هناك طاقات إيجابية وطاقات سلبية تصدر من الإنسان في اختلاف الأزمنة ، وهناك نسبٌ من التفاوت فمن الصعب أن نجد الإنسان الذي لا يفرز إلا الطاقات الإيجابية ..
بالأمس القريب صدر لبصلية كتاب أحزان الكتاب النثري واليوم أفراح الكتاب النثري وبما أن تأثر الأديب مختلف عن الآخرين فهو ملكٌ لقلمه إذا كان صادقا ،أما إذا استطاع أن يسيطر على ما تفرزه الذات ولم يترجمه بلحظته فهو متصنع وبهذا يسقط عنه مسمى الجمال لأن العملية خضعت للتمحيص وربما للتغيير نتيجة المحكمات العقلية التي تتأثر بأسس ومفاهيم بالكاد تكون مقدسة عند الشرقيين .
ونحن نرى أن حاتم عباس من أولئك الذين يميلون لنظرية الفن للفن والتي يتجلى من خلالها الجمال والإبداع .
أظهر فيما كتبه بعنوان الغابة ص 9 رؤية تفاؤلية لحياة جديدة لأنه حلّق بعيدا إلى حيث يوتوبيا خاصة وكان الغرض من ذلك التحليق هو أن لا يرى إلا الجمال ، وهو تحليق عالٍ جاءنا به من خلال الخيال السابح بالفضاء البعيد ، وبذات الوقت نبذ كل ما يعكر صفو الحياة مع الزج برؤى فلسفية حادة تحتاج وقفة طويلة من خلال ( بدأت أرى ما يراه الأنبياء ) وهنا يجب الوقوف بدقة حتى لا يتعقد الأمر على المتلقي البسيط فنظرته هنا انحصرت في عالم الحب فقط ، وقال ( حلمت أن حمامة وقفت على طبلة ) هنا تمعن فستجد أنه يرسم صورا جميلة مستعينا بالطبيعة وما يدور حولها وقد نجح في استخدام مفردات الطبيعة ليجسد لنا ويشكل صورا غاية الأناقة ، وإذا ما وقفت بدقة على كتابه ستجده قصة رائعة بين عاشقين أستطاع فيها أن يجسد العاشق بطريقة فنية رائعة من خلال الخطابات التي كان يوجهها إليها بطرق مختلفة ليعبر عن مكنونات عشقه لامرأة بالكاد تكون من الخيال فهو عاش تفاصليها روحيا وليس شكليا وهنا تكمن براعة الأديب .
قال في حلم ص 22: (كان وجودك ضروريا
لأمشي على جبهة الشمس
وأشرب ضوء القمر)
وهي دعوة للحب على الدوام فلا يصدر من الشمس والقمر إلا الضوء وهي دلالة على طاقة إيجابية .
وقد عرّف الحب حينما قال :(( الحب الذي كان إعلانا لحقوق الإنسان وقانونا فوق القوانين .. الحب روح القوانين وهتاف المخفي في صدور الكائنات .. الحب وسادتي ))
تأكيد على أن الحياة لا تستمر من دون الحب والحب لديه هو القانون المقدس الذي يجب أن تتسلح به جميع المخلوقات .
أظهر لنا من خلال ( حلم ) مفردات دلّت على أن بصيلة لا يمكن أن يعيش بلا حب وإن لم يكن هذا الحب واقعيا ولكنه يتنفسه بروحه وسيبقى ملاصقا له ، ولكن وفق أنظمة وقوانين مثالية والكل يدرك أننا في زمن الفوضى لذا سيبقى هذا الأديب معانيا .
قال في شلال الفرح ص29: ( وحين وجدتك شعرت أنني نبي وأنني من سلالة الضوء ) فلسفة عميقة جدا فيها الكثير من الدلالات صدرت من أنا الشاعر الذي يشعر أنه ملك الحب الأول .
يرى الكاتب أن البساطة هي من تأتي بالجمال والإبداع وظهر ذلك في (الفرح الخفي ) وقد دعا للبساطة من خلال عودة الأشياء التي كانت عليها بالأمس معتقدا أن البساطة أساس الجمال وليس التطور الذي حدث عليها شكليا وأفسدها معنويا .
قال في العطر ص 35 : ( حين شممتُ عطرك بكيت كالطفل
الذي وجد أمه وأدركت حينها
كم كنت محروما من بهاء أنوثتك
وقد كنت مقيدا بسلاسل الوهم الخيالية
هنا ستجد أبعادا روحية عميقة بعيدا عن شكليات الحرمان المادية فالنظرة روحية خالصة، معززا أهمية المرأة من خلال مفردة الأم فقد أطلق الحب على المرأة بعنوانيها المتعددة كالحبية والأم ، لا وبل أطلق الحب على جميع المخلوقات معتبرا أن الحب هو القانون الوحيد الذي يحمي هذه الأرض من الفساد بكافة معانيه .
ختم الكتاب في أنا وأنت ص52 وقال : (
لماذا أذن لا أفرح
أنا حاتم عباس بصيلة
الذي دوخ الدنيا بأحزانه
ودوخته الدنيا بأحزانها
لماذا لا يكون النثر فرحا مضيئا
ولماذا لا أنثر الأغاني للعابرين
الذين يكتمون أشواقهم وهم لا يعرفون التعابير
كأنه لسان حال الناس الذين لا يجيدون التعبير عن أشواقهم وعن الحب ، والنهاية وراء فرحه حزنٌ عميق فلولا الحزن لما طرق أبواب الفرح ...
لم يخلُ الكتاب من المحسنات البديعة والضربات البلاغية الجميلة من خلال التقديم والتأخير وتوظيف المفردات بطريقة فنية رائعة ... طبع الكتاب في دار الفرات للثقافة والإعلام – العراق – بابل – ووقع في 53 صفحة
مبارك وإلى مزيد من التألق.


Post A Comment: