع ونحن نذهب إلى الجنون سويًا، عزيزتي لطالما قلت أنتِ الأنثي المفضلة بالنسبة لي لن أترككِ ما حييت. 


_تجاوبتْ لمطالبي بعدما أستشعرت ذاك اليأس القابع في نبرات صوتى، وأنِ لن أتردد لبرهة في تنفيذ تهديدي: حسنًا لكَ ما أردت، وضَغطتْ بعض تلك النواقل العصبية أمامها، وأسالت تلك السوائل عديمة الجدوى، انتظرتْ لبُريهات...ثم فتحت ذاك السرداب القابع في الخلف حاملًا لافتة كبيرة ذات لون أحمر غامق مع جمجمة بيضاء في منتصفها...نظرات عيني الجمجمة تنطق بمدي خطورة ما خلفها، وزيادة للتأكيد كُتبتْ عبارة "ممنوع الفتح والإستخدام، نواقل عصبية تسبب حالة من السُكرْ متبوعة بمجموعة من تذاكر طيران مجانية لعوالم خفية لا يستوعبها خلايا كائن حي، ثمَ بالبونط العريض عبارة عادةً ما تنتهي تلك الحالة بالجنون والموت ". 


_أَجبتُ مُرحبًا وقد انكشفت صُفرة أسناني من الإبتسامة: ها نحن قادمين...ففي إنتظاري رحلة طالما سعيت أن أكون أحد ركابها، سأذهب لحزم أمتعتي، أه تذكرت سأرسل لكم بطاقات معايدة من أعماق الجحيم نفسه...تبًا لكم، مع السلامة.



الكاتب المصري / محمد راشد علي بدر يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الفيلسوف"



الكاتب المصري / محمد راشد علي بدر يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "عبثيات ما بعد منتصف الليل " 



 

الكاتب المصري / محمد السعيد يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الدور الأخير"



 

قبل ثلاثة أعوام ،كانت داخلي رغبة ملحة في التوقف عن التدخين،  فقد كنت أدخن بشراهة،وقد أثر ذلك علي صحتي سلباً ،خاصة أني كنت أسكن آنذاك في شقة في الدور الخامس،في إحدى الوحدات السكنية القديمة في حي الزهور ، وكانت بلا مصعد إلكتروني، وكنت أجد مشقة في صعود السلم نظراً لكوني مدخن ذو تاريخ يمتد من عمر المراهقة حتي تاريخه،كنت أصعد الدرجات مرهقاً، وأضطر لعمل إستراحة لمدة خمس دقائق في الدور الثالث ، وأنا غابة في التعب، أكمل بعدها حتي الخامس  ، يحدث ذلك علي الأقل ،ثلاثة أو أربعة مرات يومياً ،إما للذهاب الإلزامي للعمل  ، إما لقضاء حاجيات البيت  ،وكان خروجنا، أنا والعيال، من الشقة قاصدين العالم الخارجي يشكل عبئا وهما كبيراً علي أنفسنا، كأننا سننزل ثم نصعد جبلاً، ناهيك عن حمل المشتريات وأحيانا العيال أنفسهم!. أما وجودنا داخل الشقة فقد كان يشبه وجودنا في قمة برج من الأبراج العالية في قلب المدينة  ، أو ناطحة سحاب في مانهاتن ،ففي الشتاء كنا نحس بالمطر وهو بضرب بقوة الجدران، وكأنه سوف يثقبها ويحول المكان إلي بركة مياه،وكان يزيد ذلك من شعورنا بالخوف والرهبة ناهيك عن الصقيع الشديد، أما في فصل الصيف،ومع شدة الحرارة ،كنا نحس أننا نعيش فوق كوكب آخر غير كوكبنا، وأننا قد نكون قريبين من الشمس نفسها ، حيث درجة الحرارة مرتفعة جدا.وقد كان وصولنا للشقة في الدور الخامس أشبه بالهبوط الاضطراري لطائرة في أحد المطارات، نتيجة لعطل فني لحق بمحركها ، تتسارع الأنفاس في إضطراب ملحوظ، مع قلق مشوب بحذر ،وتجحظ الأعين ،وتصاب بداء الذهول، والكلام يكون مقتضبا وعصبيا، ويختلط الحمد والشكر علي الوصول مع اللعنة والرفض علي الحظ والقدر، ونغير ملابسنا ،وندخل الحمام ونحن في حالة توتر شديدة،وقد تحدث مشادة كلامية مع زوجتي علي أتفه الأسباب ويعلوا الزعيق وتنهال اللعنات علي السبب المجهول الخفي وراء كل ما يحدث ،حتي نهدء و نشعر تدريجياً بإلاستقرار، ونعاود ممارسة حياتنا بشكل طبيعي، وأعود معها إلي المطبخ أكثر الأماكن التي أتردد عليها طيلة الفصول الأربعة، لإعداد كوب القهوة المعتاد،حتي إذا ما أكمل نضجه صببته وحملته معي إلي الفراندة  .وللفراندة حكاية خاصة معي كمدخن ، أولا لأن زوجتي في بداية زواجنا حملت في إبنتنا الأولي وكانت بسببه لا تطيق رائحة السجائر، واضطررت، أسفا،للتدخين في الفراندة، إلي أن وضعت طفلتنا الأولي، وأصبح الخوف علي المولود من الدخان أكبر، وأصبح معها وجودي في الفراندة معتاداً ومتكررا أغلب أوقات النهار ،وقليل من الليل، لأني كنت أنام مبكراً من شدة الإجهاد ،ثم كبرت طفلتنا قليلاً، وشعرنا بهدوء نسبي . عقدت بعدها أنا وزوجتي إتفاقا شفهيا علي إنجاب طفل جديد ليلعب مع أخته، ويكون لها سنداً،وتحققت الأمنية بأسرع مما توقعنا،وحملت زوجتي للمرة الثانية، وفرحنا كثيراً بالحمل الجديد، وأصبح وجودي في الفراندة مألوفاً للجيران، ولأصحاب الدكاكين من حولنا،وللمارة من معتادي دخول الحي ،للعام الرابع علي التوالي.كنت أتمني،من أعماقي،لو توقفت نهائياً عن التدخين، خاصة مع زيادة الأعباء المالية وإرتفاع سعر السجائر ،مما جعلني أعيش صراعات نفسية  ،فالتدخين يقطتع جزءًا كبيرًا من ميزانية البيت ،ويؤثر سلباً علي حياتنا، وبدأت حالتي النفسية تزداد سوءاً،وخيم الزعل وإحتل مساحة لا يستهان بها من شعوري بالحرية والرضا ،وكنت لا أعرف كيف أتوقف,؟ماذا أفعل؟ حتى بدأت أشعر بألم  في صدري يروح ثم يجيء  ، حتي  جاء يوم  شعرت بالألم يزداد، وكانت زوجتي تراقب عن  قلق وخوف ودموعها تكاد تسقط! ،ثم  نقلت للمشفي،وعملت لي  فحوصات طبية، ووضعت تحت رقابة أجهزة حساسة وعناية مكثفة ،وسمعت لأول مرة من الطبيب  عن  الآثار السلبية للتدخين.وتوقفت، فعلاً،  من يومها حتي يومنا هذا عن  السجائر، وأتبع علاجا من يوم دخولي المشفي إلي هذا البوم للضغط العالى ،ثلاثة أعوام مرت ،ولا أنسي أبدا هذا التاريخ.كان خوفي علي مستقبل أسرتي كبيراً جداً، وكان يتعاظم لدي الشعور بالمسؤولية عنهم ،ما جعلني أبتدع الطرق والوسائل لكي تنجح مسألة التوقف عن التدخين ،وسمعت نصائح المخلصين بالمشي نصف ساعة يومياً، والإستحمام في البحر ،لما لمياه البحر المالحة من تأثير علاجي إيجابي و مباشر علي الصحة العامة ، وأعتبرت حياتي في مرسي مطروح منحة إلهية.ومرت الأيام والشهور  ومر عام ،ولم أكن أصدق أن الحلم قد تحقق، وإن كان الشكل الذي تحقق من خلاله صعباً وخطرا. أما حياتنا في الدور الخامس فقد إستمرت بسلاسة وشعرت زوجتي براحة لقراري ذاك ، حتي سمعنا عن نية المحافظة  تجديد وإعادة إصلاح الأحياء القديمة ،ومنها حينا،  وجاء يوم وطلب رسمياً من الحي بأكمله الإخلاء. الحق أننا لولا طلب الإخلاء ذاك ما تركت الشقة ،فقد كانت تمثل لنا رغم المعاناة معاني جميلة وذكريات أجمل. وقد استأجرت شقة في الدور الأرضي ،ولم أكن أخطط لذلك ،ولم أعاني في البحث ،ولوخططت لذلك ما حدث أبدأ. أما رئاسة الحي وبعد مرور ما يقرب من العام والنصف فقد قامت بتسليم شقق الحي مرة ثانية بعد تجديدها إلي أصحابها،لكني لازلت في الدور الأرضي.!




الكاتب المصري / محمد السعيد يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الدور الأخير" 



 

الأديب المغربي / عبدالله البقالي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الخبز الأبيض" 




  ما كرهت في طفولتي شيئا كخبز الشعير . بل لم يكن الأمر مجرد كراهية. كان شيئا أكثر قوة. فقد اعتقدت طويلا أن مسألة الوسامة و بياض البشرة مردها الى الخبز الأبيض. و ان السواد و بشاعة الصورة مردها الى خبز الشعير، وأن الافراط في تناول هذا الخبز يفضي حتما الى التهلكة. 

     هكذا نشأ موقفي المتصلب من هذا الخبز , موقف لم أكن أعي أني من خلاله كنت أكشف الوضعية الاقتصادية الهشة للأسرة، الشئ الذي كان يغضب الوالدة، بل ويدفعها الى أعلى درجات الغضب فلا ترى من غير تغيير موقفي سبيلا لاعادة الامور الى حالها .

في البدء كانت تحاول ذلك بهدوء . تحاورني، تحاول افهامي أن حشو المعدة بخبز الشعير أفضل من تركها فارغة أو المبيت معصب البطن. وحين لم تكن تجد صدى لمساعيها، كانت تنظر الي بحنق وتصرخ في : ليتك عشت عام ّالبون*" ّ و لو ليوم واحد  لكن لا بأس ستعرف عنه كل شيئ عندما تكبر. الا أني أتساءل عن جدوى ما يملأون به مسامعكم في المدارس ان كانوا يغفلون حدثا كهذا

تصمت للحظات ثم تضيف: وحتى لو فعلوا فلن يكون ذلك ابدا بقتامة ما عشناه. 

      يشدني التقديم مثلما يحدث عادة ، وعندما تأكدت من استعدادي للانصات،أضافت : في تلك الايام أمحلت السماء فقحلت الأرض، طال الانتظار. امتدت الأيادي لما كان مخزونا فنفذ. وفي لحظة تغير كل شئ وبدا و كأن الحياة حنت لبدايتها، جارفة في نكوصها كل ما تم تحصيله عبر مسارها الطويل. تصور، أطنان الذهب و أموال المعمور ما عادت تساوي شيئا أمام رغيف يملأ البطن. و أراض لا يحدها البصر قويضت بحفنة من حبوب الشعير. لذلك كم غني زاد غنى...ا وكم فقير زاد فقرا !

تصمت من جديد، تحني رأسها ثم تشير به محركة محاولة رسم حجم المعاناة ثم تضيف :آه يا ولد لو رأيت هيام الناس في البراري و الفلاة باحثين عن أي شئ يخرج من صلب الأرض ! .ولو رأيت البشر الذي كان يعلو وجوههم وهم يعودون فرحين حتى ولو كانوا محملين بجذور مرة لا تستصاغ. لكنها كانت تتحول لأرغفة تضمن الاستمرار!  ولو رأيت حسرة من ضاق بهم الأفق حين لم يجدوا شيئا يملأون به أفواه أطفالهم ، فاحتاروا ولم يعرفوا أيضعون حدا لعذابهم بشنق أنفسهم، أم يعطلون ذاكرتهم و يهيمون على وجه الأرض متناسين أن لهم أطفالا جياعا ينتظرون عودتهم . 

تتوقف عن الحكي، يهيمن صمت طويل ثقيل مفعم بالحزن والألم. يتباطأ الزمن راسما مسارا تمتد سكته على قلوب المغلوبين البائسين الذين يمتص صرخاتهم هدير حركات دواليبه العملاقة. 

تتضخم خلايا الوجدان لتطل على العالم من خلال مجهر دقيق يرصد النوايا و الأحاسيس في أرحامها. ينبثق شعور بخوف مريع . خوف من كل شئ. من الأيام و الناس. من الطبيعة و الحياة و الموت.

 فضاء الغرفة نفسه كان يبدو حابلا بالتواطؤ، ينطق بتهديد صارخ ترصده الجوارح المصدومة بكونه يستطيع أن ينتفض ضد سكونه ويرسل مخلوقات صاعقة متعطشة لشئ ما، لكن هذا الشئ سيكون حتما كالفقد، كالهلاك، مخلوقات، بل أرواح ستنبثق من لا شئ. لكنها في تحولها ستستعير أجساد الآباء الذين قتلهم الغم، ووجوه الأطفال الذين انتهت بهم أحابيل وجشع السادة الى فائضين عن الوجود لا يستحقون لقمة من ذخائرهم  ومخزوناتهم المكدسة. 

ترعبني الصور. أبحث عن ملاذ. عن شئ ينتزعني من أعماقي. أنظر الى جنباتي مدركا أن لا مخرج من الورطة. التقت عيناي بعينيها. قرأت بوضوح رجاءها. ارتدت دعوتها خيبة بعد أن اصطدمت باعتذاري . ارتفعت كلماتها بحدة : هيا تقدم الى المائدة فأنا متعبة أريد أن أستريح . 

      يضيق المجال.ادفع الكلمات في حلقي فلا تبارحه، أحاول من جديد أجهش بالبكاء فتطاوعني الكلمات و أصرخ: ولكنه يقتل يا أمي . 

يعود الزمن الى حركيته عبر انتفاضتها.وكأسير مهان كنت أزحف اتجاه المائدة ممددا يدا مرتعشة دون ان أحدد لها وجهة. تصطدم به  ملمسه الخشن. تضاريسه المتذبذبة. لونه المتعفن.وشذرات تبن تلمع بفعل انعكاس الضياء. أقتطع شدقا. أمرره بالصحن. ألقمه فمي.أمضغه ممتزجا بالمرق والدموع المالحة. أدكه بأسناني كأنما كنت أريد أن أفنيه و أتخلص منه. أدفعه اتجاه حلقي. تكبر الممانعة. أمضغ من جديد وأحاول ابتلاعه. تنسد المسالك لتصير لبنة لا ممر يخترقها. أتصنع الانشغال بالمضغ، تنفتح الذاكرة ليلوح لي "حمور " كلب سائق الحافلة التي تربط القرية بالمدينة.حمور في سباته المأجور الممتد من مغادرة الحافلة صباحا الى حين عودتها مساء حيث يستيقظ فجأة و يبدأ في النباح , ثم يعدو بكل قواه ليختفي خلف منعرجات الطريق الغربية ااقرية و ليظهر بعد ذلك متقدما الناقلة مشكلا ما بشبه طلعة موكب. وليحوم حولها حين تتوقف بسرعة. ترحاب كان سائق الحافلة ذو الشارب الطويل يسر له. فيتجه صحبته بعد أن يترجل الى بائعة الخبز حيث يشتري رغيفا أو رغيفين أبيضين .يقطعهما و يلقي بهما الى حمور قطعة قطعة. 

 يتجمع الأطفال مشكلين حلقة  متابعين بانتباه طقوس وجبات حمور. وكان يحدث أن يرفع عينيه و هو يضغط بفكيه القويتين قطعة من الخبز، فتلتقي عيناه بعيون المتحلقين فيبدو و كأنه يقول: آسف من أجلكم يا صغار، لكن لا تغتروا، فليست كل الكلاب تحصل على خبز أبيض مثلي . 

يرتفع صوت الوالدة منتزعا اياي من شرودي: لن تبارح المائدة قبل أن تنهي حصتك من الطعام . 

حكم عن أي جرم ؟ مجرد قضاء؟ولماذا لا يروق لهذا القضاء سوى أن يتخذ هذا اللون في حين أن بوسعه أن يكون أفضل دون أن يتطلب ذلك تضحيات و لا رسوما ولا استنزافا للطاقات ولا أي شئ آخر ؟

يتقوى الرفض داخلي. أبصق لقمة استعصى علي بلعها فيبدأ الجلد . 

بقوة كانت تزجرني.وباصرار رهيب كانت تحاول استئصال جذور كنه مزعج من داخلي .لكني بنفس الاصرار كنت أستميت. أقاوم ,شئ واحد كان يتغير في. لون جلدي.

أركن الى الزاوية. أنتحب.أبحث عن ذنب لا يغتفر ارتكبته. عن سبب يشفع للوالدة ما فعلت بي. 

استدرت جهتها .صعقت. قرأت بوضوح هزيمتها , و أهم من ذلك الدمعة التي لم تفلح في اخفائها .اقتربت مني. تحدثت بوضوح تلك المرة. اعترفت انها لا تستطيع شراء الدقيق لصنع الخبز الابيض.

هدأ روعي وجنحت للمصالحة. لكن شيئا مهما تغير داخلي. ولم تعد الدنيا واحة مستوية



الأديب المغربي / عبدالله البقالي يكتب قصة قصيرة تحت عنوان "الخبز الأبيض"