لا تزال أزمة التساوق بين حركتي الابداع والنقد في نشاط المخيال الادبي العربي تلقي بظلالها الجدلية على مسرح الاشتغال على النص باعتباره موقفا يتمدد على تضاريس عدة من معرفة، وانتماء وإعادة تشكل في خيال الواقع بواقع الخيال، أزمة تكشف عن مدى تأخر القيمة النقدية لدينا في انعكاس يكاد يكون تاما للقيمة المعرفية التي نتخلف فيها على غرار تخلفنا في كل الحقول التاريخية والانسانية الأخرى.

ولقد تمظهر هذا التخلف أكثر في تلك الاكتشافات الفنية للقيم الإبداعية الكبرى التي حفلت بها أعمال روائية ظلت في طويا النسيان وملقاة على همش دوائر القرار النقدي الجدي والجريء أحيانا لسنين عدة، قبل أن تمتد إليها أداة التشريح الجيد لتغوص في أعماق احشائها وتخوض في أدق تفاصيلها أين يكمن اسر وسحر الحكي وتستخرج منها بهاء المكنونات الفنية الروائعها، ولا أدل على ذلك من رواية ذاكرة الجسد للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، ووليمة لأعشاب ابحر للروائي السوري حيدر حيدر وغيرها من الاعمال التي ظلت لسنوات حبيسة رفوف الانتظار بقاعات المعالجة النقدية، ما طرح أسئلة جمة أبرزها ظل ولا شك "ما الذي يجعل الفرق هكذا شاسعا بين التوقيت الإبداعي وتوقيت النقدي في أدبنا العربي اليوم؟"

شخصيا من واقع تجربتي المتواضعة في قراءة بعض الأعمال، وقفت عند إشكال "الإبداعية النقدية" التي تنصرم عن المقاييس الصارمة للعلمية الأكاديمية التي تطغى على نشاط النقد بوصفها أداة الغوص في النص، وبذلك يقع الانفصال والانفصام بين الإرادة النقدية والمنتج الإبداعي، هذا الأخير الذي يكون في العادة أكثر تحررا من البرمجة النقدية الاكاديمية التي تقتل الحس الإبداعي للناقد.

الروائي اليوم يراكم صورا جديده من المعين المخيالي الذائب والدائم في الاتساع بتوسع تكنولوجية التواصل والاتصال وطغيانها على الواقع، بحيث حدثت انهيارات كبرى في منظومات التخيل حتى صارت الحدود الزمانية والمكانية عبثا في أرصدة الكتابة الإبداعية للكاتب.

في روايتها "أبركان" طوت الروائية الجزائرية ضاوية كربوس بشكل بديع الأمكنة المترامية على الجسد الجغرافي ومعها انطوى الزمن على نفسه ليعيد طرح الأسئلة العميقة المتصلة بالهوية وبطش التاريخ، الذي يرتسم بشكل بديع من خلال نشاط النفس الداخلي يحكيه باتقان خرس الشخوص، خرس عضوي صارخ بأسئلة الداخل وخرس روحي في عدم التكلم بالمنطق وجعل كل شيء تلقائي عبثي ولا يلزم سؤالا ولا يستجدي جوابا.

التعامل مع هكذا نصوص سابقة لأنظمة النقد الجاهزة التي نشأت من وحي نظري لا يتغذى عن الواقع ومع ذلك يريد فرض نفسه باغتصاب نصوص تفلت من حدوده النظرية، أو العزوف عنها بدعوى الغموض أو الرداءة أو الاقصاء المجحف من القيمة الإبداعية، كحكم قيمي غير منطقي، يبدو في غاية الغرابة.

عندما أعدت قراءة الرواية مرات ومرات، أدركت بأن الحركة النقدية ليدينا، لا تشتغل وفق أصول معناها المنطقية، بصفتها أبداع على الابداع، كما وصفها نقادنا المغربي الكبير نجيب العوفي، وإنما يروم الناقد لدينا إلى التعالي على النص وبالتالي قلب البنية المنطقية العلائقية التي تحكم المبدع بالناقد بحيث يصبح سلطان الناقد أولى وأسع من الثاني وهو ما يضاد الطبيعة ذاتها في هكذا حال.

ولربما ما شجع على هذا الخروج عن المنطق العلائقي هو هوس المبدع بالخروج من زحمة النصوص المكدسة إلى باحة المقروئية الصغيرة في عالمنا العربي، وعادة ما يمتلك بعض النقاد المميزين سلطة تأشير على ذلك المرور ولو على حساب حقيقة وقيمة النص.

فإلى متى سيظل الابداع الروائي العربي رهين إرادة نقدية محتبسة في محدود المعرفة النظرية وواقعة أحيانا بين كهنة الإفتاء النقدي من أولئك الذين يتجارون بسلطان النقد فيسهمون في بقاء الحركة الإبداعية داخل قوقعة الرداءة ما يجعل النصوص المترجمة أكثر حركية في سوق الكتاب الهزيل بفضاء القراءة العربية؟.








Share To: