النبض. 1.
كل ماتستدعيه ذاكرتي ٱلْمنهكة التي تُدَخِّن الآن مرافئ التّذكر والاسترجاع صورة "السي محمد"، الرجل الأشيب الشعر الذي يعشق الأعشاب العطرية والنباتات بشتى أنواعها..هو ابن الجبل..عاشق الأرض..لايتوانى للحظة في سقي الشتائل في حديقة الْمؤسسة..ذات صبحية شتائية والقرّ يفتك بجثتي الْخفيفة الْهزيلة التي كانت آنئذٍ لم تتأقلم مع الْمكان الْجديد رغم أنها قد اكتسبت وزنا زائداً بفعل مزاجية الحمل والزواج يصلني صدى تموجات الغناء..صوت جبلي دافئ بلهجة محلية "تشلحيت"..يردد أهازيج تطرب وتنشف الأسماع..يرتحل صدى الصّوت ليصل مسمعي..فيدفعني الْفضول للإنصات والرّحيل مع الصّوت..أطل من باب الْفصل الدّراسي فأراه وقد تسلق جدع شجرة ممسكا بعصا زيتونة برِّية وقد طفِق في التّلويح بها يسرة ويمينا..عابثا بالفراغ..محدثا تموجات صوتية وكأنه يعزف على قيثارة معزوفة من معزوفات موزار الشهيرة..
"السي محمد" يعشق أيضا العزف على آلة الأوتار والآلات الإيقاعية..مايفتأ يقفز هنا..هناك ويدندن ويهمس ويحفظ الأجرومية..ويستمر في الشقلبات من أعلى إلى أسفل الشجرة لايخشى السقوط أرضا رغم أنه في آواخر عقده الخامس ويشارف على الستين..سحنات وجهه تشي بالكثير..
هو البشوش الذي يوزع ابتسامته على الصغير و الكبير..كلما التقيته إلا وقرأت الأخاديد المنحوتة على قسمات وجهه..كهل في جلباب صبي يعشق الركض وركوب موج المغامرات..يرفض الجلوس في مكتبه..يتجول في الساحة ويناغي الطيور ويلاحق الغيوم في السماء ويردد قريبا جدا ستبتسم السماء..
..يتبع..
النبض 2
كعادته ٱلسّي "محمد" يكون أول الملتحقين بالمؤسسة لايجد حرجا في فتح بابها لاستقبالنا..طريقته في التحية والمصافحة تجعلني أنحني لتواضعه..وسرعان مايسرع إلى الجرس ليعلن عن بداية الحصص الصباحية وينادي بأعلى صوته :" ياحسن..ياحسن..أين براد الشاي..أم أنك نسيتنا اليوم..!!.
وسرعان مايرتشف منه رشفات ويتركه في زاوية ما من زاويا الساحة وقد يعود إليه مجددا غير عابئ بما يكون قد تسرب إليه فتسبب في تغيير طعمه ولونه ..يحتسيه إلى آخر رشفة ويمضي إلى حال سبيله..مخبرا "حسن" بأنه سيعود قبل انتهاء الحصص الصباحية..يختفي لساعتين أو أكثر..فيطل من جديد وقد ارتدى جلبابه الكشميري الثقيل المصنوع من صوف الخرفان التي تقتات على كلاء الأعشاب البرية الجبلية أو التي تنتشر هناك في المنحدر نحو قبيلة "آيت سغروشن"..والتي تكثر بها الأشجار ونباتات السدر الشائكة التي تتغذى عليها بعض مجموعات النحل..
لاتراه إلا منتشيا بخضرة المكان يردد أهازيجه غير عابئ بأحد..
لكنه مع ذلك يواظب على متابعة أمور الموظفين..يسهر على الإرساليات بمساعدة الرجل الخلوق الطيب الأستاذ "علي" ..علي الذي انضافت إلى مهامه الإدارية مهمة أخرى،فمنذ اقتنائه "العروس"..سيارة رونو ١٩ المتهالكة كما يسميها وهو لايجد وقتا حتى لتسريح شعره يتركه للريح تداعبه أنى تشاء تعزف على شعيراته السوداء معزوفات جبال "آيت وراين "العصية على العزف ؛ والتي لاتنساب انسياب الماء الرقراق في جوف الظامئ إلا بعد عسر ومشقة ..فلا تنقاد إلا للعازف الذي يعرف كنه عزفها المتفرد.. تختبر هي العازفين لتمارس طقوس غنجها ودلالها تتمايل بخصرهاالمياد فترتسم لوحة مدللة رشيقة..
السماء اسودت..ملبدة هي بالغيوم تعلن عن ميلاد قصيدة مطرة..
.............................................
ٱلنّبض .3.
اليوم موعد السوق الأسبوعي في تلك القرية الجبلية الهادئة..حراك غير عادي بعد آذان الفجر بقليل تبدأ رحلات قبيلة "آيت سغروشن"..واد لحمر وبوزملان وغيرها من الدواوير القريبة من سوق "ثلاثاء الزراردة "؛ بل يقصده حتى سكان الضواحي المجاورة : ( تاهلة و رأس تبودة و بوشفاعة..بوحلو واد أمليل واهرمومو وساكنة مغراوة وباب أزهار..وتازة..) ليصبح قبلة للعديد من فلاحي المنطقة ولكل راغب في لحم الضأن الذي يتغدى على الزعتر لما يعرف عنه من مزايا علاجية للمصابين بمرض السكري..تنصاب الخيام باكرا وتتعالى الأصوات في السوق بين بائع للمنتوجات الفلاحية المحلية وآخر يبيع المواد الغذائية والحبوب والقطاني..ويتنافس العارضون في التأكيد على جودة وصحة معروضاتهم..سلال قصبية رص فيها البيض البلدي..سيدة تجلس القرفصاء لاتكشف عن وجهها تبيع بعض الأنواع من الباقوليات وعربيتها غير واضحة تطغى عليها اللهجة الأمازيغية..حزم هنا..هناك..وفي غمرة انشغالها بترتيب الحزمات يسقط لثامها ويكشف عن عينيها فيتبدى الوشم الذي يتربع على منطقة مابين الأنف والحاجبين..وشم على شكل شجيرات صغيرة مثلثة..لايعي كنه تلك الوشمات إلا ساكني المنطقة..
ترفع يدها بسرعة لتعيد اللثام وتناول أحد الزبناء حزمات من الباقوليات وتبدأ في تعداد منافعها وكأنها أخصائية في التغدية..يسلمها النقود ويبتسم في وجهها ويغادر في إتجاه معروضات أخرى.
اليوم سوق استثنائي ومعروضات إستثنائية لايحفل بها إلا من قصد السوق مبكرا..
.............................................
ٱلنبض.4.
"السي محمد" بدوره سيقصدُ السّوق الأسبوعي هو يعشق الْجلوسَ في الْمقهى التّقليدي الذي يملكه "السي علال "؛ الرجل السّبعيني الْمعروف بحِكاياته الطّريفة..يسْتهِلُّ حكيه الشّائق..لما كنا في "لاندوشين"..وما أدراك ما لاندوشين ..!!. كان يُعَوَّلُ عليَّ في وضع الْخطط الْجهنّمية..ايييه أيام زمان لما كنت في أيامي..إيييه ولى ذاك الزمان ورحل أصحابه.. ويمسك بين يديه قنينة بلاستيكية بيضاء مضغوطة يُمَرِّرُها بين خياشم الأنف من حين لآخر فيَعطِسُ ويُشَمِّته من يَحضر الْمَجْمعَ من الأصدقاء..اييه أسِّي علال..ازمان كان الشان وكانوا الرجال..".
يتابعه "اسّي محمد" بشغف وهو يضغط على بطنه يارجل أُصمت..أكاد أنفجِرُ من الضّحك..طوبى لك..زمان الْخير والخمير والزريبة والمطمورة العامرة و العسل والسّمن..ولّى ذاك الزمن..
Post A Comment: