علي، الفتى الوحيد من عائلة تتكون من أربعة ٲبناء، ثلاثة فتيات وهو رابعهم، انه الابن الصغير. الأب، السيد ٲحمد، فلاح، ٲمي، لم يسبق له أن التحق بالكتاب او المدرسة. يملك أرض مساحتها لا تتعدى هكتارين، يقوم بحرثها كل موسم فلاحي إلى جانب تربية عدد محدود من المواشي والٲبقار. يعمل بكل قواه لتوفير قوته وعائلته، علمته الحياة الكد والجد لحفظ كرامته والعيش من عرق جبينه. ظل يعاني من عجزه على القراءة والكتابة طوال حياته، بخلاف زوجته خديجة التي سبق وأن التحقت بالكتاب سنين معدودة مكنتها من تعلم القراءة والكتابة عن طريق حفظ القرآن الكريم، كما انها تجيد العمليات الحسابية منذ أن كانت تساعد والدها في الدكان وهي مازالت صغيرة لم تكن القرية تتوفر على مدرسة. من حين لآخر كان علي، الفتى الصغير، يساعد أبويه في بعض الأشغال المنزلية والفلاحية خاصة في العطل الدراسية أو أواخر أيام الأسبوع لكنه لم يفكر ابدا اتباع خطوات والده لكسب رزقه والعمل في الفلاحة. كان تلميذا نجيبا يقوم بعمله الدراسي دون ملل كما كان يحزنه رؤية أبيه وهو يقضي جل ٲوقات يومه في العمل لاسيما في فصل الربيع حينما تكثر الأشغال الشاقة بين المراعي وتربية الماشية والأبقار لتصل به في بعض الأحيان إلى منتصف الليل. اجتاز علي امتحان البكالوريا بعلامة ممتاز جدا مكنته من الولوج إلى كلية الطب ويتخرج بعد الدراسة بالشهادة التي تسمح له بمزاولة مهنته بالمستشفى أو إحدى المصحات الاستشفائية التي فتحت أبوابها مؤخرا بالبلد. حصل على المرتبة الأولى في صفوف المتخرجين، غمرت الفرحة جميع أفراد العائلة بما فيها ساكنة القرية لكونه أول طبيب ينحدر من قريتهم المنعزلة، كان مفخرة للجميع الى درجة أنهم ظنوا خيرا في نجاحه وانه سيقيم عيادته بالقرية للحد من التهميش الذي يعرفونه منذ سنين بعيدة، أن لم نقل منذ قرون. ماذا سيفعل علي بعد تخرجه؟ الكل يترقب قرار علي وعلى رأسهم والديه الذين كبروا وبدأت الشيخوخة تستحوذ على قوتهم وجسدهم بما فيه مظهرهم، فالأم أصبحت غير قادرة على مسايرة الأشغال المنزلية ومساعدة زوجها في الضيعة كما ٲن الٲب بدوره قد لفع الشيب رٲسه. إلا أن لا حيلة له، مازال يشقى من الصباح إلى المساء على الرغم من عجزه على القيام بكل متطلبات الفلاحة والماشية. كان يعلم أن العياء يقف في وجهه وان جسمه غير قادر على مسايرة عمله كما كان الشأن في الصغر. قد حان الوقت أن يتحمل علي المشعل ويأخذهم معه إلى المدينة للعيش في راحة لما بقي لهم من العمر، لم يجرا الأب على مفاتحة ابنه عن مستقبله ومستقبلهم جميعا. كما جرت العادة، بادرت الأم بالجلوس مع علي لمعرفة ما في جعبته. لكن الذي حصل فاجٲ الوالدين. علي يريد السفر إلى الخارج ، بالضبط إلى فرنسا للمزيد من البحث والتخصص في الطب. هكذا تعرف الأب على نوايا ابنه. لم يبلغ علي أبويه بالخبر، احباط نفسي للوالدين، احساس بالإهمال من طرف ابنهم، لا سيما وأن العائلات تركز على الابن الذكر وليس الفتيات في الاعتناء بهم عند الشيخوخة. لم يعد علي يفكر في مستقبله داخل الوطن بل وجه كل اهتماماته الى متابعة دراسته بفرنسا. " يتوفر على كل شيء هنا" هكذا كان يردد السيد أحمد في حوار مع زوجته . لكن لا أحد يستطيع أن يغير من قرار علي.
بعد مد وجزر بين الأم المساندة للابن في سفره إلى فرنسا والٲب الرافض له، استسلم الأب في الٲخير ليبيع قطعة من الأرض لسد حاجيات ابنه من لوازم الإجراءات الإدارية وتكاليف السفر إلى أن يستقر بالمهجر. تابع دراسته بنجاح وتخصص في أمراض القلب والشرايين، أصبح من كبار الأطباء ذو مكانة مهمة بباريس. استمر على هذا النهج لسنوات عدة كما أصبح أب لثلاثة أبناء. لا يجد متسعا من الوقت لمهاتفة والديه والسؤال عن صحتهم ومعيشتهم، هذا ما ردده في مكالماته النادرة لأخته. قضت الشيخوخة على والده وهرم، توفي دون ٲن يرى ابنه وٲحفاده. ضاع كل شيء، لم يعد ٲحد يعمل في الضيعة، حتى خديجة ٲصبحت غير قادرة على التحرك، انتقلت للعيش مع ابنتها البكر، ٲصبحت تقضي جل يومها طريحة الفراش. دائمة السؤال عن ابنها وأبنائه. " يا ريت أرى أحفادي قبل أن أموت" هكذا كانت تحدث نفسها مرارا في اليوم الواحد. في يوم من الأيام اتصلت الأخت الأكبر بٲخيها الدكتور علي بفرنسا. تفاجأ لسماع صوتها بعد غياب طويل. أخبرته بحال أمه في محاولة لاستشارته لما يمكن عمله من أجلها والإرث الذي تركه والدهم، لكن الصدمة كانت كبيرة حينما طلب الطبيب من اخته وضع أمه في دار العجزة وأنه غير قادر على مغادرة عمله ولو لاجازة صغيرة لا سيما وأنه منهك بعد العطلة التي قضاها بأمريكا في الشهر الماضي بصحبة عائلته. لما سمعت أخته هذا الكلام اعتذرت عن إتمام المكالمة بدعوى حضور ضيوف جاءوا لرؤية أمها المريضة.
لما أغلقت الهاتف انهمرت بالبكاء قائلة " لم يطلب مني أن يتحدث لأمه، ياله من قلب قاسي" أردفت قائلة " قضى اجازة بأمريكا ولم يأتي لرؤية أمه التي لا تكاد تتحرك من مكانها" بكت كالطفل الصغيرة التي فقدت أعز شيء عندها لأنها أدركت أن علي ٲخوها لم تعد له علاقة لا بأمه ولا بعائلته ولا حتى بوطنه. دمدمت في سرية تامة وهي تحدث نفسها " لقد مات أخي كما مات ٲبي، لكن على الأقل ٲن ٲبي رأيته ودفنته بيدي لكن ٲخي مات دون أن أراه"
بعد ذلك ذهبت لتجلس بالقرب من أمها فخاطبتها بلطف وحنان قائلة " لقد اتصل بي ٲخي، انه يسلم عليك وهو حزين لعدم قدرته على الحضور" تابعت قائلة " يطلب منك الدعاء له ولأبنائه".
كانت البنت البكر تتحدث وهي تعلم أنها تكذب على نفسها وعلى ٲمها لأن قول الحقيقة في بعض الأحيان أشد من" ضربة القرطاس" كما يقال في المثل الدارجي.


Post A Comment: