تُراودني فكرة الأنتحار في الليل بين الفينة والأخرى، حتى أصبح الأمر عادةً يومية؛ تتوفر هنا جميع الوسائل المؤدية إلى الموت، أو بالأصح للإنتحار ، لأن الموت شيء، والانتحار شيئًا آخر .. عند الباب في الطرف الأيسر من مدخل الغرفة توجد الكثير من الأسلاك الكهربائية العارية، وفي ركن الغرفة من نفس المكان توجد اسطوانة غاز قصيرة حدبا بلا رقبة، بِجوارها سكينة حادة ملمسها كفكِ سمكة، وعلى باب الحمام مسمار مُعلق عليه مُبيد للحشرات فالمكان هنا مليء بالحشرات، وأنا لست إلا حشرة مُكبرة .. وعلى الفسحة الواقعة بين الباب الرئيسِ وباب الغرفة يوجد حبلًا أُعلق عليه ثيابي بعد غسلها، وقرب الفراش سيجارة زهيدة الثمن أرتشفها أحيانًا .. حاولت أن أموت بكل هذه الوسائل .. أن أُنفذ مُهمة القتل بكل هدوء دون أن يشعر بي أحد، اقتربت من أسطوانة الغاز أمسكت ثقب الكبريت، مُحاولاً إشعال النار، لكن سرعان ما دسسته في قلب الصندوق، عندما خُيِّلَ إليَّ أن أمي تنظر إليَّ، كانت عيناها تدمع كمطر صنعاء الآن، تلوح بيدها، ولم تَنبَس بِبِنتِ شفة، وماهي إلا ثوانٍ حتى سمعت نحيب أيقظ جميع من في المقابر، إنه نحيب أمي، تُنادي بصوت مُتقطع  عُد إليَّ  ياحبيبي ، عُد لا تتركني وحيدة أرجوك ، لا تعصني عُد إليَّ يا ملاكي عُد .. سرت في جسدي قشعريرة حينها، وبات جلدي كجلد قنفذ بري بخصلات شعره المستقيم الحاد .. أويت إلى فراشي، اغمضت عيناي، شعرت بأنها تربت على كتفي قائلة: عُد إلى الله يا أسامة، اقرأ القرآن، أقم الصلاة، سبح بحمد ربك، وأستغفره إنه تواب غفور، ثم دثرتني، وذهبت .. صعقتني تلك الكلمات وهي من جعلتني أقاوم هذه الفكرة ..
قبل أن يحدث هذا كنت قد حاولت الانتحار؛ فذات مرة وضعت مبيد الحشرات بين الأكل، لكن الحدث صادف عودة صديقي من الجامعة فأخذني إلى المستشفى بمساعدة من أحد الجيران، وأنا على وشك أن يغمى عليَّ ، فأنقذني من فم الموت هو وذلك الطبيب العين...
ومرة أخرى أقتربت من كومةِ الأسلاكِ العارية مددتُ يدي لألمسها، لكن القدر أعلن نفاذ الوقود، مصطحبًا معه عطلاً في المحطة، ومرة حاولت تجربة الشنق فكانت الحبال ركيكة جداً، لم تتحمل جثتي ، سقطت على الأرض دون أن تُخدش رقبتي حتى ، أما السِكين فهي التجربة الوحيدة التي لم أجربها حتى الآن، لأن في كل مرة تراودني الفكرة أتذكر كلمات طيف أمي، وأسجد باكياً إلى الله، وكلما شعرت بالكآبة قرأت القرآن، وعندما ينتابني الخوف دعوت الله أن يمُدني بالأمان. وتأكدت أن لاحياة بلا صلاة، ولا سعادة بلا قرآن، ولا طمأنينة بلا إستغفار ..





Share To: