(حوش واسع غير مسقوف، مسوّر بأربعة جدران، الجدران مبنية بأحجار داكنة اللون، ارتفاعها قدر قامة رجل، يقع هذا الحوش غير بعيد عن العمران الذي راح يزحف علي صحراء "الدويقة" بالمقطم، أكوام من التراب لا هي كبيرة ولا هي صغيرة، متراصة أسفل جدران الحوش، فيما عدا الجدار الذي يتوسطه باب الحوش، الأحجارمختلفة الحجم والشكل تنتصب فوق الأكوام المتراصة كما لو كانت شواهد قبور، النجوم و الهلال وبعض أضواء خافتة تنبعث من العمران القريب تشتت الظلام
الحاج عمران رجل ضخم قوي، بالغ الطول، وجهه القمحي الوسيم يتوسط عمامة ولحية بيضاوين، عمره تخطى الستين بكثير، لكن ذلك لا يبدو عليه)
يفتح الحاج عمران باب الحوش، المصنوع من صفائح الحديد ، محدثاً صريراًعالياً ، صوته الجهوري يشق صدر السكون:
السلام عليكم إن كنتم مؤمنين!!
صمت تتخلله أصوات نباح وعواء. راح يدور بناظريه مع الأحجار المنتصبة في دورة شبه كاملة، ثم أخذ يصيح مغضبا:
مالكم؟ تأتون إليّ كل ليلة تقضون مضجعي، ماذا تريدون؟
صمت مطبق.
أشاح بيده متأففا، ثم راح يقول وهو يضغط علي مقاطع الكلمات:
دع أحداً غيرك يتكلم يا أبا النور.
التفت بسرعة نحو اليسار قليلاً وهو يقول متهكما:  حتي أنت يا نرجس!!!
لوي رأسه وقال في هدوء: لتعلم يا ناصر، لم يعد أبوك الآن يبكي، في كل مكان يذهب إليه تتسابق إليه عشرات الأيدي ليستند عليها، وأمك الآن ترعاها فتيات مثل الورود، متطوعات في جمعية خيرية، اسمها .. اسمها .. ها .. نسيت، المهم جميعهم شباب في مثل عمرك (يشير بيديه بعلامة النفي) ولكنهم ليسوا مثلك بالطبع.
نظر نحو الشاهد الصغير، ثم قال:
أما أنت أيها الصغير فاعلم أني لم أسلبك حياتك بل منحتك إياها، الألم الذي عانيته أهون كثيراً من مصير قد ينتهي بك إلى جهنم، لعلك الآن تسرح في رياض الجنة، مثل عصفور أخضر.
راح ينظر إلى شواهد كثيرة يخاطبها كما لو كانوا أشخاصاً يعرفهم جيدا، ثم راح ينادي على كل واحد منهم باسمه، أو باسم مهنته:
اسمع يا معلم سعد ،وانت يا سلطان يا فرّان، وانت يا عبده السمسار، وانت يا محامي الشياطين ليعلم الجميع، أنتم الآن في رحاب الحق، وأناهنا لم أزل، دعوني وشأني، دعوني وربي.
صمت للحظات، ثم التفت نحواليسار،وأخذ يتكلم بحدة:
لا يا أستاذ حسن، لست الخضرولم أزعم أني مثله، لكني دعيت فلبيت، وأسعدني بعدُ ما رأيت، لوندمت في يوم من الأيام علي شيء مما فعلته،  فلن أندم على قطع رأسك أيها السافل، همممم ... حزين أنت لمصير ذلك الصغير؟!  اعلم أني سوف ألحق بك بذورك الشيطانية التي بذرتها كلها يا خبيث، أعرفهم واحداً واحداً، أراهم كل يوم، يمرحون في الشوارع التي كنت تذرعها ذهاباً وإياباً ،يمشون مشيتك نفسها، يدفعون جذوعهم للأمام دون علة، مثلك يتتبعون أرداف النساء.
راح يدور حول نفسه في توتر شديد، ثم وقف في وسط الحوش تماماً، خلع عمامته وفرشها على الأرض، ثم جلس عليها كما يجلس جلسة التشهد في الصلاة، ثم راح يقول في ثقةٍ:
ها.. هيا حاكموني الآن إن أردتم.
بدأ بأول شاهد ناحية اليمين (حجر ضخم فوق الكوم الأول) قال هازئاً:
ها .. تكلم يا أبا النور، تكلم يا صاحب الفضيلة!!
"صمت"
- نعم يا أبا ظلام، نعم حسابك وحسابهم على الله، ولكن الله اسمه الصبور، وأنا لا صبر لي، ثم إني دعيت ولم أملك إلا أن ألبي ...
(ينظر نحو السماء شاردا ويتابع ) :
حين يتلبس ذلك الغراب الأسود بروحي ويمضي، أحلق معه كل ليلة، ما بين باب النصر وباب زويلة، ومن باب الفتوح إلى مجرى العيون، أحط معه لنقطف أحدى رؤسكم العفنة هذه، يقبض عليها الغراب بين رجليه، نيمّم وجهنا نحو المقطم، نحط هنا، حيث أنتم، فأقوم من فوري ساعة السحر، أحد شفرة سكيني، إلى المكان المحدد، أمنحكم ألماً سريع الإنتهاء، حتى هذا الحوش لم أختره، لكني رأيته فيما رأيت، أيها الحمقى صدقوني ما أنا إلا قدر من أقدار الله.
لحظات صمت.
- ليست أضغاث أحلام ، إنها رؤى، كنت أراها مثل فلق الصبح، كنت ألقاكم متلبسين بجرائمكم ، في نفس المكان الذي كنت أراكم فيه تماما.
التفت نحو الشاهد الثاني ( حجر متوسط الحجم ) وصرخ:
لو كان مقدرا لك أن تتوب لما سلطني الله عليك أيها الأرعن، لم أعد أحتمل أن أري أبويك كل ساعة يبكيان، لا أحد يستطيع أن يحتمل ذلك، لا أحد.
رجع للشاهد الأول قائلا: كل هذا بسببك أيها الحقير، كم ضللت وأضللت؟! بعت دينك بدنياك، كم صندوقاً من صناديق النذور وسعته بطنك أيها البدين؟! تفتي للظالم بغير ما تفتي للمظلوم، تفتي للغني بغير ما تفتي للفقير.تاجرت بكل شيء، أكلت على كل الموائد.
طأطأ رأسه قليلاً للحظات، ثم نظر إلى الشاهد الثالث (حجر كبير ومستدير الشكل) وراح يقول وقد طرأت عليه رقة مفاجئة:
أود أن أعترف لك بشيء يا نرجس، في أول مرة جئت إليك فيها، ظننت أني جئت إليك أبتغي جسدك ،وبينما كنت ألمس جسدك البض وأطوق رقبتك بيديّ أبتغي روحك أخلصها ، وقع بصري بين نهديّك، فثار المارد الذي يسكنني، وكنت أظن أني قتلته بالصوم والصلاة منذ سنوات، منذ تخطيت الستين، لم أقطف رأسك يومها، هل تعلمي لماذا؟! لأني حين شعرت مثلك بضعفنا البشري، دفعتك عني بقوة وخرجت، لم أقطع رأسك التي كانت تشرئب نحوي يومها مثل أفعى، التمست لك بعض العذر، كان عليك أن تخافي مني بعدها، وتقبلي ب "الأسطى" عرفه حين جاء يسترك ويعرض عليك الزواج، لم تعجبك طيبته، كنت تراهنين نفسك أنني سآتي إليك مرة أخرى، أعجبتك الفكرة، فكرة أن يقع الشيخ المعمم الوقور ذو اللحية البيضاء في شباكك، كنت على يقين أني سوف أعود إليك مرة أخرى، وقد كان فما رأيك الآن؟
صمت قليلا ثم نظر للشاهد الأول وراح يقول بغضب:
لا تزال تقول أضغاث أحلام، أخبرني إذن (يضع يده في جيب الصديري ويخرج من حافظته قصاصة ورق) من أين لي أن أعرف أنك استلمت ذلك "الشيك" الذى استلمته من لصوص الأوقاف في الليلة المشؤمة التي لقيتك فيها، والعجيب أنك قبلها ذهبت لصلاة العشاء في مسجد السلحدار لتصلي بالناس وتعظهم ليصبروا على الفقر، كنت تقول: أن الفقر والغنى من قدر الله، ولما قاطعك ابن محمد الفكهانى قائلا: " قدر الله أم تقدير من يتناساه " رحت تتوعده مثل كلب مسعور.آه منك أيها المنافق، كم فقيراً فتنته عن دينه بالجوع ؟! كم شاباً دفعته للرزيلة بسبب الفق؟! وأنت الذي أمّنّك الله والناس على دينهم وأموالهم.
وأنت يا ناصر لقد أخرجت المشغولات الذهبية من نفس الموضع الذي رأيتك تضعها فيه يا حقير، ولما سألتك عما تخبئه في جيب "الجاكت" قلت لا شيء فقلت لك: "غويشتين وحلق وخاتمين" فاستغربت، ليلتها كنت و الغراب الأسود نحوم حول شرفة والدتك، حين أفزعتها ودفعتها لتقع على الأرض، ثم سرقت ذهبها وخرجت تؤم شياطين الإنس والجن، فالتقينا في تقاطع شارع النحاسين مع أمير الجيوش وأنا في طريقي لصلاة الفجر في جامع الأقمر.
ثم التفت نحو اليسار إلى الشاهد ذي الحجر المستطيل وصرخ:
وانت يا قبيح، كم عرضاً هتكته؟ّ! وأنت تخرج من بيت لتدخل آخر، وقد وثق بك أصحابه، تدخل لتُعلم أبنائهم الصدق والأمانة، فإذا عيونك الخائنة تصول وتجول، رأيتك في آخر ليلة لك في هذه الدنيا وأنت تحت السرير مثل فأر محشور، تكتم أنفاسك من الرعب، تخاف أن يشعر بك صاحب البيت، ثم رأيتك وأنت خارج من "المبيضة" أسود الوجه، تتلفت خلفك حتى اصطدمت بي، ولما سألتك ما جاء بك إلى هنا؟ زعمت أنك نذرت أن تصلي الفجر كل يوم في مسجد من مساجد الجمالية القديمة.
آه يا نرجس، كم تراقص الشيطان فوق ردفيّك، وأنت تتبخترين في عباءتك السوداء الضيقة،  على الناصية  بين حارتي "التبكشية والمبيضة " عند مطعم سلامة بائع الفول؛ فتقف اللقمة في فم المحرومين، شاعت تسعيرتك علي ألسنة موظفي الثقافة في وكالة "بزارعه" وفي المقاهي المجاورة، لم تعلمي أني أنا الذي أقنعت المرحوم زوجك بأن يطلق الغربة ويكتفي بدخله المعقول من محل البقالة، لكنك ظللت تضيقين عليه الدنيا حتي رحل إلى العراق، رحل ثم عاد في تابوته ليسكن مقابر قايتباي.
.................................
- آه يا عليم اللسان، ماذا تريد ؟
........................................
- نعم للأسف كثير!!
..................................
- لم أقتلهم لأني ....لم ... لم أومر ... أقصد لم أرهم.
...................................
- نعم ... نعم يا فاسق، ألف شيطان وشيطان يتراقصون الآن في الشوارع والطرقات!!
...................................
- نعم رأيت الكثير مثل ناصر وقد هداهم الله.
وماذا عن حسن يا لئيم ؟! هل كنت ترجو له التوبة أيضا؟!
...............................................
- لست بنادم أبداً، على الأقل فقد نقص من اللصوص لصاً كبيراً، ونقصت من الفاسقات واحدة.
نظر إلى الكوم الصغير ذي الحجر الصغير ثم راح يقول في شرود:
يخيّل إليّ يا صغيري، أن هذا الغراب الأسود كان حاضراً معي منذ كنت في مثل عمرك، في كفر طهرمس، حين كان جدي لأمي يصطحبني معه إلي زرعته، ويردد على مسامعي نصيحته الأثيرة "خف البصل تغلظ رؤوسه" ظلت هذه الوصية تلح على ذاكرتي، منذ تركت براح جدي في كفرطهرمس، وجئت إلى مدينتكم الحجرية هذه، أعيش عند أبي مع أخوتي من زوجته الثانية، في شقة سعتها لا تزيد عن سعة حجرة في بيت جدي.
............................................
هل تعلم يا ناصر، أنا لم أر أمي مطلقا، لا أعرف شكلها حتى، ليس لها صورة فوتوغرافية، هل تدري يا ناصر، أني في هذا السن أبكي شوقا إلى أمي، أتمنى لو ذقت طعم حضنها، كيف هو حبها؟ شفقتها؟ لم أعرف شيئا من ذلك إلا حين سمعت من أمك البائسة، أمك التي أغرقتك في نهر حنانها لكنك قهرتها وأبكيتها، أبوك أيضا كان يبكي، هل تعرف يا ناصر معنى أن يبكي الرجل؟ هل تسمع عن قهر الرجال؟ إنه أشد من ضرب السيوف.
قهرني أبي ولم يعلمني في الأزهر كما أوصاه جدي، أورثني مهنته الرهيبة، ألحد الموتى، معظم موتى الجمالية وضعتهم في قبورهم بيديّ، أغلق عليهم أبوابها، وحين أفتحها من جديد لألحق بهم أحد ذراريهم، كنت أراهم وقد تفتت أكفانهم عن وجوههم، أري سودها وبيضها، تنفتح أمامي كل الأسرار، تنكشف لي كل المصائر، أحيانا يخرج من ظهر الطالح صالح، ولكن في الغالب كانت الفروع تتبع أصولها، أنا لم أفعل شيئاً سوى أني كنت استأصل الأصول الفاسدة حتى لا تطعم فروعها من الحرام، أو أستأصل الفروع الفاسدة لتبقى الأصول على نقائها.
..................................
- أنا لا أجادل بالباطل أيها المنافق، حتما أراد الله أن يريح الخلق منكم، أنا فقط أداة تغطي قدرته، ما أنا إلا قدر من أقدار الله، ضربتكم في الوقت الذي كنتم تظنون فيه أن أحداً لا يعلم عن جرائمكم شيئا.
............................
- هههههم ..." إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين " صدق الله العظيم، ألم أقل أنك عليم اللسان؟!  أي حب ذلك الذي يمكنه أن يصلح ويغير من قلوبكم المريضة يا منافق؟
......................................
- نعم يا نرجس شعرت به، نظراتك الساهمة اخترقتني، رغبتك في التغير من أجلي أعجبتني، لكن لم يك ممكنا أن أستجيب، كنت أيامها لوحاً من خشب، كنت أفضل لك "الأسطى" عرفة، فلما رفضته وعدتي لما كنت عليه، علمت أنه لا توبة لك، وجئت إليك، لم يك ممكنا أن أستجيب، لم أستطع أن أضحي بسمعتي لأتزوجك، لكني لا أكتمك سري، شعرت بحبك، نعم شعرت به، يكاد يشعل جسديّ المتخشب، لكني كنت قد اتخذت قراري، وكلما زاد لهيبك يزداد لهيب غضبي، فيما بعد تمنيت لو أني أخذتك بعيداً عن هذه المدينة الحجرية، تمنيت لو أني كنت أخذتك بعيداً، وكنت طريقك إلى الله و...
يقطع كلامه فجأة ثم يقول محتجاً:
- وماذا تظنني يا صنو أبا لهب؟  تظن أن قلبي من خشب؟! كان يجب أن تحبه هو (يشير إلى السماء) تحبه أكثر من أي أحد غيره، كنت أريد لها توبة حقيقية، ليست توبة مشروطة، توبة لا ترتبط بشخص مهما كان، حتى لو كنت أنا.
.............................................
- نعم يا أبا ظلام غفر الله لبغيّ من بغايا بني اسرائيل لأنها سقت كلباً، آه يا عليم اللسان، مثلهم تحرف الكلم عن مواضعه !!
...........................................
- الرسول؟! الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو يحث الناس على الرحمة حتى ولو بالحيوان، أما أنت وأمثالك تريد أن تبرر بذلك للبغاء.
..................................................
- أيها الخبيث لا أريد أن أسمع صوتك.
............................................
- قلت لك لا أريد أن أسمع صوتك، لا عذر لك.
..................................................
يجز على أسنانه من الغضب وهو يحني رقبته ويقول:
- قل اذن،قل يا قبح، آسف، قل يا حسن!
................................................
- كل ما يحزنك أني قدمت الزاني على الزانية!!
تطلب مني أن أحاسب من ألجأك، ومن أغراك، ومن كان السبب، هل تظنني ملك الملوك يا ... يسكت فجأة، يخفض رأسه خجلاً، يقف، يعطي ظهره لهم، يهم بالخروج ، يلتفت إليهم مرة أخرى، مدافعاً عن نفسه:
- أنا لا أهرب، أنا لا أشك لحظة أنكم وجدتم ما تستحقون، لو كان فيكم خيراً لما سلطني الله عليكم، اطلبوا العفو من الله ولا تتعبوا أنفسكم معي فى جدال لا فائدة ترتجى منه.
- يا نرجس أنا لم أفعل بك ما فعلت، إلا بعدما عدت لما كنت عليه، لم تقدري على أن تصبري شهراً واحداً بعد رمضان، لماذا عجز هذا الحب الذي يزعم هذا المنافق أنه كان يمكنه أن يطهرك؟! أن يسمو بك فوق فوران هذا الجسد، لماذا أشبعته من الحرام؟ أنا لن أنسى أبداً ما فعلته معي حين جئت إليك، وقد بدا لك أنك انتصرت عليّ، تتعلقين برقبتي، تقولين بغنج أنك تنتظرينني منذ شهرين، لم تعلمي أني رأيت عبده "السمسار" وهو يخرج من عندك، كنت على وشك أن أصدق توبتك، لكن كما قالوا : ذيل الكلب ...
أما أنت أيها الفاسق، ما هي حجتك؟ لكي تترك الحلال وتتمرغ في وحل الحرام، لماذا وقد أحل الله لك الزواج مثنى وثلاث ورباع؟! كم امرأةً خببتها على زوجها الغائب بكلامك المعسول ؟! فلما طلقها تخليت عنها وقد نلت منها غرضك الخبيث، وكم مطلقة مددت لها حبال الأمل حتى سلمت لك نفسها؟! فإذا بك تُوثقها بحبال الخوف لتستسلم لك دائما، وكم أرملةَ وعدتها أن تكون لها العوض فإذا أنت سراب يقتلها ظمأً؟! لم تندم حتى، ولم تتزوج، أعجبتك الحياة هكذا، لم يكتشف أمرك أحد، تتخفى خلف مهنة التعليم المقدسة، وسمتك المخادع وتظاهرك بالمسكنة، حتى رأيت أشباهك يتعلقون بأيدي أمهاتهم.
...........................................
- آه يا ناصر أنا أعرف أباك وأمك جيداً لم يستحقا أبداً ما فعلته بهما، والله إن ابن الحرام لا يفعل ما فعلت، أظنك الآن أرحت واسترحت، لعل الله يغفر لك، ويكتب لهما الثواب الجزيل كونهما صبرا على فقدك كما صبرا على عقوقك.
ثم يشير نحو شاهد الطفل ( حجر صغير) ويقول:
لكم تمنيت لك مصير هذا الولد الذي لم يجر عليه القلم، هو الآن يسرح في رياض الجنة ( ينظر نحو الشاهد الأول متهكماً ) أليس كذلك يا أبا ظلام؟
........................................................
- أف لكم لقد سئمت جدالكم، لقد سئمت الحياة نفسها، كم مرة قطعت فيها من رؤوسكم، لكنها لا تنتهي ..(يقول كمن يؤمن على قول شخص قاطعه ) :
- نعم يا ... صدقت إنها سنة الله التي لا تتبدل!!
أنا أقول لكم القول الفصل، سوف أريحكم وأريح نفسي، ما رأيكم لو حفرت ها هنا قبري بيديّ، هنا (أشار إلى بقعة في وسط الحوش) وأقف فوقه أبتهل إلى الله، أن يفصل بيننا، إما أن يقبض روحي الآن، أو أعود من جديد أقطع الرؤس، حتى أنظف هذه المدينة من أمثالكم.
(يتجه نحو الباب الحديدي، يلتقط من خلف الباب فأسا كبيراً، كان يستخدمه في حفر القبور، يعود للمكان الذي كان يجلس فيه وراح يجد في الحفر وهو يردد: "رب افتح بيني وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين "ينتهي من الحفر،يلقى الفأس بعيدا، يقف على حافة القبر، ينظر إليه طويلاً، ثم رفع رأسه وكفيه إلى السماء)
أخذ يتضرع: يارب إن عبادك هؤلاء فعلوا ما أنت به أعلم، وقد أقروا بذنوبهم ورغم ذلك يرجون عفوك ورحمتك، وأنا مثلهم أطلب عفوك ورحمتك، أنا أولى بذلك منهم، وأنت أرحم الراحمين، أنا لم أتأله ولم أتجاوز قدري، أنا عبد من عبادك، أطلعتني على أسرارهم، وحين رأيت ما رأيت، حسبت أن ذلك الغراب علامةً منك تعلمني بها كيف أواري سوءاتهم، فأردت أن أكون عذابك لهم في الدنيا، وانتقامك لمن تعذبوا بسببهم، يا رب لقد أمهلتهم حتى غرّهم حلمك، وخشيت أن يفتن بسببهم عبادك.
" يصمت قليلا ثم ينخرط في بكاء مرير، ثم تابع تضرعه بصوت متقطع:
- حاشاك أن تكون قد فتنتني كما يزعم هذا المفتون  (يشير إلى قبر أبو النور) أو أنك كنت تختبر رغبتي الكامنة في باطن عقلي كما يدعي ذلك الفاجر (يشير نحو قبر حسن ) منذ صغري أيام كنت أقتلع بعض رؤوس البصل من أحواضها.
في كل مرة كان يستفزني فيها أحدهم، كنت أضرع إليك:
يا رب أنا لا أريد أن أكون خضراً جديداً، فقط أريد أن تطلق سيف موسى، سيف العدالة .. يا ربي .. قد مللت من قطع الرؤوس، إنها لا تنتهي، كما انها لا تعجزك، غير أني لا أطيق أن أراها فوق أصحابها، تعيث في الأرض فساداً.
يرفع يديه إلى السماء مجدداً ويقول:
اللهم إن كان ما فعلته يرضيك فأبقني لهم، وإن كان ما فعلته لا يرضيك فأقبضني إليك الآن تائباً غير مفتون.
ينزل عمران في القبر، يتمدد فيه، يرفع ذراعه لأعلى، يشير بسبابته إلى السماء، بينما الغراب الأسود يحلق فى سماء الحوش، يبدد بنعيقه جلال السكون.
( تمت )



Share To: