بدت الأشياء راحلة قبل رحيلها . مكث لائذا.. ذلك الصوت الفيروزي: ( بكتب إسمك يا حبيبي ع الحور العتيق..تكتب إسمي يا حبيبي ع رمل الطريق. بكرة بتشتي الدني ع العصف المجرّحة.. يبقى إسمك يا حبيبي .. و اسمي بينمحا ).
عنيت عناية فائقة بأن تطويه، بكل حرص،وتخفيه تحت جدران الصمت . و تُشغل.. من فوقه، مشكاة ، يستقر داخلَها مشطٌ ، مهداة من قريبهما. و نصف مرآة في ممازحة ، مع قريبه.. أرخى الزوج أصابعه فتحطّم نصفها.
أبقتها الزوجة ، قناعة منها ، أنها كافية ، لكونه : لا يوجد الوجه الذي يطل إلى جانب وجهها. حبّذت هي : أن يتعفّر النصف ، لكي لا يبدو واضحا، ملامح تجهمها و اكتئابها.
تتناول المشط، و نصف المرآة ، وتطل بحذر شديد ، لكي تحصل على أقلِّ ما يمكن من الإضاءة. و تظل تنسل بشعرها، محدّقة بشرودٍ،لشجرة السدر، المطلّة على الحياة، بوجه نصف ميّت، بعد أن كانت وارفة الظلال، مضيافة. عزفت : أن تثمر من سنين.شح عطاؤها ، منذ أن كان زوجها و قريبهما يطوحان بجذعها، فيجنيان ثمارها ، وهي تأكل بانشراح.
يروق لها: أن تسرح مع المشط ، المتسلل برتابة .. بكل جهات جدائلها المحررة. لكأنه يطرد متاهات و أحلام الليل .
كأن الرأس قد فاض، و نضح مع ما تراقص من ذكريات و توقعات . ليس لجدائلها .. راحة أو تحرر: إلاّ لهذا المشط، الذي بات أنيسا، و مواسيا ، و متفسحا، جنبا إلى جنب مع تلك الأنامل المتعبة ، و تلك الحرائر ، و التي آل بعض شعرها .. أن يميل إلى السقوط.، من تعب قد اشتكى منه الفكر. فأين يسقط؟
في كنفها.يتكوّر على نفسه ، أو يستلقي بطوله، أو يلوذ بأسنان المشط.
هي ترقب ذلك . فالمحصّلة: قبضة ..هي هينة، لو كانت وحدها. طوتها الأنامل ، دائبة أن تجمعه و تدسه في كيس، بدا الكيس متضايقا بما تجمع فيه، طيلة سني العزلة.
تُوسّع من انحسار الستارة، كأنّها حيّية ، وتسفر عن فناء رمادي، أوحت ملامحُه : عن حياة خابية، منذ أعوام. سوى السدرة اليتيمة ، التي.. كان المفترض: أن تضفي على وجهها مسحةً مواسية. توشحت بنهار رصاصي متبلد. ونبا جزءٌ منها متسامقا .. متعرّيا، مشرئبّا ، بإتجاه فناء الشارع، كأنه مواضبٌ على الانتظار ، ليلا ونهارا . فيتعثّر خيال الشجرة، كابيا ومنعكسا، على غدقٍ من نقيعٍ مطريٍ طامٍ.
انداح الظلُ من خلف جسد ثاوٍ، قد انحسر و تضاءل بشكل ملفت للانتباه. بدا أمام حدقتيها:حال تلك الشجرة ، تفقد أوراقها باستمرار . وقد لاح ذلك الجزء الناضب ، موحيا بانكساف ، معمّقا لونَه الداكن: هميٌ مطريُ متواصل.
كانت أنيستُها حمامة دائحةً ، تبث لواعجَها. قابعةً بوحدانية. تستدير برأسها القلق.و تظل تجتر صوتَها، عبر عنقها المطوّق، و الذي ينبر بتردداتٍ متواصلة، أو متقطعة، فتفهم الثاوية: أنها فعلا تبحث عن أنيس، فترهف السمع، إلى الصوت ذو النبرة البحّاء، وتفهم: أنها الكلماتُ نفسها. نداء البحث عن الصنو.فتردد معها ذلك النداء ( يا قوقتي.. وين أختي .. بالحله.. وشتاكل .. كوك الله) ، صوتٌ حزينٌ يناغمها ، لم يحظ في أحد الأيام ، بلهجة بهيجة.
مرّات .. بل مرّاتٌ عديدة..وعلى مرّ الأعوام لايمكثن طويلا.. حتى مجيء القرين فترفّ بجناحيها ، كأنها تصفق فرحا. ولا يمكث .. سوى ذلك الفراغ الجاثم، الذي يذكرها دائما : إن شيئا قد اٌفتقد. وإنه ليس سوى لكم لجراحها.
يتواصل همي المطر رتيبا كأن مشطاً ساواه، و تركه متشابها في هطوله.كأنه يَنْسلُ هموما رماديةً. لا توجع الأرض فحسب ، بل تزيدها غدقاً و صليلاً.
كأن أوراق السدرة المتبقية، قد التصقت محتمية بالأخريات
كأن المفردات تحن إلى الازدواج.كأن السماء.. ميّالةٌ .. أن تجعل للأشباه صنوا تتكئ عليه. فالاتكاء ضروري.. في أيام هطولة كهذه..الموحلة الباردة.

يتيع




Share To: