المواقف تنتج المروءة و الرجولة الحقيقية... و تحدد مسار الأشخاص، موقف قد لا يتكرر مرات عديدة... و لكنه يعكس أصل الإنسان و معدن إنتمائه، و يذكرني بوالدي "رحمة الله عليه" عندما كان  يعود من العمل مصحوبا ب" الباريزيان" المكسور في علب الخميرة التي كان يوزعها على "المخبزات" ، و كان يأمرني بمنحها للجيران المحتاجين و النساء الأرامل في صمت، مع  منعي في الوقت عينه من الحديث عن المهمة لأي كان، و كنت حينها أنتشي بزهو تلك الفرحة التي لم أستوعب معناها إلا الآن... فمشاركة الآخر في أبسط الأشياء و مقاسمته ما تملك بالرغم من يسره، يغدق عليك إحساسا متميزا من الفخر و الإعتزاز... و ينثر الفرح حولك بصورة مذهلة، بل يجعلك تحلق في فضاء لذة غريبة... فمن لم يتقاسم القليل مع الإنسانية، عاش كل حياته أنانيا و بخيلا...كما لا تتوقع منه أبدا أن يتقاسم معك او مع غيرك  الكثير...بل قد يغدو مغرورا متعجرفا...لمجرد أن أوضاعه تغيرت... إزرعوا الحب أينما وجدتم فرصة لذلك... فحتما ستذكركم حبات المطر بموقعه و إن أضعتم عنوانه.... أقتلوا الأحقاد و أوقفوا علل الخبث و سموم الحروب... و تأكدوا أن أجيال المستقبل ستذكركم بما زرعتم...فيا قادة العالم، فكروا في زرع القيم و المباديء بدل زرع سموم الحروب و القنابل... إمنحوا شعوبكم الطمأنينة بتأمين الحياة الكريمة لها.... بدل إقتناء الدبابات و الأسلحة...و الزج بالجميع في حقينة الضغينة و الكراهية... لأنكم و الله لن تحتاجوا الى تبدير ميزانيات شعوبكم في مثل هاته الإستثمارات أبدا إن أدركتم قيمة بناء الإنسان بسمو و نقاء الإنسانية الحقيقية...و إستثمرتم فيه بكل إخلاص و تفاني...و علمتم أبناءكم، إحترام المرأة على أنها كفاءة و قدرات و إبداع و ليست مجرد جسد و عورة...أو خادمة بيت خلقت للأعمال المنزلية فقط... من منطلق أنها ناقصة عقل و دين، و كيف لهذه الناقصة للعقل و الدين ان تدبر أعمالا و مشاقا في تربية النشأ مثلما تقوم بهذه المهمة الجسيمة التي لا يقو عليها الرجل نفسه لوحده أبدا... 
فالكرامة الإنسانية و العدالة الإجتماعية لكل البشرية لن  تتحققا بدون تعليم عمومي جيد، يحارب التمييز بين الجنسين و منظومة صحية متميزة، تضمن التطبيب لعموم الجماهير مجانا، و سكن كريم يحفظ آدمية البشرية جمعاء... علموا شعوبكم سبل العمل و المثابرة و الكفاح و الإجتهاد...لا سبل الإتكالية و الوصولية و الإنتهازية بالإرتزاق السهل البسيط، بالتهافث على قفف الصدقة، في المناسبات، و بيع الضمير و الذمم ب 200 درهم في الإنتخابات...
علموا شعوبكم كيف تصطاد سمكها بإجتهاد من ذاتها و لا تجعلوها إنتهازية البنيان، تنتظر الصدقة كل يوم....لتتجرع مرارة المهانة مدى الحياة...و تأكدوا أنه لن يتأتى ذلك بدون تجويد التعليم العمومي، لأنه رافعة التغيير... و منطلق المسير... فالتعليم العمومي الجاد هو السبيل الوحيد لبناء المجتمعات، لأنه المنبر الأصيل الذي يصقل البشرية بقيم الحياة الراقية و المتحضرة... فبالتعليم يا سيدات يا سادة، سيدرك المواطن ان النظافة شرط الحياة... و بالتعليم سيعتبر المواطن كل الوطن بيته، و لن يختار الهروب عبر البحار و المحيطات للضفاف الأخرى، بحثا عن آمال كاذبة و أوهام مزيفة، واهية... لأنه سيعتز عندها بإنتمائه... و بالتعليم الجيد سنوفر الطبيب الكفء و المهندس الصادق و السياسي المسؤول... و.. و... و سنبني المجتمعات القوية... و سنزرع الحب بدل الحروب... و الخير مكان الشر...و الوعي بدل التخلف، و التنوير بدل الرجعية و الظلامية... و عندها لن نرى الأزبال بمحيط مدننا و مداشيرنا... و ستزدهر الحياة و تخضر الغابات و سيتمسك الجميع بحب البلاد...و لن يقبل أحد أن يساوم فيه... 
هواجس و أحلام  تعذبني بتساؤولات لماذا و كيف؟؟؟ أحببت مقاسمتها جهرا لعلني أزرع بها خيرا....و أحقق وطنا لطموحاتي قبل مماتي... 







Share To: