-----
أعترف بأنني أحب أفلاطون ،الذي عاش حتى بلغ واحدا وثمانين عاما ، ثم مات في حفل زفاف كان يشهده . حبا عظيما ، خصوصا بعد قراءتي معظم أعماله المتاحة منذ عقود .  شيئان فقط أكرههما في سيرته كل الكراهية : الأول كونه كان بطلا رياضيا يفوز بالجوائز ، والثاني هو حبه للهندسة .( وهو ما أشارك  فيه تلميذه "ديومنسيوس " الذي لم يكن يحب الهندسة أيضا  )
أحب في أفلاطون أنه كان جنديا شجاعا ، وشاعرا مبدعا ، وخبيرا في سباق الخيل ، والأهم من هذا كله : حبه للكوميديا الساخرة !
عصر أفلاطون ( النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد) كان يشبه عصرنا الحالي في أشياء : ملل الناس من الحروب ، خيبة آمالهم في الثورات ، شكّهم في كثير مما حوول توريطهم فيه من معتقدات ظهر خطلها .
حين بلغ أفلاطون العشرين طارت شهرته بوصفه شاعرا ، وصادف ذلك التقاءه مع شيخه سقراط الذي ظل ملازما له حتى وفاته ، وكان يشهد كل تلك اللقاءات التي كان سقراط يعقدها في أحد الملاعب الرياضية  أو المعابد . ويدوّن معظم ما يسمعه من شيخه سقراط.
من أهم أفكار أفلاطون – وهي باكورة ما سمي فيما بعد بعلم النفس- رؤيته أن حياتنا تنقسم ثلاثة أقسام :
- قسم حسي يشمل الشهوات والعواطف
- وقسم متحفز يشمل الإرادة ( أو الروح )
- وقسم مفكر هو العقل 
ولأن العقل هو ما يميز الإنسان عن الكلاب والقرود و(بعض رؤساء التحرير) فمن الطبيعي أن يكون هو القسم الأسمى . ويليه الروح التي تنفذ ما يمليه العقل وعلى الشهوات والعواطف أن تطيع ما تمليه الروح . 
ومما تفرد به أفلاطون أنه أول من تحدث عن سيكولوجية الضحك ، وأول من وضع حدودا للاقتصاد حين رأى أن أقصى ما يجب أن تملكه أسرة يجب ألا يتجاوز ما تملكه أربع أسر أخرى . كما تفرد برؤيته للجَمال فقد كان يرى أن  " فكرة " الجمال يجب أن نحبها أكثر من الشخص الجميل نفسه !! وهذا ما شاع فيما بعد تحت اسم " الحب الأفلاطوني" .
وأفلاطون هو أول من ابتكر فكرة دور الحضانة ورياض الأطفال وطبقها . 
إنني لا أشك في أنه قد يكون- بنزعته الصوفية المعروفة -  ممن أشار الله تعالى إليهم في قوله سبحانه " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ " ( غافر/78) فقد ظهرت في كتاباته إشارات إلى الخالق الأعظم . 
اللهم ارحم أفلاطون بقدر ما تعلمت منه البشرية ، و" فلطِن" بعضَ مثقفينا !







Share To: