قرر الطبيب دخولى الى المستشفى لإجراء جراحة لاستئصال الزائدة الدودية ( المصران الاعور) ..
حجزت فى المستشفى موعدا للعملية وطلبوا حضورى ليلة اجرائها ليتم تجهيزى لها ..
ما كدبتش خبر وتوجهت لمستشفى دار الشفاء بالعباسية ليلة العملية ..
عارف من خبرات سابقة انهم هيعملولى حقنة شرجية لتفريغ الامعاء ..
اتأخروا فسألت التمريض قالوا انهم هيعملوها الصبح بدرى قبل العملية ..
صديق الطفولة والشباب نصر الازبكاوى اللى دايما ملازمنى فى كل مصايبى كان معايا ..
ايه يا نصر انا جعان ..
قال مينفعش عشان العملية ..
يا عم خليها على الله ناكل براحتنا وكده كده فيه حقنة شرجية الصبح ..
بلاش يا عبد ..
اسمع يا ابنى الكلام واطلع ع البيت هات لنا حاجة ناكلها ..
المهم راح ورجع بشوية حاجات كلها تنفخ البطن مش فاكر منها غير البيض المسلوق ..
أكلت لما قلت بس ..
نمت .. والصبح بدرى لقيتهم بينادوا عليا ياللا ..
قمت معاهم عشان اعمل الحقنة الشرجية لقيتهم واخدينى على غرفة العمليات ..
ايه يا اخوانا فين الحقنة الشرجية ؟
قالوا مفيش وقت الدكتور جه بدرى وواقف مستنيك ف العمليات ..
يمين شمال وقعت الفاس ف الراس ودخلت واللى حصل حصل ..
لما فقت م البنج حاسس بانتفاخ ..
والغازات عمالة رايحة جاية تضرب فى الجرح ..
كلمت الدكاترة والممرضات قالوا منقدرش نعمل حاجة ..
عدى اول يوم ومفيش تصريف ولا حتى ريح واحد يطلع ..
وانا عمال أتألم ..
تانى يوم نفس الحكاية ..
ابتديت اسمع الهمس ..
صاحبك لو ما طلعش ريح من بطنه خلال ٣ ايام اكيد يجيله تسمم ويروح فيها ..
ده غير انى ممنوع من الاكل انتظارا لطلوع ريح ..
اطلع يا ريح .. مش طالع
منتصف اليوم الثالث بقى فيه طوارئ فى المستشفى بسببى ..
طب يا اخوانا مفيش حل ؟
قالوا الحل تاخد لبوس جلسرين ..
طب ما تجيبوه وانا آخده ..
قالوا مفيش فى المستشفى والا كنت أخدته امبارح ..
ابعتوا هاتوه من اى اجزخانة ..
طلعوا الاصحاب والقرايب يلفوا على الصيدليات مفيش لبوس جلسرين ..
الصنف ناقص فى السوق والصيادلة بيبيعوه لو هو جزء من روشتة لكن لوحده بينكروا وجوده ..
مع قرب غروب اليوم الثالث وفقدان الامل فى العثور على لبوس جلسرين وانا كل شوية ياخدونى للحمام بلا جدوى بدأت أشوف علامات الحزن على الوجوه وخصوصا طقم التمريض ..
شاب فى بداية الثلاثينات من العمر ويوشك على الموت بسبب نقص دواء..
الواقعة كانت تقريبا فى نفس هذه الايام من عام ١٩٨٤ يعنى من ٣٦ سنة بالكمال والتمام ..
نصر صاحبى اخدنى قبل المغرب للحمام ووقف ع الباب كالعادة ..
سمعنى من خارج الحمام وانا باتكلم بصوت مسموع :
ينفع كده يا رب ؟
ينفع اموت موتة زى دى ؟
بقى الناس تموت فى حرب واللا فى حادثة وانا اموت فى جيص ؟
دا احنا بنبقى مزنوقين فيه فى وسط الناس وخايفين يطلع ويحرجنا ..
دلوقتى أموت عشان مش عايز يطلع ..؟
يعنى يا رب ما لقيتش ليا موتة أكرم من كده ؟
طب الناس تقول عليا وهما بيدفنونى ؟
يقولوا أهه اللى مات ف جيص ؟
طبعا هيقولوا أكيد عمل بلاوى عشان كده ربنا موته الموتة دى ؟
طب هو انا عملت حاجة يا رب عشان تعمل فيا كده ؟
طب حتى لو عملت حاجة وحشة ينفع تعمل كده ف عبدك الضعيف وتفرج عليه عبيدك ؟
طب شوف لى موتة أكرم من كده حتى عشان خاطر اهلى ما يتقهروش للدرجة دى ..
نصر صاحبى واقف بره الحمام وسامع كل الكلام ..
ومش عارف يبكى على صاحب عمره اللى على وشك الموت ..
واللا يضحك ع الكلام اللى بقوله ..
خرجت وروحت غرفتى وقعدت على كرسى فوتيه جنب السرير منتظرا مصيرى المحتوم .
وكلما رفعت رأسى أرى كل من حولى مطأطئا رأسه حتى لا أرى أمارات الحزن فى الوجوه ولا الدموع فى المآقى ..
ومع الغروب جاء احد اصدقائى من زملاء البنك لزيارتى فشاهد هذا المشهد ..
ازيك يا زيزو ..
فيه ايه يا جماعة ؟
واخيرا أخبره احدهم بما جرى ..
استدار صديقى تادرس وعاد أدراجه دون ان ينبس ببنت شفة وغادرنا ..
تادرس لبيب كان يصغرنى بسنوات قليلة ..
وكان شابا دمث الخلق خدوما لدرجة يحسد عليها ..
يخدم الناس بحب وتفان وكأنه يتعبد فى محراب ..
بعد نصف ساعة وبعد ان تملك اليأس الجميع بمن فيهم طاقم المستشفى اذا بصديقى تادرس يدخل علينا وبيده علبة لبوس جلسرين !!!
علبة كاملة !!!
شهق الجميع وكأن الروح قد دبت فى أوصالهم فجأة ..
وجاءت رئيسة التمريض مسرعة لتطلب منى استعمال اكثر من لبوس مرة واحدة لأن الوقت يمر ..
ما كدبتش خبر واخدت ٣ حبات لبوس مرة واحدة ..
ربع ساعة وانطلق الصفير ..
وانطلقت معه موجة من الزغاريد فى طرقات المستشفى ..
المستشفى بأكمله يعج بأصوات الزغاريد ..
لا لمولود جديد جاء بعد طول انتظار ..
وإنما لريح قد انطلق وبعثت معه روح تم انقاذها من الهلاك ..
ومع الدموع التى رأيتها فى عيون من حولى ذرفت منى دمعتان وأنا أتذكر قول ربى سبحانه ؛
( وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا )
وصدق ربى حين قال :
( وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
وسبحان من أحيا بعد ان أيقن الجميع بالموت ..


Post A Comment: