أودِع مؤخرا بالجزائر نجل أحد أشهر القادة العسكريين لثورة التحرير الوطنية، الشهيد عميروش الحبس الاحتياطي بسبب ما وصف بتطاوله على مقدسات الأمة وتناوله لما اعتبر في الجزائر، بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر الجزائري، بكلام جارح وطاعن في وطنيته وجهاده ضد المستعمر الفرنسي، الحدث أريد له أن يتصدر المشهد السياسي بالجزائر في وقت يعيش فيه البلد على وقع أخطر أزمة سياسية منذ استقلال الجزائر قبل نحو ستين عاما، ولعب ورقة الهوية وما يسمى بالثوابت، سياسيا بين الخصوم السياسيين في الدول التي لم يطل المد الديمقراطي قضاياها التأسيسية بالنقاش الجدي والتجديدي، ليس وليد اللحظة الجزائرية وراهن صراعات أجيالها الفكرية والسياسية، ما يؤكد بأن الثوابت ليست تعني بالضرورة غلق الحديث حولها نقدا وتأويلا وإنما هي معنية بالأساس بمسار تطور الأفكار وإعادة صياغة معنى الوجود وفق واقع تطور عناصر السياسة الرئيسة كالدولة والسلطة والمكون المجتمعي بتنوعاته ومطالبه القديم منها والطارئ.

ما عاب قيادة الدولة القطرية العربية كنتاج لنهاية للفترة الكولونيالية الكبرى، وزائد اغتصابها للحكم بالقوة، هو ذلك الاملاء القسري لعناصر التأسيس الوطني، وتغول عنصر الحساب السياسي فيه أكثر من معطيات التجربة الوطنية، وهو ما زيف التاريخ الوطني وأفسد الواقع وضبب المستقبل في عيون الأجيال، مشكلا أزمة ذات كبرى لا تزال إلى اليوم تعوق كل محاولات النهوض الوطني بالدولة العربية القطرية الحديثة.

فالجماعات التي استولت على قيادات الدولة الوطنية العربية بالقوة، لم تكتف في محاولة شرعنة بادرتها الخطيرة بالاستلاء على الحكم غصبا، بل عملت على المس بالخارطة الجينية للمجتمع كي تستقيم مع شاكلة الدولة التي رام هؤلاء حكمها بالقوة، فكان المشهد في منتهى كوميدياه الدموية كما ذاك الخياط الذي خاط لباس لزبونه وحينما أخطأ في القياس راح يقص من أطراف الشخص بدلا من القماش!

 وما تداعى عن هكذا تصرف سياسي سلطوي عُصبي عصاباتي في مكنون المجتمع الثقافي والتاريخي ومحاولة قولبته وفق خارطة طريق الجماعة الحاكمة، هو اختفاء العقل والفكر في الحوار الوطني الما فوق سياسي وطغيان السجال والجدال في الأمر بين سياسيين مجردين من أبرز أساسات الحوار في الذات وهي المعرفة، ليتم من خلالهم وأحيانا من خلال من يقف خلفهم سواء في الداخل أو الخارج، وذلك بغية التلاعب بالعقل العمومي وتشكيكه ليس في الوعي الزائف بالهوية التي فرضته سلطة الدولة الوطنية العربية القهرية لما بعد الاستقلال فحسب، وإنما تشكيكه في كل ما سبق من مجرى التاريخ. 

إن احدى أسباب الهزائم المتتالية للدولة القطرية العربية اليوم في معارك التنمية والتطور، لتكمن أساسا في هذا النموذج من الصراع بين الوعي الجاهز المفروض من أعلى والوعي الناشز المقاوم من أسفل فيما يتعلق بالإطار المرجعي الثقافي للدولة الثابت في مجتمعات تتطور على كل الأصعدة وفق تطور التاريخ وأسئلته الكبرى.

فما كان لشخص جاهل بالتاريخ وعناصر النقاش الثقافي والفكري فيه، مثل نور الدين آيت حمودة، ابن الشهيد العقيد عميروش، أن يتصدى للحديث عن طبيعة ميلاد الدولة الوطنية الجزائرية من خلال منزعه السياسي الأيديولوجي غير الموضوعي وغير المحايد، وبأسلوب التخوين والتوهين، بدعوى أنه باحث في التاريخ السياسي دونما أن يكون له بحث واحد منشور في المكتبة الوطنية، لولا أن العقل والفكر حجر عليهما في أقبية المصادرة الشاملة للإرادة الوطنية من قبل سلطة الدولة القطرية العربية.

من هنا يتضح بأن مطلب الحرية واعتاق العقول الذي تناضل من أجله قطاعات واسعة واعية من العرب، ليس يستهدف به الانطلاق نحو الامام فقط، بل لإعادة بناء ركام الماضي من خلال معاودة فهمه بعيدا عن اكراهات الوعي الجاهز الذي أثقل به قادة الدولة العربية المستقلة على المجتمع، ولا بالوعي الناشز الذي رفض به بعض قواعد الاعتراض السياسي والثقافي لذلك المشروع، بل بالوعي الناجز الذي ينبع من تفاعل تراكم التجربة والأفكار والقراءات المتجددة لمسير الذات في التاريخ مفهوما وعملا.









Share To: