حمل القرار وأخذ طريقه إلى درب الواد القديم ليلقي نظرة الوداع على أطلاله الطينية الحمراء، كان قد مر يومها على زيارتها له شهر كامل، أين باركت عودته إلى مسقط رأسه و تعيينه مديرا جديدا للسكن بالمحافظة، طبعا لم يفوتا الفرصة في مكتبه الوثير ليعاودا شريط المثنى الذي كان صباهما بطل قصته، فاثأرا معا حين ربطا بالحكي الطويل حبلي ذاكرتيهما قصة بابي بيتيها المتقابلين، وكيف كانا يظلان مفتوحين إلى ما بعد الغروب لتنغلق الاجفان ويظل البابان مفتوحان إلى غاية الصباح، كأن داريهما يتحاوران يتغزلان ولا أحد منهما يجرؤ على كسر سكون الحركة ليلثم الآخر من شدة عشق الطين، لم يكن يجرؤ على أن يجهر لها بمثل هاته الصورة التي ارتسمت بخياله عن وضعية بابيهما المتقابلين مذ وعى خشية أن تفهم ما يقصد وما لا يقصد من الكلام، فضلا عن أن يجهر به لأحد من والديه اللذين رحلا عن الوجود وحي الوادي معا من سنتين.. اهتزت دخيلتها عندما كشف لها عن مشروعه الأول.. رسمت له ابتسامة باردة بسيماء من يحتج، لكنها عجزت عن أن تسأله بملامة، "أراك متحفزا ومتحيزا للثأر من السني الطين" !
لفحت وجهه حين بلغ المكان ريح خفيفة وهي تطلق سيمفونيتها الربيعية من تجاويف الحي القديم تعزفها بحة عطش الطين النائح في عزلة المكان بالطبيعة، يتداخل صوته مع صوت وصورة رقص الجريد فوق رؤوس النخيل العتيقة وهي تتدلى خاضعة لقهر السنيين على شرفات البيوت الطينية، بدا أثر سيول الماء القديم عليها كالأوشمة والأوسمة على وجه الغجريات السائحات في فضاء الغربة، أوشام طينية تحكي بخطوطها المتعرجة واقع رحلة في نهر الزمن الطويل الجارف، لم يدر إن كان يقف بمبدأ الشارع أم بمنتهاه؟ رمى ببصره إلى منتهى طوله وعرضه الزقاقي، الذي لا ينيف عن المترين، خيل له لحظتها كأنه وسط آلة ناي عملاقة وأبواب البيوت كأنها ثقوب التي تصنع من نفس جوف العازف ترانيمه الحزينة.
بابان مغلقان اليوم كما لو أنهما أضربا في لحظة صمت يشبه صمت القبور عن صنع غزل الطين الذي رسمه الفتيان في مخيلتيهما.. غرز المفتاح في ثقب القفل ثم أداره فارتد الباب الخشبي الثقيل إلى الخلف وانقشع وميض من ضوء نافدة الردهة، غمرته روائح عطش الطين، وبعضا من رائحة "ذُكار" النخيل الذي تنثره رياح الربيع، استعاد بذاكرة السمع صوتيهما، الأم والأب ومسح ببصره السابح في أرجاء البيت بظلال مكانيهما، ثم أمسك حنين الطفولة بتلابيب ذاكرته بقوة إلى ركن الحديقة حيث كان يهرب معها عن الأعين ويلعبان "الزواق".. يصنعان حدودا بالحجر الصغير لبيت صغير به غرف مغلقة ومن دون سطوح أو سقوف.. تذكر أن أمه كانت حين تغادر تضع المفتاح في عهدة الجيران حتى إذا ما عاد أبوه من ورائها من شغله بالمنجم استرجعه منهم ودخل البيت.
شيع بابهم طويلا حين عاد ووقف أمام بيتهم، واستعاد ما قالته له هي ذات مرة من أن ذلك المفتاح كان يفتح “باب” بيتيهما! أضحكته الجملة الكاسرة لمنطق اللغة والحساب معا، لكنها كسرت حجر عقله، كيف يكون لبيتين باب واحد؟ فسارع إلى غرزه في ثقب مقفل بابهم وأداره فإذا بالباب حقا قد استجاب!.. اهتز قلبه وهو يتشمم بذاكرته بقايا عطرها.. روائح المطبخ العتيق، قبل أن يسمع صوتا حيا لحشرجات منبعثة من زاوية مظلمة من البيت، حمل معه عصا خشبية، فاقترب من المكان الذي كان يربي فيه والدها خروفين اصطدمت جبته بالفانوس الغازي الذي كان متدل كالماعون القديم.. وإذا بفتى يستكشف جسدها الصغير بنور هاتفه المحمول ! فكسر لذتهما بسؤال:
ـ كيف دخلتما؟
ـ خرقنا جدار البيت الطيني من الخلف !، وأنت كيف دخلت ؟
علّق بأصبعين من يده اليمنى المفتاح الكبير القديم أمام ناظريهما..
ـ ألم تعلمكما المدرسة أن تأتيا البيوت من أبوابها؟
ـ وأين هو البيت؟ إنه مكان مهجور..
ـ وهل للأمكنة المهجورة مفاتيح تغلق بها وتُفتح؟ ثم من أين جئتما أنتما؟
ـ من المدينة الجديدة نحب بعضنا، وكان علينا أن نهجر بحبنا إلى هذا المكان المهجور..
ـ ومن قال لكما أنكما هربتما بالمحظور إلى المهجور.. ألم أقل لكما أن المهجور لا يغلق..
صمتا قليلا ثم سأله الشاب في خجل مصطنع ..
نعتذر على أننا انتهكنا حرمة بيتك "المهجور"؟
ـ هذا ليس بيتي!
نظر الشابان الى بعضهما وبسماء من يحتج سأله الشاب:
ـ بيت من إذن هذا ؟
إنه بيت من كانوا جيراننا يوم كنا نسكن هذا الحي، بيتي أنا في الصف المقابل..
ثم سحبهما إليه وذهلا إذ رآه يفتحه بذات المفتاح، فسأل مرة أخرى الشاب بسماء من يسخر:
ـ أظنه مفتاح سمسم هذا الذي بيدك، ولعله يفتح كل أبواب بيوت هذا الحي؟
ـ لست أدري ربما، ما أنا متأكد منه هو أنه يفتح بابنا وباب بيت الجيران..
ـ لماذا لا تجرب على أقفال الأبواب الأخرى؟
ـ بإذن من تريدني أن أفعل؟ بإذنك أنت؟ وليتك كنت تستأذن، فأنت تخرق الأحيط والجدران، أم أنا مخطئ؟
سكت الشاب لكنه ظل ينظر إليه بسؤال " ولماذا فتحت باب الجيران؟" فهمه من عينيه وأجابه من دون أن سمع سؤاله:
ـ أخذت إذنا من ابنتهم..
ـ أين هي هل تخفيها في مكان ما قريب من هنا؟..
ـ كلا هي متزوجة كانت بقلبي قبل أن يفرق بنا الدراسة أنا رحلت إلى الخارج وهي تزوجت في مقتبل الشباب، كنا نقتسم البابين بمفتاح واحد ولا نخرق الجدران.. ابتسم في وجهيهما ثم قال :
ـ ابحثا لكما عن معبد آخر للحب، هذا طين مقدس يهدم ولا يداس أو يدنس ! لن تجداهذا المكان بعد غد لتحبا بعضكما فيه مجددا !
نظر الشابان إلى بعضهما بسماء من يقول، أين سنحب بعضنا بعد اليوم؟ طأطأ رأسيهما ثم انسحبا في صمت من قدميهما
أما هو، فبعد أن سدّ بالطين الكوة التي دخل منها الشابان، أغلق البابين من جديد وأحكم إغلاقهما.. راح يمشي الهوينا في درب الواد القديم، كان منتشيا باكتشافه الجميل، ثم ما لبث أن راقص اغراء الفضول نفسه بما سمعه من اقتراح الشابين العشيقين، فعنى له أن يجرب المفتاح على أقفال أبواب بيوت الجيران الآخرين.. دفع به في ثقب القفل الباب الثالث فأتى الباب طائعا منفتحا على مصرعيه، خفق قلبه بقوة لهذا الاكتشاف ! وراح يستعيد الذاكرة ويسائلها كلما فتح باب بيت عمن كان يسكنه، ثم التفت إلى الصف المقابل، فقبل قفل الباب الرابع مفتاحهم القديم، ساعتها تساءل على من كانت تغلق الأبواب؟ اعترته شفقة بالذاكرة، أو بجزء غال معلق في مؤخرتها، وأي جزء أغلى من أشياء كانت قد نُقشت على صفحتها في عز في عنفوانها، إنه صبى المكان ومكان الصبى، ضحك في صمت ثم أخرج من محفظته قرار المحافظ الأخير القاضي بهدم بيوت الواد القديم الطينية.. دعكه بقبضة قوية ضاغطة، استدار خلفه فلم يجد أثرا للشابين.. ابتسم ثم قرر أن يزورهما خيفة بعد يومين خلف اسوار الطين.

Post A Comment: