يحاول البعض ممن تعامت بصائرهم على حقيقة قتامة المشهد، أن يختزل أزمتنا الراهنة في نقص وانعدام وعي الشعوب السياسي حيال ما بجري من أحداث في العالم وانعكاساتها على الداخل العربي، كي يقلب المعادلة ويجعل العرب ضحايا أنفسهم أو الاخر من زاوية رؤياه الضيقة الأيديولوجية منها أو الحزبية أو الطائفية حتى مع إصراره على محاولة الظهور بمظهر الحيادة والالتزام بخطاب المنطق.
مثل هكذا اندساس في مسرح الحوار العربي المأزوم المهزوم هو ما يعسر من مهمة إطلاق العنان للعقل كضرورة اجرائية لتحرير الانسان العربي من شبكة الفخاخ التي يظله واقع فيها، وكلما حاول التخلص من خيط من خيوط الشبكة هاته، يجد نفسه ممسوك بخيط آخر، باسم ثورة جديدة تجب ما قبلها، أو تحديث يصحح ما سبقه، أو مقاومة جدية تعري خطأ أو خيانات المقاومات الفائتة!
بل حتى عملية تحرير العقل نفسها حملت داخل خطاب الثقافة العربية مثالب جمة وأظهرت الكثير من الاندساس خلف حياد هذه الجملة ومحورها "العقل" إذ كثيرا ما برز في خطاب العقلانيين أو "المتعقلنين" العرب اللا عقل بكل عنفه وعبثه وخطره على الكينونة العربية في التاريخ.
فخارج معضلة النسق الثقافي، الغائب الأكبر في وعي العرب وعقلهم العمومي، على اعتبار أن ما يجمع هذه الشعوب اليوم تحت مسماهم "العالم العربي" لم يعد أكثر من مشاعر وبقايا رنين لغة يتم في كل ثانية وكل آن تكسيرها بآلية المحللة، لتكريس الفرقة القُطرية باعتبارها الأداة الوحيدة التي من خلالها يمكن تمرير المشاريع السُميّة لقتل هذا الكيان الثقافي والتاريخي الكبير النائم، ببعث بعض الأصول الميتة للثقافات المحلية القديمة ولغاتها "المسمارية" من مدافن التاريخ والذاكرة الإنسانية – خارج هذه المعضلة – لا نكاد نجد سؤالا جديا مرجعيا لأزمة الأمة في فهم حالها خارج الاقتيادات الخطابية المغلقة والموجهة من قبل قيادات مذهبية أو فكرية أو سياسية لها مقاصد ومحاصد خاصة!
وعندما تقف بإزاء هكذا حال من فراغ السؤال وتلاشي معالم المعنى في عالم عربي يموج بنفسي، لا تكاد تسمع سوى أقراع الكلام القديم عن فشل المشروع السياسي العربي، القومي منه والوطني تحت المسمى الأبدي "الأغلبية الصامتة" بوصفها مركز فشل الانتقال الديمقراطي.
والغريب أن هاته الأغلبية الصامتة إذا ذُكرت بصفتها تلك فإنه يشار إليها بوصفها منطق الأمر، وبالتالي حاملة لوعي، لأنه لا موقف سياسي بقصد ورؤية من غير وعي بهما، لكن عندما لا تتفق هاته الأغلبية الصامتة مع "كهنة الوعي" وقادة الخطاب الثقافي العربي" تُحال إلى منابر الانتقاد بالانتقام عبر تجهيل وتسفيل الوعي والعقل العمومي العربي، ووسم الانسان العربي بكل عورات التاريخ الإنساني من تخلف وأمية.
ما يعانيه العقل العربي هو هذا التهريم والطبقية النُخبية التي تعطي لنفسها حق توصيف وتسفيه واقع هذا العقل متمركزة بغير وجه حق في الحالة العربية بخطاب بائس مرجعيته مشتتة مبعثرة منطلقة من وهم خيالاتها البيضاء، في حين يظل، والحال هذه، واجبا على منتجي السؤال العقلاني في العالم العربي الخروج من الاصطفافات المرجعية التي يقبعون فيها وبمحاذاتها حتى يستقيم سؤالهم ذلك عن حقيقة الأزمة.
فثقافة المقاومة، هنا على سبيل التدليل والاشارة لا الحصر، التي تجد لها صدى في الخواطر المكلومة للأمة، تبدو بفعل خفتها في التاريخ، غير ذات جدوى فيه، بل وقابلة للاستعمال في أي لحظة وداخل أي خطاب أيديولوجي أو مذهبي، حتى أصبح قدر الانسان العربي المزمن وكل ما يحمل من معاني كينونته هو "المقاومة" في حين يتطور خطاب الإنسانية وفق تطور أحداث التاريخ وصراعاته الفكرية والطبقية.
والأمر هنا عائد بالضرورة إلى مقاومة الثقافة التي تمارسها قوى ردع وعي التحرير من الخطاب التحرري القديم، باعتبار ذلك أفضل وسيلة لتكريس ومواصلة مصادرة العقل بفرض "ثقافة المقاومة" التي ترتهن خطوات العقل في التطور على تربة التاريخ، بخطوات الاقدام على تربة الجغرافيا، في حين نرى مثلا الصين التي تطالب باستعادة بعض أجزاء جغرافيتها الطبيعية التي استلبها منها الغرب في زمن غفلة العقل والحضارة الصينية، تعطي الأولوية للحكمة والنضج والتفوق على صعيد العقل بتكنولوجيته وتاريخانيته حتى تتمكن من الحصول على ما تراه حقها الطبيعي في تحصيل أراضيها التاريخية، ونقصد بها تايوان من بعد ما حصلت على هونكونغ.
بينما في عالمنا العربي، العقل المطبوع عل وهم الزعيم وخرافة الانتظار، وغيبية الانتصار، يتعطل كلية ما لم يعي كل الأشياء وكل الأطراف وكل الأحداث وكل هذا من خلال منظار واحد أوحد وأحادي لأنه وحده من يحمل حقيقة المقاومة ومل من عداه يحمل حقيقة الخيانة.
إذن، فالمعضلة الكبيرة التي يعانيها الانسان العربي هي عدم اتضاح الرؤية لديه بسبب المفاهيم المسروقة والاقتياد القهري للرأي واغتصاب الوعي الذي تمارسه ما تسمى بالنخب على حساب حيوية مسألة تحرير العقل وحرية التفكير والحق في السؤال دون خوف أو وجل من التكفير الديني أو التخوين الوطني أو التكميم البوليسي السياسي، ولن يتأتى هذا إلا بكف تلك النخب عن التحريم والتجريم الذي تمارسه على فعل القراءة بالانتقائية المقيتة، وفق خلفيتها ومقاصدها الأيديولوجية والفكرية والسياسية، ومحاولتها الدؤوبة لفرض نمط معرفي على الانسان العربي بزعم أنه مسار خلاصه الوحيد، عوض تركه يمشي قائما ومتعثرا حتى يبلغ هذا المسار بخياره ووعيه التراكمي التجريبي الحر.


Post A Comment: