~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
قصْف موسيقى مروّعة يخْرج من الشّوارع بلا دين ! ولا قانون ! ولا ربّ رقيب حسيب !
جلْجلة طّائرات حربيّة ترْتع !
إنّها حموة الحرب تعْلو ! بلْ هي السّماء تنقضّ !
الانفجارات ! و أحشاء الأرض الخارجة إلى السّطح !
و انتفاضة كلّ خلْجة من جسد أمّ القصر بغضب موْجوع ينفثئ لحْظة واحدة !
...قبل أن تُواتيني القدرة على التّصوير كان رصاص كثيف ضخْم الزخّاتْ ينهلُّ فيُغرق منْ يُغرق في خطْفة عين ، و من هنا و هناك ترفّ الجُروح ، و تشتعل الأخيلة ، و لا تنطفئ ، و يهوي من يهوي دون نجدة أوْ ترانيم ، و أكْتم دمعي ، و تسْقط أمامي النّجوم مسوخا رماديّة جافّة الأديم ، و أشمّ أحشاء المدينة قريبة من وجهي تحترق ، و أشم دخان قلبي ، و أسدّ أنفي عنه ، و يَنوشني حسّ مُبيد بالرّهبة ، وأحْبسه ، وأهرول مع منْ يُهرول في رحاب الصّرخة و الرّعب و انفساح الدّماء ، فينْبُتُ البازلت تحت قدميّ داكنا و هشّا ، و أترجْرجُ في الفراغ المُدويّ ، و أدوس يدًا عجْفاء مقْلوبة مبتورة من الرّسغ أو وجها مثّلّثا لا لحم فيه يسيل بميوعة صامتة أو جمجمة مهشّمة بطلقة نفّاذة لا أراها أو هياكل رُضّع أشبه بعظام سمك أوْ عنْقود ثمْرة حديديّة ، و أسمعُ أنينا ما بلصْقي ، يتذبذب ، كأنّه صوْت قطّة تموء ، يخفت ، و يتقطّع ، ثمّ يسكت ، وتلْفَحُني فحّة انسحاب الرّوح في نفس مشْفوط عميق من جثمان امرأة حُبْلى أغمضت عينيها وسط قطع بشريّة قائمة لوحدها دون قيد أو مأوى ، و لا أطيق النّظر و يغْلبني حسّ مُسْتبين بالدّوار ، و يأخذ بخناقي قيء ثقيل ، ويصعد في حلْقي ولا يجيء ، و أحسّ الزّمن بطيئا في جسمي كلّه ، و لا أكاد أتنفّس ، و أجاهد رغْبتي في الغثيان ، و يطالعني أحد الجرْحى في لحْمه ثقوب يُشوّر ويفتح فاه دون أن أسمع له صوتا أو بكاء ملْتهبا ، و إذْ يخْفقُ ضوء المدافع و يسْتطير ، مرّة أخرى ، تنْهمرُ النّيران و السّوائل وتنوء الأرض بموتاها فترفعهم عن ظهرها المنهك وتطير الجثث من جديد ، و تزْحرُ العرباتُ زحيرا موجعا مع صوْت القنابل، و يشبّ كلب في الدّخان صافقا قدميه الأماميّتين مُختلجا منقلبا على خاصرته اليُمنى ويلفظ شخرته الأخيرة ، ويضرب بوط عسكريّ أمريكيّ كمخباط وجه طفلة ، وتجْهش الرّقبة بقوّة ، تشْخر ثمّ تهضب بالدّماء دفعة واحدة ، فوّارة ، متقلّبة الضّوء . أصارع زناد تكْبير الصّورة بأصابع راجفة عارفة
، و فجأة، شعرت أنّني شبح صحفيّ لا ضرورة له ، إزاء تلك المأساة. و يلتهمني المشهد عند كوّة الموت المحدّق مثل عنكبوت أسود قديم ، دون رحمة...


Post A Comment: