في بداية تسعينيات القرن الفائت، أثار قرار الجهات الثقافية الرسمية في الجزائر بترشيح أعمال الروائي الراحل محمد ديب لجائزة نوبل للأدب، لغطا وجدلا واسعين في الوسط الأدبي الذي كان يعج ويمج وقتها في أتون صراع الهوية والحرب الأهلية التي كانت ضارية على امتداد العقد التسعيني كله، وحجة الرافضين لذلك القرار هو أن محمد ديب عبر عن القضية الوطنية باللغة الفرنسية، وأي تتويج محتمل لأعماله سيصب في صالح الأدب الفرنكفوني وليس الأدب العربي الجزائري.

أما الذين عارضوا المعارضة، واصطفُّوا إلى جانب الجهات الرسمية، قللوا من أهمية اللغة وأعلوا من المضمون الجزائري بتراثه وملامحه وملاحمه التاريخية الثورية، ليؤكدوا جزائرية مضمون التعبير في أدب محمد ديب، ما استدعى حينها طرح جملة من الأسئلة في موضوعية موضوعات الأدب الجزائري باللغتين الفرنسية والعربية، ولماذا يرقى الفرنكفوني عن العربفوني؟ وهل اللغة الفرنسية في الأدب الجزائري عبرت فعلا عن واقع شخصية وشخصية الواقع الجزائر وحملت اشكالاته مع تراثيه.

من المهم جدا مراعاة التوقيت الذي تم فيه المبادرة إلى ترشيح الروائي الجزائر الفرنكفوني محمد ديب لجائزة نوبل، كون ذلك جاء في سياق انقلاب شمولي على التوجه السياسي الجديد الذي كانت تمضي عليه الجزائر في أولى خطوات عهد التعددية السياسية والفكرية والثقافية بعد ثلاثين سنة من الأحادية المطبقة على الأمة، توجه كان يتجرد من خطاب وطني عقيم ليلبس العباء الإسلاموية التي تعادي بصراحة كل ما يقطع مع السرديات القديمة في الفكر والسياسة، وتقصي الأدب الحديث جملة وتفصيلا من رؤيتها للكون والتاريخ، فالمنقلبون عن خيارات الشعب وقتها استبقوا هؤلاء الأصوليين الإسلامويين إلى القطيعة وباشروا بتقطيع كل الأواصر مع الأصول الثقافية للمجتمع الجزائري، في إطار ما سُمي حينها بتجفيف المنابع من خلال تجميد قانون التعريب، وقف بث الاذان على القنوات الاذاعية والتلفزية الرسمية، معاودة تعزيز حضور اللغة الفرنسية في التعليم، تعيين المعادين للثقافة الاصيلة على رأس وزارات ومؤسسات القطاعات الحساسة، ليُعبر عن عنوان المرحلة ومشروعها في الأخير بشكل مادي ورمزي بترشيح محمد ديب لجائزة نوبل للأدب.

والغريب هنا أن بعضا من المصفقين والمصفّطين في صف قرار ترشيح محمد ديب لجائزة نوبل برروا جواز ذلك بتجربة الاديب الانجلوفوني النيجيري وول سوينكا الذي توج بالجائزة سنة 1986، دون أن يلاقي ذلك أدنى اعترض من السوط الثقافي والأدبي النيجيري، بل بالعكس اعتبروه قيمة مضافة للثقافة النيجيرية، متناسين أن القارة السمراء تعاني من أزمة هوية عميقة بين ما هو معرفي في اللغة ولغوي في المعرفة كونها لم تقع داخل دائرة ثقافية كبرى منتجة للفكر والمعنى ما جعلها تُفترس من قبل الدوائر الثقافية الاستعمارية الكبرى، والحال ليسه بالمرة مع الجزائر أو المغرب أو أي من بلد عربي حاضر في محضن الزمان والمكان للثقافة العربية الإسلامية، حيث التراث الحاضر زاخر بوجود لغة عالمية منتجة للمعرفة وللثقافة وراسخة ومترسخة في الهوية، وكان أداة قوية من أدوات النضال الوطني التحرري.

إن هاته الرغبة في الفصل بين تاريخ المجتمع الجزائري التي يحفل بها الخطاب المعادي لأصول المجتمع الجزائري ولغته باعتبار أن لغة لا تزيد على أن تكون أداة تعبير، هي في الحقيقة الوجه المتجلي في معركة الهوية التي هي من أكبر مخلفات حقبة الاستعمار وانبلاج نموذج الدولة الوطنية كطارئ على وعي المجتمع الجزائري وغيره من مجتمعات مرحلة ما بعد الكولونيالية الشاملة.

ولا تزال هاته الراغبة ماضية كونها وسيلة نخب تحيا وتعيش على هكذا أزمات يحرص الاستعمار على أن تستمر وتتواصل حتى لا تحدث القطيعة التامة معه في الأوساط النخبية وعبرها في الأوساط الشعبية ويبقى بالتالي ضامنا لحضوره في الضمير والخير الوطنيين.

والمؤسف هنا أن تيارات الرفض من وطنيين واسلامويين ظلوا أبعد ما يكونون عن الحضور في مسرح الصراع الأدبي والثقافي الوطني، غارقين في إشكاليات الدولة وآليات تملُّك وامتلاك السلطة ولو من دون المشروع المجمل والمفصل للتاريخ ويتصل أكثر بمعنى الانسان ووجوده الثقافي.

فإذا كانت أقسام من نخب التيار الوطني ذاتها قد تبنت الفرنكفونية كلغة فقط، وهو ما يفسر عجز هذا التيار الذي حكم البلاد بعد الاستقلال على بسط مشروع التعريب بوصفه استعادة للشخصية الوطنية بعد استرداد الأرض، إذ لم تكن ثمة لا إرادة حقيقية ولا حماسة لانفاذ هكذا مشروع، فإن نخب الإسلاميين الغارقين حتى الأذنين في خطاب الشريعة والودلة قد عبروا صراحة عن قصر رؤاهم بخصوص حيوية الأدب والثقافة في مشروع إعادة بناء الانسان، ونبذوهما وراء ظهورهم فمضوا يحطبون بالليل لعقود عديدة حتى إذا ما طلعت عليهم شمس وجدوا انفسهم وهم في يحكمون أو يعارضون، يخضون ما هو أسوأ من تجربة التيار الوطني، فلا لغة انتصروا لها او انتصروا بها، ولا ثقافة أسسوا لها، وبقيت الفرنكوفونية في الأدب وفي عموم حقول الانتاج الثقافي الأكثر دقة والأحسن جودة حتى لو بقي الأقل انتاجا في ظل تقلص قاعدته المقروئية، وحتى لو رفض مالك حداد مواصلة التعبير باللغة الفرنسية وعاش في منفاها أو جاء رشيد بوجدرة من أقصى الفرنكوفونية يسعى في الرواية العربية بالجزائر.

 

بشير عمري

كاتب  جزائري







Share To: