لا أحب التطرف في الدين، كما لا أحب التطرف في العلمانية ،كلاهما وجهان لعملة واحدة وهي التعصب ،وهي عملة بلا قيمة حقيقية ،وتفتقر لمبدء المساواة والعدل  .كنت في مطلع الشباب متدينا لحد التعصب ،وكنت لا اصاحب إلا المتدينين، علي الأقل، من وجهة نظري، الضيقة آنذاك  ،إذ أن للمتدينين شكلا ،وبناء عليه ،ودونما ربما أن أعرف مضمونا ايضا ،يدعم  ذلك الشكل ويؤكده ،علي الأقل، وكما أري ،حتي صدمت ،من أول تناقض بدا لي ،بين الشكل والمضمون ،أو بالأحرى، بين ما كنت أعتقد شكلا ،وما حلمت ،أو ربما تخيلت كمضمون !،ثم تبع ذلك ثورة نقدية ،أشعلها العقل المأزوم ،بحثا عن الحقيقة المبغاة ،واليقين الذي لا شك فيه، عن جنة عدن الأرضية، ،المدينة الفاضلة ،  علي الاقل، من وجهة نظري . وكانت النتيجة هي الخروج من تلك العباءة الضيقة ،إلي ما هو أرحب، وأكثر براح ،إلي ملابس تعبر عن روح العصر ،وعقله ،إلي سلسلة فضية علي الصدر ،وعلبة مارلبورو ،وهكذا تبدت لي ،وتوجت تلك المرحلة العصيبة والحساسة من عمري في نقلة نوعية ،في الملابس ،وفي الفكر ،وفي الحلم ،كما في الرؤية، فمن كتابات بن تيمية وبن القيم إلي كتابات طه حسين وسلامة موسي ،ومن قراءة الشيوخ المعاصرين الأجلاء ،من أمثال محمد الغزالي ،إلي قراءة نصر حامد أبو زيد !.ثم حدثت الطفرة ،وهي بروز مواهب من نوع أصيل ،وبراق،كالتصوير والكتابة   ،طفت مع تلك الوثبة الروحية. وكأني كنت أقف في اقصي اليمين ،ثم تحولت للوقوف  أقصي اليسار ،مع تغيير كبير في الشكل والمضمون ،علي الاقل، من وجهة نظري. فكان مما اعيب علي هذا العالم الذي يعج بالمتدينين ،هو تلك النظرة الأحادية للعالم ،ورفضهم ما عدا ذلك ،وكأنهم، هم العالم والتاريخ نفسه ،ولا يوجد أحد غيرهم !.وهكذا تنامي وترعرع عقل الرفض داخلي تجاهم ،حتي رفضتهم كلية ،ومضمنونا .ثم بدأت المرحلة الأكثر نعقيداوتركيبا  في حياتي ،علي الاقل من وجهة نظري ،حيث تجسدت أحلام فترتين ،بلا وازع ،كنت يمينيا ثم أصبحت يساريا ،بالمعني الجهوي، المكاني،  وهنا تكمن الخطورة ،حيث لا مكان في المنتصف. 
عندما كنت متدينا ،كنت أرفض غيري ،من غير المتدينين، وعندما صرت بلا تدين ،رفضت غيري ممن  يناصب أفكاري العداء .في الحالتين ،كان هناك رفض ،ولهذا أعتقد أني فشلت ،علي الأقل، من وجهة نظري .
فشلت لأني لم أستطع أن أكون في المنتصف، بين الرفض والقبول ،أن اكون هنا وهناك في آن واحد. .
تكمن المشكة في عدم تقبل كلانا للآخر، وعدم اعتراف كلانا بأحقية الآخر في الحياة .وعندما تحين اللحظة التي يدرك كلانا أهمية الآخر له ،سنصعد حتما  سلم الإرتقاء. 



Share To: