لا تقلق كل الأمكنة قد صارت متحركة صارت طرقا وكل الأمراض باتت علاجات، وانتهى الضياع، فقم واخرج من ظلمة غرفتك الباردة صيفا وشتاء، فحتى مساحة غرفتك صارت عائق لامتداد طريق جديد حولك..
أعترف أن الرياضايات التي كرهتها طول حياتي ظهرت أسهل فهما مما كتبت لي هاته الجميلة الحمقاء، مذ حكيت لها عن لواعجي ولوعاتي، صحيح أنني قابع في غرفة مذ تقلص بي المكان إلى حد مسافاتي شرب الماء أو الحاجة إلى المرحاض، لكني لا أزال بعيدا عنها، لست أعني الجميلة الحماء، بل تلك التي تمضي على ريتم الغجر تدوس الحدود على الجغرافيا في مطلق الزمن، فتشت مرة في كل الصحف عن عطرها، وعن ملمس القماش الذي تلبسه واسم شركات إنتاج ملابسها الداخلية، كي أتلمس أشياء منها، فلم أفلح في هذا المشروع.
لعنت الصحافة العربية، التي لا تهتم بغير السياسة والحروب غير المفهومة، ما شأني أنا بنيكارغوا، ووالسالفدور والخمير الحمر في كامبوجيا؟ أنا كل ما نشأت عليه هو حبها هي، تلك الغجرية التي ترسم بخطو قديمها الناعمتين على شاطئ البحر أحلى أثر، نوتة للمطروبين المضروبين بنغم الجمال، لا المد والجزر ولا رياح وأعصاير المحيطات قادرة على أن تمحوه مني مهما محته على الطبيعة.
هل يا ترى كتبت هذا لتلك الجميلة الحمقاء عن محبوبتي؟ وهل تراها ضحكت منه وتصورتني أحمقا أخرقا؟ أو كما الحمار الذي يستحم من الفطريات إذ يتمرغ على التراب، بدوت لأها أنا أيضا متمرغا ببصري على رمل شواطئ لم يلوثها فقط المد والجز ولم تعصف بها رياح وأعصاير المحيطات، بل زيوت ونفط الناقلات وقذائف المقاتلات، وأن أثر قدمي حبيبتي على تلك الرمال استحالت إلى خبر كان؟
لا أدري إن كنت قد كتبت هذا ولا أدري ان كانت قد ضحِكت منه، ولكن الثابت أني لم أضحك من كلامها عن تحول كل الأمكنة وكونها تحركت واستحالت إلى طرق وكل الأمراض انقلبت إلى علاجات، فقط شعرت بأن منطق الحساب الذي نسيته مذ رأيت حبيتي قد عاد، وأكره ما كرهت في حياتي سلطان الحساب.
آه كم أذكر تلك المجرية الجميلة الطويلة، ذات الصدر المتفجر والارداف المستديرة التي تسبح بمايوه أسود كل صباح في نافورة وسط العاصمة بودابيست، حين استشرت الحاسوب ثم ارسلت لها قبلة مع تحية صباحية، فرفضت الرد لم أدر في الأول أبسبب القبلة أم التحية!
- هل ثمة من مشكل؟
- هاته التحية لا نستعل صيغتها سوى من الفجر إلى العاشرة فقط، ثم تموت أو تفوت مع الوقت!
ارتحت في الأول لقبول القبلة لكني تساءلت ما هذا التقسيط والتقسيم في المبادلات العاطفية، ألمني أن أظل حبيس حسابات الوقت لأقبل وأحييعن بعد، وحين غبت عنها أياما راسلتني تبحث عن السبب إن كان عسر اللغة، لكن ليس من مسبحها بنافورة وسط المدينة وإنما من على رأس جبل:
- لا عزيزتي فارق الوقت في التحية وهو السبب فقط!
- أحسب ثم أكتب!
فلم أرد، فقالت معلقة:
- عربي!
قلت فلربما كانت محقة، فأنا ذكر أنني منذ أول نظرة لغجريتي الضائعة، كسرت الساعة بعد أن نزعتها من معصمي، شعرتتي إذ ذاك كما لو كنت سجينا أو رهينة حرب وقد فلت من صفوف الاقتياد نحو المجهول والمساومات التفاوضية، أو إلى حقل الرماية لينفذ فيه حكم الأعدام، فصرت أحس كأنني أتمدد في داخلي بكل أطراف الزمن بل أني محوت الزمن من علي نهائيا، وأكره ما صرت أكرهه هو أن يمر صديقي الوافي ليصطحبني معه إلى المدرسة، كل هؤلاء صاروا في نظري عبيدا أو أسرى مغلولين بقيد متصل أسمه الوقت، وهي وحدها تمر متحررة بشفيف لباسها وجرس خلاخيل قديمها المجلجلة وشعاع ابتسامتها التي أنارت الوجود، وما الوجود في حضرتها؟ لا أدري عصفت به مع الوقت.
سألني والدي عن دفتر الاقتراض من حانوت الحارة الذي كنت أحمله لاقتني حاجات البيت التي سيدفع والدي ثمنها بعد استلام راتبه، فلم أعد أذكر أين وضعته ولا على الرقم الأخير الذي دونه صاحب الحانوت.
ورطة أوقعتنا فيها يا أخبل يا أهبل!
قال والدي..
وحينما كنت أكتشف في ساحات الوقت الوهمية بالغياب عن المدرسة، أساق إليها بالقوة، ولا أذكر في الصف ما يكتبون وما يقرأون، بالحساب فكل شيئا كان عندي صورة راقصة بإيقاع الشاطئ الممتد خارج الزمن ورنين لا يفهمه هؤلاء..
فقالوا لأبي ليست هاته المدرسة التي يتوجب أن يبقى فيها..
طلبوا الاسعاف وبكوا كلهم علي وأنا فرح مسرور بالحرية، فلا حساب في المطلقات ولا فواتير ولا مساحات أو مسافات، فحتى الطيرن ليس له من فائدة سوى اعتلاء الرؤس لا غير، كنت أعيش معها الوقت كله وليس بعضه لأني كسرت الساعة التي كانت تقيد معصمي وتقودني داخل الأمكنة.
با ألهي هل كتبت هذا أيضا هذا لهاته الجميلة الحمقاء؟ لا أذكر، وما الضير في أن أكتبه لها؟ ربما كان الضير الوحيد هو أني أكشف لها عن أصولي، فالعربي عندما يتذكر أنه عربي يلبس كل الأسمال والأقفال ويخجل من وجهه فيقدم دبره على قبله في سيره وظهوره، هكذا قال لي مرة أحد الخبراء فيما لم أعد أذكر تحديدا أي تخصص!
صرت أشغف من ذي قبل انتظارا لردها، لأعرف هل حقا كتبت لها ذلك الذي ذكرت؟ وهل ضحكت منه أم بكت؟ وهل صنفتني في خانة الحمقى مثلما صنفني الكثيرون مذ رأيت تلك الغجرية العابرة للعقول قبل الحقول بقديمها حافيتين الساحرتين الموشومتين على الشواطئ القصية دوما وحزنها تعزفه الغيتار الاسبانية على وقع صمتها الدامع؟
تألمت من طول الانتظار فتأكدت أني عدت مكبلا كما الجميع بالوقت، مقيدا بنيران الحساب ومنطق الرياضيات بعد أن تغربت عني الغجرية، فرحت ألومها على أن تركتني فريسة لشراسة الموقوتين من أصحاب كهف الأعداد لا أتكلم كلامهم ولا أشعر شعورهم، بل لا أرى لهم شعورا قط إلى أن جاءني الرد من الجميلة الحمقاء..
- حبي القريب لم أضحك كما تتوقع!
ذهلت لأول كلمة، كيف عرفت أني فعلا تساءلت إن كانت قد ضحكت فعلا مما كتبته لها عن خروجي من دين الحساب، وأني أتشمم أثر قدمي غجريتي على الشواطئ البعيدة التي حاصرت الوقت؟ هل تراني من حيث لا أراها؟ هل هاتفها أذكى من هاتفي العربي؟ فأردفت بعربية رقيقة ورشيقة حازتها من فترة قصيرة، مثل رشاقة صورة ملمحها الخاطف، خلف الاطار الأسود لنظارتها الطبية:
لكن ما أعجبني في كلامك أنك كاتبتني بالعربية الفصحى فسهلت علي الفهم السريع!
فسارعت إلى الضغط على الرابط الذي أرسلته إلي مرفقا بنص كلامها ذلك من الشواطئ الدافئة دوما للبرازيل، ولم تكن صدمتي بالخفيفة وأنا أرى عشق مراهقتي ماثلا أمامي، تلك الغجرية بدموعها البارقة من مقلتيها، قد انتحى عنها كل ذلك البهاء البرونزي، ونزعت عنها تلك العباءة مشرشفة التي تتدلى منها جدائل قطنية بكل التلاوين، وصارت تكتفي بحمل لفافين أزرقين أحدهما على نصفها العلوي والثاني على نصفها السفلي، وآثار حروب بالكريمات والمراهم بادية على المناطق التي غزاها مد التجاعيد العاتي.
فدق على هامش مربع شاشة هاتفي العربي الذكي، الذي أهدونيه بعد عودتي إلى الوقت، لتقول لي:
- أرأيت، هو الوقت يهزم الأشياء الجميلة فينا!
- هل حقا هي؟
- نعم هي! وقد صارت جدة لكنها لا تزال تسبح في أفلاك البحر بالقرب من الشواطئ العربية !
- إلهذا......؟
- نعم لذلك قلت لك أن الامكنة تحركت والأمراض تعالج الأمراض اليوم!
فإذن، كاسندرا التي اختفت مني أو اختفيت أنا منها قد صارت اليوم جدة وهي تتكلم اللبنانية وليس العربية الفصحى؟
- وهل تظن أنها تكلمتها يوما؟


Post A Comment: