من كتابي ( مداخل افتراضية لقراءة الرواية النسوية قراءة إيقاعية)..
1-في الرؤية
تقف رواية " سيدات القمر " لجوخة الحارثي الفائزة بالبوكر الأجنبية في منطقة دالة جدا ، فالرواية شديدة المحلية ، وفازت بجائزة عالمية ، وبما أننا نبحث في معنى الإيقاع في السرد أو في الرواية ، من خلال نماذج روائية متنوعة ، فيمكننا القول أن الرواية ليست سوى تنويع إيقاعي ، والإيقاع ليس مجرد أداة من أدوات الكاتب ، فالوصف والتشبيه والاستعارة ، والأشكال والألوان وووو ، كلها توحي بهندسة ما في الواقع ومثاله ، فلو قرأنا بداية رواية كهذه في سطرها الأول المكون من 12 كلمة
( ميا التي استغرقت في ماكينة خياطتها السوداء ماركة الفراشة ، استغرقت في العشق ) إن تشبيه استغراق " ميا " في ماكينة خياطتها السوداء ، ماركة الفراشة ، باستغراقها في العشق ، دلالة على تحوّل المعنوي إلى مادي ، والعكس صحيح ، أو يتحول الإحساس الذاتي " لميا " إلى صورة واقعية محسوسة ومترادفة ، متوالية ، في إشارة إلى تحول العشق المعنوي إلى حسي ، وهذا الذي ذكرناه ، يجيء مفصلا تفصيلا إيقاعيا في السطور التي تلت السطر الأول ، تقول الكاتبة " عشق صامت لكنه يهز بدنها النحيف كل ليلة في موجات من البكاء والتنهد ، وتزداد حركة الإيقاع سخونة حين تقول الكاتبة " شعرت مرارًا بأنها ستموت تحت وطأة الرغبة في رؤيته ، حلفت في سجودها في صلاة الفجر : " والله العظيم يا رب .. لا أريد شيئا ... فقط ان أراه ... والله العظيم يا رب لا أريده أن يلتفت لي .. فقط أن أراه ... " هكذا تقود الكاتبة إيقاع روايتها من البداية ، وعليه انبت الرواية كلها ، وهذا الشكل من الكتابة يدل على أن الكاتبة قادرة على الاستحواذ على موضوع روايتها ، والبيئة التي تجذرت في واقعها ، مستندة إلى شعرية السرد مشهديا ، وجماليا ، وحسيا ، وهو ما نجده في مقطع كهذا المقطع كوحدة دلالية على الرواية كلها ، بحيث نجد السرد مغزولا من خلال موضوع ومنسجما في علاقته مع ذاته ن وفي سياق المقام الذي وظف فيه .. تقول الكاتبة " قبيل الفجر كانت ميا جالسة في فراشها ، في حجرها الرضيعة التي توقفت أخيرًا عن الصياح ونامت ، أسندت رأسها المتعب إلى الجدار ، وأحست بأن الصبغ الأزرق الزيتي غامق ومشعّ فيؤذي عينيها ، أغمضتهما فرأت جناح الولادة بمستشفى السعادة ، الملح والزيت الموضوع على سرّة الرضيعة ، زوجة عم عبد الله في وادي عدي ، النساء الزائرات كل صباح وعصر ومساء ، مرق الدجاج الطازج ، بصاق ظريفة وهي تنفث في وجه الرضيعة وتتمتم بالأدعية ، خاتمها الفضي الضخم ، الأقمطة البيضاء ، لسان الرضيعة الصغير الأحمر وأظافرها التي مُنعت من قصها كيلا تصبح لصّة في المستقبل ، فتحت ميا عينيها وتأملت ابنتها ، جسمها ضئيل جدا وصراخها حاد ، مررت يدها على شعرها الخفيف الأسود ولم تتمالك نفيها من التعجب " أهذه هي الأمومة ؟! "
من هذه التركيبة تنسج الكاتبة روايتها ، تاركة للقارئ قدرته على الاكتشاف ، من خلال واقع موغر في البحث عن التراث ، وبلغة حاملة لأبعاد حياة أبطالها ، تطرح من خلالهم موقف الكاتبة من القديم والجديد ، من عالم الشرق ، وعالم الغرب ، وتحفر في طبقات النفوس وتطلعاتها ، وما تعانيه المرأة العربية من انكسارات ، على صعيد الوعي الثقافي بخاصة .
وهكذا تشتبك الأحداث ، ويبدأ التوتر الإيقاعي في الوضوح ، ومن خلاله تستعيد الراوية عبر سرد مباشر وبروح شعرية شخوصها الذين باتوا مادة كتابتها الروائية والموصولة هي بحيواتهم الملموسة .
2-في التقنية
جوخة الحارثي شأنها شأن غالبية كتاب الرواية ، وإن كانت لها خصوصيتها السردية في بناء روايتها ، ولهذا تلعب اللغة دورا هاما من خلال ما تتميز به من شعرية مكثفة ، تساهم في منح السرد رشاقته، كما أن استخدام الكاتبة لتيار الوعي قيمة مضافة لإيقاع الرواية ، وهو ما ساعد على كسر وحدة الزمان والمكان في الرواية، وسمح بحرية الانتقال بين الوقائع والأزمنة والأماكن المختلفة ، فضلا عن استخدامها للأمثال الشعبية النابعة من البيئة ، بإيقاعاتها ، وتلاوينها عن كونها مجرد حِكم مألوفة يتجمل بها خطاب الرواية و ما تحمله من إشارات إيقاعية في نفس القارئ تمثل ركنا مهما في بناء الرواية ، ويمكن تصنيف هذه الإشارات على النحو التالي :
أ- إيقاعات مباشرة :
ونعني بها تلك التي تظهر في صوت النص العام ، وتحولات السرد فيه من التشبيه بشيء أو تذكر مشهد ، أو الانتقال بين الأزمنة والأمكنة ، بحيث يشعر القارئ أنه ينتقل من الذاكرة الصورية إلى المخيلة ، ومن المخيلة إلى الواقع ، ولنقرأ المقطع التالي " رأس – عزان – في حجر القمر ـ عيناه معلقتان بالنجوم اللامعة في سماء الصحراء الصافية ، كانت تمرر أناملها على أهدابه وحاجبيه وتزيل حبات الرمل العالقة لتدسها في فمها ، اعتاد حركتها هذه ولم يعد يندهش منها ، كان مستغرقا في نشوة حديثها ، مأخوذا بحماستها التي لا تفتر ، بولعها ببيتها وإبلها و مشغولاتها وأخيها ، حين سكتت فجأة حك خده في ظاهر يدها : تكلمي ، أحب صوتك " استلقت بجانبه على الرمل ، عقدا أياديهما خلف رأسيهما معلقين بصريهما بمجموعة الدب الأصغر التي تظهر بوضوح في هذا الوقت من العام "
وكما نرى فهذا المقطع الروائي مؤلف من عدة عناصر وهي :
- رأس عزان في حجر القمر !
- عيناه معلقتان بالنجوم اللامعة في سماء الصحراء الصافية
- كانت تمرر أناملها على أهدابه وحاجبيه وتزيل حبات الرمل العالقة لتدسها في فمها
- عقدا أياديهما خلف رأسيهما معلقين بصريهما بمجموعة الدب الأصغر التي تظهر بوضوح في هذا الوقت من العام "
لينظر القارئ إذن في هذا التشكيل الصوري بإيقاعاته ، وكما نرى الكتابة هنا كتابة تصويرية ، و للصور وتتابعها إيقاع ما ، إيقاع تصاعدي في تواليه وتتابعه ، بداية من الخيال أو المجاز كمفجر للقطة الخاصة " رأس عزان في حجر القمر ، القمر بمرجعيته الأسطورية التي تجعل منه رمزا للأنوثة ، إلى الصور المجسدة والواقعية " الأنامل التي تمر على الأهداب والحواجب وتزيل حبات الرمل ، لتعود من جديد إلى حالة التحرر بين رجل وامرأة همهما الأول هو تحرير روحهما من أسر الواقع " عقدا أياديهما خلف رأسيهما معلقين بصريهما بمجموعة الدب الأصغر التي تظهر بوضوح في هذا الوقت من العام " وهو ما يشير إليه محمد برادة الخميس ٧ يونيو/حزيران ٢٠١٢/ جريدة الحياة ( يـعاضـد هذا الشكل وطـريقة السرد، لـغـة ٌ رقـراقة، رشيقة، متعـددة السجلات، جامعة بين الفصحى ولغة الكلام، تـمتـح من الأمثال العـاميّة وروائع الشعر العاطفي الذي يستـعين به عـزّان لـيـعـبر عن حبه اللاعـج والمستحيل لنـجية الملقبة بالقمـر، والتي اختارتـه ذات ليلة ليكون عشيقها، وهي تعلم أنه متـزوج وأب لثلاث بنات. وهذا التنوع في معجم اللغة ومواردها يخدم تـعدد مستويات المتحدثـين في الرواية، ويجسد التـواشج بين لغة «البـدو» الموروثة واللغة الأنثوية المتطلعة إلى عواطف جديدة.)
ب- إيقاعات غير مباشرة
1- لا شك أن حضور المرأة في هذه الرواية من خلال شخصيات البنات الثلاث – ميا وأسماء وخولة - وأمهن سالمة، ومن ثم شخصية لندن ابنة ميا عن الدور المحوري الذي تلعبه تلك الشخصيات في أحداث الرواية وعالمها الحكائي ، وأيضا في التحولات الايقاعية في حياتهن وسلوكياتهن ، إلا أن شخصية مثل " ظريفة " وهي كما تقول الكاتبة " العبدة الوحيدة التي تشارك السيدات في الأكل من الصينية نفسها ، أعطت لنفسها هذا الامتياز ولم يناقشها فيه أحد" هذه الشخصية أظن أنها – نموذج إيقاعي خاص جدا ، يلعب الإيقاع الدور الأهم في تركيبة شخصيتها ، فإيقاع لقطة معينة توحي للقارئ ، بأن أفعالها دالة جدا على أنها عبده بالفعل ، وإلى القارئ أن يتفحص إيقاع النهم الذي يسيطر على ظريفة وهي أمام صينية الحلوى ( أخذت تقذف بلقم الحلوى الكبيرة في فمها وتلعق الزيت المتبقي في أصابعها بتلذذ ، فهمهمت زوجة المؤذن : " شوية شوية على نفسك يا ظريفة ، لا تنسي السكري وجسمك ما شاء الله .. ما نحيفة يعني .." قهقهت ظريفة : السكرّي ؟! .. وأيش يخيفني في السكري ؟ .. الموت واحد يا الحبّة .. ما لازم نعذب نفوسنا .. وجسمي ما شاء الله صحيح .. عمى في عين الحاسد .. أنا ما أتّسمع كلام الدخاتر .. سكري وما سكري .. " هذا هو الإيقاع الإنساني الخاص بظريفة ، ، وبقدر ما نشعر بحالة تناغم بين أفعال الشخصية ووجودها الطبيعي كعبده / بقدر ما ندرك التناغم بين حركة الجسد وإيقاع الروح ، ومن المعلوم أن الإيقاع يستلزم السماع ، والسماع كما عند المتصوفة هو سماع الوجود في كل أشكاله ومستوياته وأحداثه بمعايير النسبة الحية للوجدان والعقل ، من هنا يصبح الإيقاع لا أبداع عظيم من دونه ، إن السماع – الإيقاع – في حقيقته ليس خارجيا فحسب وإنما تجده في قدرته على احتواء التجارب الإنسانية ، وكأنه نغم المعاناة – وخاصة مع شخصية كشخصية ظريفة وتحولات حياتها المتباينة " فظريفة هي " المرأة الوحيدة التي اقتربت من التاجر سليمان الذي اشتراها وهي ابنة السادسة عشر ، وهو الرجل الوحيد الذي أحبته وهابته حتى موتها ، فقد وجدت فيه المخّلص ، والحبيب الذي عرفها على ملاذ الجسد " وماتت بالنهاية ظريفة بالسكري ، استفحل في جسدها وبتروا ساقها ، قال أقرباؤها : لن نعول امرأة كسيحة ، بتروا ساقها الأخرى ، قال الجيران : من سيأخذها للحمّام ؟ من سيجر هذا الجسد الضخم بلا قدمين ؟ مدير المستشفى تركها نزيلة دائمة تخدمها الممرضات !
هكذا تنهض الكتابة عن شخصية ظريفة مأخوذة بالمسكوت عنه ، والشخصية منفتحة على مئات الأسئلة ، بصخبها وانحراف مزاجها وعنفها وحنانها ، شخصية مليئة بالتصدعات ، لكن إيقاعها رغم كل شيء كان أكبر من التدجين والترويض والاحتواء !
2-هذه الكتابة التي تنفتح على النزق والشهوة وترسم صورا ملتبسة لبشر لهم رغبة عاتية في استكشاف مصائرهم التي حجبتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتوارثة ، وعبر إيقاع حياة خاص ، فحياة شخصية تُدعى " منين " حياة إيقاعية ، وإيقاعها لا يخلو من دلالة ، فمنين هذا كان يقتعد حصاة ضخمة أمام بيت منزله الطيني ، لا يمر مخلوق من أمامه إلا وينادي :" منين مسكين ، أعطوه لقمة عيش ، أعطوه شطفة حلواه " ورغم أن ابنه كبر ودخل الجيش ويترقى بسرعة ، وباتت له سيارة ، وأعاد بناء البيت الطيني المتداعي وحل محله بيت أسمنتي بثلاث غرف وصالة ، امتلأ بشوالات الأرز والسكر وعلب الحلوى ، إلا أن " منين " وقد كف بصره وأبيّض شعره ، لم يغادر حصاته ولا ثيابه الرثة ولا نداءه القديم ، وحتى عندما أحضر له نجله خادمة هندية تهتم بملابسه وحمامه ، لكن بطنها ارتفع ، فاضطر ولده أن يعيدها إلى بلدها ، وظل " منين " على هيئته القديمة وطلاقة وجهه المترب وحصاته ، ونداءاته ، التي وجد لها منفذا في الذهاب إلى الزار ، والذي عاد منه متأخرا ذات ليلة وهو يصرخ أمام بيته " منين مسكين أعطوه لقمة عيش أعطوه حبة سجريت أعطوه حُرمه ولو حفيظة النجسة " وقيل أنه قتل بعدها فيها بطلقة مسدس في رأسه ، وقيل أن بعض الناس قالوا عنه أنه شهيد مقتول وصلوا عليه وقال بعضهم أنه فاسق ، وبعد دفنه قيل أن الشرطة لا يعرفون من قتله ، وأقفل ملف القضية كلها ، أما ولده زايد فلم يره أحد في القرية منذ وقوع الحادثة .
3-وبعد ، فهذه الحياة الغرائبية التي تمضي بحياة شخص إلى أقصاها ، ويصبح إيقاع حياتهم الغرائبي وكأنه ديدن يسير به نحو الأقاصي والنهايات ، وهذه الإيقاعات الغرائبية تتوالد غريزيا ولا يدركها التوقف فتصبح حركات النص ومشاهده ورموزه وصوره كما لو كانت محكومة من داخلها ، أو مقهورة بقانون إيقاعي تمنح الكتابة امتداداتها ومداها ونكهة وجودها ، ، فالإيقاع يعمد إلى تجسيد المجرد ، وبهذه الطريقة يقربه من البصيرة أو يولجه في فسحتها المضاءة ، كما أنه يجرد المجسد فيكرمه ويرفعه إلى أفق أسمى من مستواه الحسي القريب ، وعلى أية حال يتمكن الإيقاع في السرد بعاتين العمليتين المتعاكستين ، من أن يصير فاعلية حرة لأنها تتصرف بالنصوص / بالعالم كيفما يشاء ، وهو ما أشار إلى شيء قريب من هذا الباحث الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف في مقالته " الأدب والمسغبة الروحية – مجلة نزوى – العدد السادس عشر أكتوبر 1998 " فيما يحلل محمد سيف الإسلام بـوفلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة في الجمهورية الجزائرية، هذه الرواية في كتابه بعنوان: :« سيميائية الخطاب السّردي العُماني رواية(سيّدات القمر) للأديبة جُوخة الحَارِثي نموذجاً». فالقراءة السيميائية تبين الأنظمة العلامية التي يُبنى عليها النص الإبداعي، وتسعى كذلك إلى إعادة صياغة دواله، ومدلولاته، عن طريق تركيز الاهتمام على مستويات الدلالة، وطرائق تولد المعاني ، وهو ما يسهم في كسر أحادية الرؤية التي يمكن أن يقدمها الراوي الوحيد لأحداث ووقائع هذه الرواية الإيقاعية ، التي تتوزع أحداثها بين أماكن متفرقة في عمان والقاهرة وألمانيا وكندا، وإن كان المكان العماني بتحولاته وتبدلاته التي تطرأ عليه يظل هو المهيمن على عالم الرواية .




Post A Comment: