الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى .
وبعد،،،
من المعلوم لدى العقلاء أن سؤال العبد ربه عز وجل العفو في كل وقت وحين أمر مرغوب، وقد وردت به نصوص كثيرة، حتى إِنَّ العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله أكثر مِنْ مَرَّةٍ أَنْ يرشده إلى شيء يدعو الله به فأجابه الرسول في كل مَرَّةٍ بقوله: [سَلِ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ] .
والعفوا كما هو معلوم يستدعي سابقة ذنب، أو خطأ، والمسلمون في شهر رمضان يعلمون علم اليقين أن شهرهم المبارك من أعظم المواسم وأغلاها، وأنفسها وأشرفها وأزكاها، عطية من أجلّ العطايا الإلهية، ومنحة من أفضل المنح الربانية؛ ولهذا فهم يشغلون أوقاتهم ولحظاتهم وحركاتهم وسكانتهم بجلّ الطاعات، وأكمل العبادات طيلة الشهر الفضيل من صيامٍ وقيام ودعاء وتسبيح وذكر ...، فنهارهم صيام، وليلهم قيام، وأنفاسهم تسبيح، ولحظاتهم ذكر، شغلوا ليلهم ونهارهم بالعبادة لله رب العالمين، فلماذا يسألون الله تعالى العفوا في أفضل ليالي العمر، وهي ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر؟ كما ورد عن عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: « يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: " قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي»،

يجيب الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله عن هذه الحكمة الجليلة فيقول: "وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر، بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر، لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحًا ولا حالاً ولا مقالاً، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصر".
وهذه لفتةٌ إيمانية جليلة، وحكمة مقاصدية سامية، تجعل قلب المسلم بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله تعالى، ويرجوا ثوابه وعفوه، فمهما يفعل من الطاعات، والأعمال الصالحات يرى نفسه مقصراً ومفرطاً، ولا يرى لنفسه عملاً ولا حالاً فيجتهد حتى يعفوا الله تعالى عنه، وفي هذا فائدة إيمانية مفادها: أنه ﻻ ﺻﻼﺡ ﻭﻻ ﻓﻼﺡ ﻭﻻ ﻧﻌﻴﻢ ﻭﻻ ﺳﺮﻭﺭ للعبد، إلا إذا وُفِّق لعفو الله عز وجل، فيبذل الوُسع ﻓﻲ كل ما يقرِّب إلى الله عز وجل، ويستفرغ الجهد والطاقة في رجاءه عفوا ربه وسيده، فاللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، الذي إذا دعيت بها أجبت، وإذا سئلت بها أعطيت أن تجعل رمضان راحلاً بذنوبنا، قد غفرت فيه سيئاتنا، ورفعت فيه درجاتنا، وعتقت رقابنا من النار، فاللهم إنك عفوٌ كريمٌ تحب العفو فاعف عنا .
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد ٍ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. 






Share To: