قفزت الأساليب الساخرة في شتى صنوف الفن إلى صدارة التعبير بداية من القرن الفائت، بعد أن ظلت لعهود وعقود محصورة في السرد القصير، ولعل طول انحصارها كان سببه قلة منتجيها بالنظر إلى طبيعة هذا الفن الصعب جدا والذي لا يقبل أنصاف المستويات لدى من يمارسوه، ففي هذا النوع من التعبير إما يكون صاحبه ساخرا بحق وإما أن يغدو سمجا، ومحل سخرية المتلقي لرداءة ما ينتجه باعتقاد أنه يحقق السخرية السوداء.
في أدبنا العربي ظل هذا الفن يقام موانع عدة حالت دون تطوره، رغم طبيعة الانسان العربي الساخرة المتهكمة، ومحيطه بفوضى ونظامه، ولا منطقه التي هي أخصب ما تكون للسخرية فيما لو انتبه إليها العقل والخيال الساخرين، فما الذي يحول دون أن يتحقق ذلك؟
في رده على سؤال أحد الصحفيين الفرنسيين في حصة مسيرة القرن la marche du siècle التي كانت تبثها القناة التلفزيونية الفرنسية الثالثة، عما إذا كان الملك يقبل بأن يكون موضعا للنقد الساخر، قال الملك المغربي الراحل الحسن الثاني "في تقاليد المملكة لا نقبل أن يُتناول الملك وعائلته بالكاريكاتور" وتبسم حينها الحضور الصحفي الكبير ساخرا "بلطف" من قول الملك المغربي، لأن البيئة الثقافية والسياسية التي يَقدم منها هؤلاء إلى القصر، متحررة من كل القيود التي تحول دون ممارسة السخرية وبقية أساليب النقد السياسي والاجتماعي والتاريخي للبلد.
لكن ذات الصحفيين لا يقبلون أو يجبرون على أن لا يقبلوا السخرية من الهولوكوست، ولا أدل على ذلك مما يحصل للفنان الساخر ديودوني من قمع ومنع ومتابعات قضائية دون أن تتحرك الصحافة الفرنسية لنصرة حرية التعبير من بوابة الأسلوب الساخر الذي يضحك الانسان من اوقعه الأسود، وهنا تبرز جدلية جديدة في المعقولية الغربية التي تريد أن تكون مركزا للتاريخ ويتباهى بعض المثقفين العرب بمثاليتها مطالبين بضرورة تبنيها، وهي جلية حرية السخرية وسخرية الحرية.
في عالمنا العربي يعتبر التهكم والسخرية من أساليب الاعتراض القديمة جدا، بل منها ما كان مثار حروب واقتتال لفرط قوة تأثيره على الخصم، وربما ظلت أعرقها وأعنفها، حادثة تدنيس القليس التي كان بطلها متهكم عربي ساخر من أبرهة المعظم الحبشي حاكم اليمن الذي أراد ان يغير مسار التاريخ والجغرافيا بأن شيد قليسا لتحج إليه العرب بدلا من مكة، فقام ذلك العربي بالتغوط في القليس مشعلا غضب وحرب أبرهة العرب فيما سيعرف لا حقا بحادثة الفيل.
طبعا ظلت السخرية العربية شعرية ثم نثرت في العصر العباسي الثاني، بيد أنها مع تراجعت مع بزوغ شيء من شمس الاستقلال في الدولة القطرية العربية، حتى كادت تنعدم بالمرة.
ولولا بعض الشعراء وبضع كتاب (ليست قلتهم هنا متأتية من طبيعة هذا الفن الصعب كما أشرنا في المقدمة، بل لتمكنهم من مقاومة المنع والقمع لهذا الفن) لما سمعنا أو قرأنا سخرية من واقع مليء بكل أسبابها (أي السخرية).
وفي ظل هكذا مقاومة قمعية لفن هو من أرقى وأغلى فنون التعبير اليوم في العالم، راح بعض كتاب العرب ينتقي أهدفا لسخريته، كأن يستهدف قوما من مكون البلد الطائفي أو المذهبي، أو من بعض مكونات الثقافة الشعبية، أو من مسئولين يوجه إلى السخرية منهم، في حين يسخر في العادة شحاذو الجوائز الغربية من الثقافة الشرقية العربية بتعريتها وتعميتها كليا، من بكارة المرأة، وكبت الرجل الجنسي باعتبار ذلك مكبلا لتحرر النفس والوعي العربي قبل أي تحرر آخر، علما بأن منطق السخرية لا يستهدف الانساق الثقافية في حد ذاتها حتى وإن تم توظيف هذه الانساق أحيانا كجسر للوصول إلى الموقف محل النقد، لذا كان منطوق القرآن نفسه فاصلا حاسما في هذا الاطار بالنهي عن السخرية من القومية الثقافية (لا يسخر قوم من قوم).
من هنا يتضح أن السخرية ليست فقط أداة إضحاك للإنسان من وقعه الأسود، بل هي معيار استذكار وإدراك مدى أزمة وعي الانسان بقيمة الحرية وحاجته إليها، فهي (السخرية) ليست جديدة من حيث الأصل، ولكنها تستجد وتتجدد كمطلب فطري انساني لأنها تلقى المقاومة حتى من أشد وأوسع من يستعملها إذا ما استهدفته بقوة.
فأبرهة سقط أمام قوة التدنيس الساخر لمقدس مصطنع، وسقطت الصحافة الفرنسية الضاحكة من رفض الحسن الثاني تناوله واسرته كاريكاتوريا بدعوى أنه لا مقدس أقدس من حرية التعبير ولو كان ساخرا، لكن عندما قُمع ومُنع الفنان الساخر الأسمر ديودوني تدنست الحرية لديهم فقط لأنه يتناول في سخرياته الهولوكوست، وهو ما يعتبر خط أحمر لا يجب أن تعدوه لغة السخرية! وعليه فأزمة الفن الساخر أدبا وصحافة في علمنا العربي وزائد كونه يواجه مشكلة غياب الوعي به بوصفه عنصرا قديما في الثقافة والخيال العربيين، فهو يوجه مشكلة إنسانية مشتركة، ترقى إن تغدو معضلة أسمها حدة السخرية وحدود الحرية!


Post A Comment: