••••••••••••••
فى مرحلة الدراسة الابتدائية كان هناك تعليم موازى يحتل أهمية كبرى بجانب التعليم الحكومى ..
إنه كتاب القرية الذى يبدأ الالتحاق به لمن يريد من قبل بلوغ سن الدراسة الابتدائية ..
ولم يكن مسموحا أن تطغى المدرسة على الكتاب او العكس ..
كتاب الشيخ محمد الدبيس الشهير بمحمد الفراش بسبب وظيفته كفراش للمدرسة ..
سيدنا الشيخ محمد كانت مهنته الأصلية فلاح ..
مزارع يستيقظ لصلاة الفجر ومع بزوغ الصبح يركب حماره ساحبا بيده جاموسته الوحيدة ليذهب بها الى حقله خارج القرية ..
يربط الجاموسة فى غيط البرسيم ويسيب لها مسافة فى الحبل حسب ما يريد لها أن تلتهم من أعواد البرسيم ..
ويحش بعضا من البرسيم لحمارته ويطعمها او يضعه على ظهرها ثم يمتطيها ذاهبا الى مدرسته قبل موعد بدء اليوم الدراسى ..
يفتح بابها ويقوم بأعمال النظافة كاملة حتى اذا حان بدء اليوم الدراسى قرع جرس المدرسة ..
سيدنا الشيخ محمد بحكم وظيفته يقرع الجرس مع انتهاء كل حصة ويقرع الجرس مع انتهاء الفسحة ومع انتهاء اليوم الدراسى وأثناء ذلك يقوم بأداء ما يطلب منه من قبل الناظر والمدرسين ..
وحين ينتهى اليوم الدراسى يتحرك ذاهبا الى حقله ليتابع أعمال حقله ثم يعود الى بيته مع انقضاء النهار ممتطيا حمارته ممسكا بمقود جاموسته ..
النشاط الرئيسى للكتاب يكون خلال فترة أجازة الصيف التى تمتد لأربعة أشهر كان النشاط فيها يبدأ فى الصباح وينتهى بعد العصر ..
كلما كان حفظك للقرآن أكثر من غيرك كلما كنت مقربا من سيدنا الشيخ محمد وأكثرنا حفظا وقراءة كان بيقى الألفة .. يعنى نائب الشيخ القائم على حفظ النظام فى غيابه ..
المقر الرئيسى للكتاب كان غرفة كبيرة فى مواجهة مسجد القرية الوحيد ..
من المهم التذكير بأن الشيخ محمد كان لا يطلب أجرا مقابل تحفيظه القرآن لصبية القرية ..
اللى عايز يدفع شلن واللى يدفع قرشين واللى يدفع بريزة كل حسب قدرته ورغبته ..
ذكريات الشيخ كثيرة يصعب حصرها ..
نذكر منها ملامح ثلاثة تبين شخصية الرجل ..
الشيخ أحيانا لما يكون عنده شغل فى البيت أثناء اجازة الصيف كان يحول بيته لكتاب ..
التلامذة يقعدوا فى دهليز الدار وكنا بنسمى المدخل دهليز ..
فى يوم سيدنا بيراجع معانا الماضى ورأى أن مستوى الحفظ لا يروق له فغضب غضبا شديدا ..
سيدنا مكانش عنده مشكلة فى الضرب ..
كان بيضرب براحته وبأى حاجة فى ايده ..
مرة عصاية ومرة زخمة .. زخمة دى حاجة زى الحبل المفتول المبروم بقسوة وتشبه الكرباج ..
وكان لها يد من الخشب او من الجريد ..
المهم ان العصاية او الزخمة تكون من الطول بحيث اذا ألقاها طالت أبعد تلميذ فى المجلس ..
سيدنا لما راجع لنا الماضى ومعجبوش مستوى الحفظ ثار ثورة عارمة ..
فى اليوم ده كنت أكثر الحاضرين حفظا ..
بعصبية شديدة أمرنى ان أقوم ب رص التلاميذ وجوهم الى الحائط وهم جلوس على الارض ..
ثم أتى بجريدة نخل كاملة ..
يضرب بجريدة النخل على ظهور التلاميذ بحيث ان الجريدة تطالهم جميعا وبدرجة لسع متساوية ..
كان راجل حقانى ..
التلميذ اللبط يدخل بجسمه للأمام قليلا فالجريدة لا تطاله ..
سيدنا ياخد باله يقول لى طلع لى ابن الترس ده لوحده ويضربه لوحده ..
كل ده وأنا واقف منتشى رغم بعض القلق ..
أنا الوحيد اللى واقف مشرف على النظام ..
سيدنا بعد ما شبع ضرب فى العيال وفش غله فيهم قال لهم قوموا ..
العيال قاموا كل منهم يتحسس ظهره ..
يقوم سيدنا يبص لى ويقول لى اقعد انت يا خويا خد نصيبك ..
وكانت علقة لا تنسى ..
الملمح الثانى ..
سيدنا راكب الحمارة وساحب الجاموسة وماشى بيها فى الشارع الرئيسى للقرية ولمحنى ببصره الثاقب ..
نادى الرجل فلبيت نداءه وهرولت اليه ..
انت غبت امبارح ليه ؟
معلش يا سيدنا ..
حفظت واللا اخدت اليوم كله لعب ؟
حفظت يا سيدنا ..
طب سمع يا خويا ..
مشيت جنب الحمارة أسمع المطلوب ..
وصل الشيخ لحقله ونزل عن حمارته وربط جاموسته ونزل يقطع لها ذرة وأنا نازل تسميع ..
أمسك بفأسه وبدأ يعزق فى الارض ..
وكل ده وانا اتحرك خلفه ملاصقا له مستمرا فى التسميع حتى اذا انتهيت أمرنى بالعودة للقرية ..
إخلاص وتفان فى أداء الرسالة ..
الملمح الثالث ..
وكنت فى الثامنة من عمرى حين قرر الاهل والجيران إجراء الطهارة لى ولكل أقرانى ..
فى اليوم التالى لعملية الطهارة اذ بى أجد سيدنا فى. البيت بيسلم عليا وبينقطنى بشلن كامل ..
رحم الله الشيخ محمد الفراش وجزاه خيرا عن معروفه معى ومع أجيال سبقت وأجيال جاءت بعدى ..
وله يرجع الفضل فى معظم ما حفظت من كتاب الله وفى مستوى اللغة العربية التى كان أقرانى يحسدوننى عليها ..
ونبدأ بإذن الله فى الحديث عن المرحلة الاعدادية ..
لتنتهى ذكريات الطفل وتبدأ ذكريات صبى على أعتاب المراهقة ..


Post A Comment: