"القمع البرئ" عندما يقرأ البعض منكم هذه المصطلح سوف يتساءل ماهو القمع البرئ؟ وهل للقمع براءة؟ وماهي الصلة المشتركه بين البراءة والقمع؟ إذا أردت أن تنهك أمة وتجعلها تؤامن بتخلفها كإيمانها بمعتقداتها، عليك أن تجعل القمع ينشأ وكأنه وسيلة من وسائل التربية والتعليم، سواء التربية الأسرية أو التعليم المدرسي أو الجامعي، وبراءة القمع تتمركز في مجتمعنا في التربية والتعامل، بل هي الوسيلة والطريقة الوحيدة التي يتم التعامل بها لتربية الأطفال.

القمع الذي ولد كوارث بشرية هائلة مثل النفور عن التعليم، والهروب من الواقع عن طريق البحث عن مصدر رزق يعمل على سد رمق جوعه، والرضوخ للحكام وسيأتي أسباب وتعاليل هذا، وكذلك الانحياز إلى الفرق الأقوى والاغنى، وكذلك السكوت عن الحقوق والصمت عن الحريات، والتعامل مع الحياة وكأنها حياة دنية لا تستحق أن يفنى الإنسان روحه من أجل الحصول على حقوقه وحرياته. وكل ذلك بسبب القمع الذي انغرس وأصبح ناموس دنيوي في العقل البشري ووقف عائق أمام الشخص الذي يؤامن به كالايمان بالله، وهذا الإيمان ناتج عن سلوكيات المجتمع الجماعية، والفردية الناشئة عن السلوكيات الأسرية الناشئة عن السلوكيات المكتسبة من الراحلين والذين تأثروا بمن كان قبلهم. وهكذا يتم توارث القمع في التربية بطريقة سلسة لا يستطيع تميزها أحد، لأنها قد أصبحت من أخلاقيات المجتمع.

قال أحد المفكرين: إذا أردت أن تجعل إحدى الأمم كما هي فعليك أن تصنع شيئين أولهما: عليك أن تجعل تربية الأطفال مشحونة بالقمع لإرادتهم، وافكارهم، ورغباتهم، واهواهم، وتجعل أولياء الأمور يكبتون أفكار الأطفال بحجة العيب وأن الأطفال لا يحق لهم التحدث عن أمور الكبار، وليس من شؤونهم أن يتحدثون عن السياسة والحرية والكرامة والعدالة والمساواة وأن تجعل الأب يزرع في مخيلة طفله بأن الحياة هي عبارة عن عبادة الله والزواج والانجاب والجلوس على السجادة ورفع كف التضرع الى السماء والانتظار لحسن الخاتمه وحسن الحظ. وثانيهما: أن تجعل الأستاذ يتعامل مع الطالب بحتقار وزدراء وتجعل جل تركيزهم على الطالب الذكي وتجاهل بقية الطلاب، وكذلك ان تجعل الطالب يدرس من أجل أن يحصل على وظيفة وليس من أجل أن يغير من واقع أمته. ثم لخص ذلك بقوله: القمع البرئ هو أرقى وسائل التربية والتعليم في الأمم الراكدة، بحيث أنه لا يتعامل مع الأفكار بل مع الأبدان.

يلخص من ذلك بأن الأطفال في مجتمعنا يتم تربية أجسادهم وليس أرواحهم، لأن أرواحهم بهت نضوجها عندما تم مواجهة أفكارهم بالتعذيب الجسدي أو النفسي. فعلى سبيل المثال: إذا الأب يشاهد برنامج تلفزيوني ولاحظ الطفل شيئاً غريباً وسأل والده يتم مواجهته بالاستهزاء أو الإحتقار، وربما يتم طرده من الغرفه بحجة أنه لم يترك والده يرتاح. في تلك اللحظة، يكتسب الطفل ميزة الصمت والكبت وعدم حب الاستطلاع لكل ماهو غريب وغير معروف، لأن الرغبة في المعرفة تم مواجهتها عن طريق القمع البرئ.

يفر معظم شباب مجتمعنا من كلمة الحرية ومن أماكن الحرية، ويعتقدون بأنهم ليس لهم علاقة بما يجري في مجتمعهم من حرب وصراع بين فئة تحارب من أجل الحرية وفئة أخرى تحارب الحرية وترتضي بالعبودية منهجا وواقعاً، وكل ذلك بسبب القمع البرئ، ففي فترة الطفولة يتم بتر أغصان التفكير حول كل ماهو إنساني وغرس كل ماهو محافظ للنفس البشرية من الأذى والضرر، فتوجيهات الآباء والأمهات لأبنائهم في الصغر تكون عادة بل ودائما حول عدم التحدث حول الأشياء التي ستلحق بهم الضرر، لذلك عندما يكبر الطفل يعتقد بأن الوقوف إلى بجانب صف الحرية سيجلب له الضرر، وأن الحياد والصمت هو الواقع الذي يبحث عنه، وهذا ما يزود استمرارية التخلف في الوطن. فقد لخص هذا أحد الفلاسفة الصينين بقوله: الشاب الذي تمت تربيته في بيئة ترسم له أفكاره وحياته عن طريق أفعل ذلك، وتجنب ذلك، والزم ذلك، ولا تمس تلك، ولا تدخل في شؤون الساسة، لا تمشي مع ذلك الرجل سيفسد عقليتك، شاب يصعد مميز بميزة الصمت والحيادية وتجنب الدخول في وتيرة العمل الجماعي من أجل التغيير. وواقعنا مؤكد لذلك، فنجد الأطفال ينشاؤن في بيئة تربيتها مبنيه على الأوامر المقدسة.

الأوامر المقدسة هي التي جعلت ضعف الشخصية يُسمى حياء وتمت نسبة الحياء الى الإيمان فيقال"الحياء من الإيمان" وهذه عبارة ذو مفهوم خاطئ، إذ أنها تعمل على كسب الطفل معتقد بأن عدم قدرته على التحدث أمام الآخرين حياء، وكذلك عدم استطاعته خوض غمار المناقشات العلمية والأدبية والفنية والفكرية ينسب إلى الحياء، وإذا تحدث يتحدث بخوف شديد لأنه لا يمتلك قوة الشخصية التي تعالج الخطأ الناتج بنفس الوقت وبطريقة أخرى، وكل هذا بسبب الخوف المزروع في روح الطفل من الأسرة والمجتمع وكذلك نظام الحكم. وكل هذا يندرج ضمن القمع البرئ وهو زرع معتقدات وأفكار خاطئة يتم من خلالها إضعاف قوة الشخصية لدى الأطفال.

ما اسم أمك؟ عندما يتم توجيه هذا السؤال لأي طفل فسرعان ما نسمع جوابه: حواء. هذا ليس دفاعاً عن اسم الأم خشية أن يعلمه أحد، من خلال هذا الأسلوب يتم زراعة الكذب وتزييف الحقائق، وكلانا نعلم بأن الطفل تربة خصبة تستطيع أن تزرع فيها ما تشاء، وفي هذه الحالة فقد تمت زراعة الكذب وتلقينه كيفية التزييف للحقائق، أي أنه عندما يعلم ما اسم أمه، ويتفوه بكلمة أخرى، يترسخ في عقله مفهوم التزييف، ويصبح الخداع وسيلة من وسائل حياته. ويتهرب من قول الحقيقة ويرتسم في عقله بأن الصدق سيؤدي إلى الخسران وربما التهلكة، وربما يعتبره نوعا من العيب الذي سيطر على مداخل تفكير المجتمع المحافظ الذي سادت فيه الأفكار كما سادت الزرقة على مياه البحر.

وإذا صعد أحد الأطفال يمتلك موهبة الغناء والرقص يتم مواجهته بحجة أن الفن والفنانين من حطب جهنم، وأن الفن حرام ومن أسباب انحطاط المجتمعات، هذه أحد وسائل القمع البرئ، فنحن نرى العديد من المواهب تافل وتغيب في السنوات الأولى من ظهورهن، بل في الأشهر الأولى، فيغدوا الطفل مكسور الجناح قد ذبلت في نفسه شهوة الفن، واضمحلت الموهبة في نفسه، وماتت الرغبة الدفينة بسبب المواجهة العدوانية له من قبل الأسرة والمجتمع. العديد من الأطفال لا يمارسون حياتهم الفنية كما يريدون، وبالتالي فإنهم يشعرون بثقل وقلق إزاء الحياة، لأن الفن يعمل على إيجاد صفة الإدراك الحسي والتذوقي لدى الأطفال، ويفتح في أعماقهم شهية الإحساس بالآخرين، ولكن في المجتمع الذي يسرف الاطفال ضرباً بسبب سماعهم لأغنية ما، يتم كبح جماح شهوة التذوق الفني والجمالي لدي لأطفال، وغرس ميزة القمع البرئ في دواخلهم بطريقة التربية الفاشلة.

جميعنا سمع قصة مخترع المصباح الكهربائي تيموس اديسون، عندما عاد من المدرسة ولديه رسالة محتواها بأنه غبي ولا يصلح للدراسة، أخذت أمه الرسالة ونظرت واجهشت بالبكاء، ولكنها قالت له: أنت عبقري جداً، وهذه المدرسة لا تستطيع مواكبة عبقريتك، عملت على ترسيخ مفهوم العبقرية في ذهنه بطريقة ممتازه، وعلمته الكتابة والقراءة والتأمل وحب الاستطلاع، فأصبح من مغيرين وجه الكرة الأرضية. تخيل عزيزي القارئ، كيف ستكون ردة فعل الأم، إذا كانت عربية؟ وماهي الوسيلة التي كانت سنتعامل بها مع اديسون؟ في الحقيقة، إذا كانت عربية كانت سوف تصرخ في وجهه وتنهره وتشتمه، وتقول له: أنت لا تنفع للدراسة، أذهب وأبحث عن عمل، هذا إذا كانت تستطيع القراءة. لذلك القمع البرئ في زمن الطفولة يعمل على ترسيخ مبدأ الرضوخ والرضا وعدم المحاولة لإيجاد حلول لوضع الأمه.




Share To: