استكمالاً لما تم انجازه من مشروعنا (الذات.. كيانها وكينونتها ودورها والموقف منها)، حيث ظهر أن القراءة الخاطئة لمكانة الجسد منها تضعه محصوراً في سياقي القوة والجمال، واللذان لا مناص من تأثرهما السلبي مهما كانت درجة اشتدادهما في لحظة العنفوان، كما تبين ان المعنى يعيد صياغة الذات بفهم جديد لكيانها ودورها، ويدخل كأساس ليس فقط محايدا للجسد بل متقدماً عليه (رتبة وشرفاً ودوراً ومكانة)، وبحضوره، يصبح للقوة والجمال فهم مختلف، ومساحة تطبيق غير ما عهدته سردية الجسد المستفرد، نضع في هذا الفصل من هذه المقاربة المعرفية عنصراً ثالثاً، يعيد وجوده صياغة المعادلة بطريقة مختلفة، ويدخل بشكل يتجاوز توصيفه كأضافي، بل مع البحث العميق، لا حديث أصلاً عن ظهور الذات وتجليها في عالم الوجود بدرجاته المختلفة بعيداً عن افتراض وجود الآخر.
تتواتر السرديات المؤكدة على أن شريط مفتتح الحياة، وقف على حافته الثنائي (آدم وحواء)، وهي ثنائية تتجاوز البعد العددي الى صورة التكامل الضروري على الاقل في حدود المشهد الاول من مسرح الحياة.
إن المسارين الذين تمحورت حولهما رؤية الجسد المستفرد، والذي وضع (جدوى الذات) في منتجي القوة والجمال، لم يكونا متولدين بشكل ذاتي لوعي اكتفائي منطلق من الصيغة التي يحملها الجسد لتعريف الذات، بل هما انعكاس لاستجابة الاهتمام بمنظور الآخر الذي حدد للذات نتاجها الحيوي في هذين التجليين، وبعبارة أوضح، فإن القوة والجمال المشار إليهما في النص الاول هما استجابة للاهتمام بمنظور الآخر، الذي يعقد تعلقه بالذات الاخرى من خلال ما تحمله من قوة او جمال.
في الوجود القائم على مركزية الجسد، تكرست ذاكرة جمعية تراكمية، وتعمق إيمان تضايفي يصعب الذاتي من الموضوعي فيه، يمجد كل ذلك إله الجسد بصورته المحصورة بين قوسي القوة والجمال، وفي ظله تصبح روابط العلائق والصلات منتظمة في اطار البحث عما يسد الحاجة المتحورة حول شغف الرغبة بقوة فيزيائية تتقوم بالعضلات والقوام العام، وتحقق افعالها الملموسة خصوصاً في تأكيد فكرة الفحولة ضمن هذا الفهم، وكذلك بالتعلق بتجليات الجمال الجسدي الممتد من المنظر الحسن الجذاب وصولاً الى قدرته على ابقاء جذوة الاثارة والاشتعال، وهنا يصبح مسار ثنائية الصلة مع المختلف جنساً قائمة بالدرجة الاساس على اساس الصراع على ملكية محور القطب الذي يمثل فلك الحركة التي يدور حولها زخم هذا الاندماج، فالقوة تريد لنفسها ان تكون قاهرة ومطاعة، والجمال يأبى إلا أن يكون الرب الذي تقدم بين يديه الطاعات، ومع الاعتقاد الراسخ بأن القدرة على التمركز في المحور تتوقف على مدى ما يملكه من القوة والجمال، يصير الانخراط في لهاث البحث عن الوسائل التي تديم مظاهر القوة والجمال هو الشغل الشاغل، والفعالية الاهم، ومع عدم القدرة على تجاوز قهر الطبيعة التي تذل الجسد مهما كان قوامه، فإن سبيل الانتقاص او التشكيك بجمال الاخر او قوته هو الطريق الامثل للشعور بحالة التوازن امام حمى الصراع.
وفي خط ذي صلة تكون العلاقة مع المشابه جنساً قائمة على اساس التنافس الذي ينزلق عادة الى الصراع من اجل الاستفراد بسبق الرتبة في مضمار الجمال والقوة، ومع اشتداد المنافسة وشحة الفرص والخيارات يكون الالغاء والازاحة هي السبيل الوحيد لضَمان البقاء في دائرة التأثير وزخم الانجاز ومحط الاهتمام.
تخلتف الامور كلياً في اطار مقولة (مركزية المعنى)، التي تضع للجسد مكانته المقدسة والطبيعية، وتوسع من دائرة منجزه في مجالي القوة والجمال الى مديات اوسع واكبر بمئات المرات تفوق مديات مقولة مركزية الجسد، وبأضافة منافذ المعنى المتمثلة ب (الروح والقلب والعقل)، حيث تتغير بوصلة مسار الاهداف، وتصحح مسارها من الحركة التسافلية الارتكاسية الى الحركة التصاعدية الارتقائية، إذ يأخذ المعنى بيد الذات ليضع في مدارها اللائق والمتمثل بكونها صورة تجليات الإله، وفي ظل هذه الاضافة يتسع نطاق عمر الذات المتاح لها لتحقيق منجزها الى ما بعد فناء الجسد، كما ان نوع وشكل المنجز الذي تنشغل به ومن اجله يصبح مختلفاً تمام الاختلاف.
في هذه الصورة تكون دائرة العلاقة مع الآخر مبنية في معظم الصور على اساس التكامل سواء كانت هذه العلاقة مع المختلف جنساً او المشابه، وحتى الانخراط في دائرة التنافس يوجه الحركة في بوصلة تصاعدية لينتهي بها الى التكامل وربما الوحدة والاندماج.
ان الآخر في مقولة مركزية المعنى ليس محلاً للخطر، ولا نقيضاً وجودياً يقوم وجوده على شرط إلغاء الآخر، ولا مستفرداً بمحور التحكم والسيطرة بطريقة الهيمنة الاذعانية، بل هو الوجود الضروري الذي لا مناص منه ليكون للذات معنى ووجود، ومعه يتم اعادة صياغة مكانة الجسد ورسم خطوط الدهشة والانبهار والحاجة والاكتفاء وغيرهن من الصور الاخرى.
تختلف حسابات الزمان والمكان ومفاهيم الاقرب والابعد مع اختلاف المقولتين، ويطغى حضور معنوي قادم من رحم نوافذ المعنى، وهو البعيد مسافة على ظهور قريب يتقوم بكتلة من عالم الجسد، بل تصل الامور الى اختفاء هذه الكتلة الواضحة في حدود الازاحة الحجمية وتصبح اقل من ظل لنسمات يطير بها عالم المعنى.
لا بد من التذكير ان هذه المقاربة ليست من سنن المقولات الصوفية ولا من نتاج الفلسفات الرومانسية، كما انها تدافع بقوة عن مكانة الجسد واهميته وحضوره وهدفيته، بل تعتقد انه لا محل لتجليات المعنى دون كينونة الجسد، ولا تنكر ابداً الحدود الدنيا لمضماري القوة والجمال وتقر بهما في حدودهما المعقولة والمقبولة، لكن تضع ذلك كله في اطار تقدم المعنى الرتبي والقيمي والهدفي، الذي يعيد صياغة تعريف الذات ويرسم لها خارطة انجاز مختلفة عما ألفه اهل مقولة مركزية الجسد وهو السواد الاعظم.
إن هذه المقاربة تؤمن بأن وجود الآخر وحتميته لا مناص منها، وترى بأن دائرة العلاقة به ومعه يرسمها طغيان احد المقولتين، وفي كل فرض يتغير المسار، فمرة يكون تنافساً وصراعاً وإزاحة وإلغاء، واخرى يتحول إلى دائرة تكاملية، يرتفع به التنافس الى الاعلى، ليدخل ضمن دائرة الكمال والجمال المترابط روحاً واثراً.
لا شك في ان الوصول الى الامنيات التي يحملها هذا المشروع دونها خرط القتاد إلا انها تبقى مصيراً اوحدياً لا بديل عنه من اجل الخلاص من دوامة هذا الصراع الذي تتآكل في ظله إنسانيتنا، ويتحطم معه عالمنا، ويستغرق وجودنا جيلاً تلو جيل في مسيرة عمياء بلا بداية ولا نهاية، نتصارخ بعضنا على بعض دون ان نعرف الوجهة والمآل.




Post A Comment: