عفواً يا أنا 

لم أكن أدري أن اليوم عيد ميلادك ، آهٍ لو كنتُ أعلم لنسقتُ لك نصًا يليق بأوجاعك ورقصاتك ، بِسعادتك وتعاستك،  بأفراحك وأتراحك ، بِوحدتك وإختلاطك ، كنتُ سأهديكَ القصائد والخواطر ، النصوص والقصص،  سأكتبُ عن الدَمعةِ  التي سقطت مِن عينيكَ ذات غفلة ، وسأداعب نجوم اللُغة وأصنعُ مِن الوخزةَ  رواية ، ومن التنهيدة ديوانا شعريا يليق بك يا جميل !


أيا أنا .!

أنا أعلم أنني تأخرتُ بِكتابةِ الحروفِ نحوك  ، لكن عليك أن تعلم بأن متاعب الحياة كثيرة ، إنني مريتُ بِساعاتٍ قبيحة كرجلِ دينٍ لحيته مصبوغة بِالدمِ الأحمر، ذلك الذي ظن يوماً بأن الثورة جهاد والجهاد ثورة، أظن بأنكَ تعرفه جيداً، ما زلتَ تحفظ ملامحه أكثر مني يا أنا، وبعد أن آمن به الكثير، وعرفوا مغزاه بات أغلبهم يلعنه كما لَعن الرب إبليس الرجيم ، عليكَ أن تدرك جيداً بأن رجل الدين الزائف ذلك من يستخدم المنبر لأغراضٍ سياسيةٍ يصبح كائنا قبيحا في نظر هذا المُجتمع .

المُجتمع الحُر الذي يؤمن بالعقل والمنطق، لا تتغلب عليه التراهات والموروثاتِ الهزيلةِ يا أنا ، نعم تأخرتُ كثيراً لأنني تركتُ قريتي وشديت الرحالِ نحو المدينةِ المكلومة ، تلك من شوارعها مليئة بالدموع والجُثثِ الراحلةِ إلى المقابر، المقابر التي حفرها رجل الدين بثمةِ نبراتٍ مُشمئزةٍ قبل ست قُبلات من اللحظة ، زُرتُ المدينة فشعرتُ أنني أتجول في مَقبرة لا في قطعة من جسد من هذا الوطن اللا جميل .

عرضتني للفحص والبحث ثم قطعتُ ورقة من الشؤون ترتيباً للمغادرة نحو أرض مليئة بالأمنِ والآمانِ والعِناق، مكثتُ ثلاث أيام غزيرة بالصقيع والبرودة المُجرمة كَجُرمِ سلاليٍ هَدم المنزل الذي أسكن فيه وتسكن فيه ويسكن فيه الجميع، حَولَ الأرض إلى حجيم والبُترول إلى دمٍ والماء لوثه بِسوادِ البارود وملوحة دموع الأنبياء مَن فقدوا الأنبياء دون عودة ، تسلل إلي اليأس وغادرتني الفرحة فَبُتُ خالٍ من المشاعر وملئتُ بالنسيان. 

النسيان الذي اِغتصب ذاكرتي، من أستوطن في دماغي، من فَرمتني كما تُفرمِتُ الفايروسات الأجهزة الحديثة فتقضي على جميعِ المعلوماتِ دفعة واحدة ثم تركتني خالٍ من أي معلومة يا أنا ، إن سبب النسيان ما رأيته في تلك البُقعة الذابلة كَغُطن شجرة تلقى عدة قذائف بالحصوات والحجارة، لم أكن أتخيلُ يوماً بأن تلك المدينة ستصبح غزيرة بالعزاءات وشوارعها كثيفة بِلافتاتِ المفقودين نحو الآخرة.

إنني أتبعثر كلما لمحتُ قُطرة دم بريئة سالت من جسد إنسان بريء ، وهُناك لمحتُ سيول جارفة من الدماء، تلك التي تسللت إلى جوفِ الأرض فأختلطت بحقولِ البترول، البترول الذي يقتلُ الإنسان بدون رحمة، آهٍ وآهٍ لو كان الأمر في يديَ يا أنا لكنتُ لململتُ جبالاُ من الحطب كَذلك الحطب الذي أشعله نمرود فقذف بِمنجنيقهِ النبي إبراهيم
ثم بحثتُ عن كُلِ قطعةِ سِلاح ، عن أي أداةٍ يستخدمها المجرمون لِقتل العصافير والإنسان وأتلفتهم دفعة واحدة كي يظل هذا العالم أبيضاً كالسحاب.

كي يعيش الإنسان حياة نقية كسورةٍ قُرانية وعذبةٍ كماءِ زَمزم يا أنا ، إنني أتبعثر ، أتجزا ، أتفتت إلى حُفناتٍ من رماد كلما رأيتُ هذا الوطن يموت أمامي، أحاول جاهداً أن ألملمني من شتاتي كي أكون حمامة سلام وأنقذُ البلد من هذا العبث لكنني ضعيف جداً، ضعيف كَقشٍ هشٍ ليس منه فائدة، ماذا أفعلُ يا أنا إزاء هذا العبث الذي يتمخطر حولي ، من يتجول خلفي وأمامي وعن يميني وعن شمالي، آهٍ لو كنتُ نبياً لكنتُ طلبتُ من الإله معجزة تنتشل كل اللهب من موطني.

موطني الذي أكرمني بالتيهِ والضياع فجعلني جُثة بدون شهقة وزفرة، موطني الذي أختفت من شوارعه أصوات الموسيقى فحلت بدلاً منها أصوات نشازية تؤدي إلى الإكتئاب ، الإكتئاب الذي يطعن الجسد والروح فيجعلك شاردِ الذهن مليء بالضياع والوحدة، من يحرمك شراهتك للأكل وينتزع منك الفرحة ، ذلك من يجبرك أن تعيش حياة حزينة كهذا الوطن.

الوطن الذي هطلتُ إليه ذات غلطة ، الغلطة التي تُسمى بِعيدِ ميلادك يا أنا، إن تلك الغلطة لا أعترف بها، لا أعتبرها عيد ميلاد، فعيد ميلادي عندما يعود الوطن مُبتسماً،  راقصاً وزاهيا ، سعيداً ومُنتشيا ، عيد ميلادي عندما تختفي الحرب من بلدي  ويحل السلام ضيفاً في منازل بلدي ،  عندما تصدح المآذن بتكبيرات النَصر وتصدح الموسيقى من كل زُقاق وحارة ، عفواً يا أنا لم أهديك نصاً كتهنئة بعيد ميلادك ، لأني كلما قبضتُ قلمي ينفجر صاروخاً في القُربِ مني فترتعش أصابعي ويسيلُ المداد نتيجة الهزات ، هأنذا قد أهديتكَ مقالة فيها مائة إبرة وألف طعنة وطعنة . 

سنة حلوة مليئة بالضوء يا أنا. 





Share To: