تهت شارد الذهن  في غياهب الوجود ، في رحلة الحيرة بين هذا وذاك ، بين جدلية المطلق و النسبي ، بين المثالية وبين المادية المحضة ، فاخترت مركبة المطلق لعلي أخرج من نفق الحيرة.. لعلي أجد نفسي ، فامتططتُ خيل الطوباوية ، وحلقت بخيالي في المثالية ، وهربت إلى قمم الجبال الشامخة ، و دخلت أعماق الكهوف ، فرارا من المحدود المادي ، باحثا عن عنوان هويتي ... لكن سرعان ما تبين لي أنني هربت من محدودية الطبيعة (الأرض الحياة الطبيعية) ، إلى محدودية التصوف السلبي والرهبة الرهيبة .. فانفصلت عن المطلق و ركبت مركبة المحدود ، باعتباره عالم واقعي ملموس ، أحتك به بكل حواسي : تراه عيني ، وتسمعه أذني ، و تلمسه يدي ، ويشمه أنفي ، وترتبط به حياتي.. و استغرقت بكلي فيه و انغمرت هذا الاتجاه بلحمي وعظمي ودمي وعروقي...لكن سرعان ما شعرت بأنني حولت هذا المحدود إلى مطلق ، و علمت أنني لم أنفصل و لم أتحرر عن مطلق إلا على أساس الإستغراق في مطلق مصطنع..  هكذا وجدتني أقف عاجزا بين (أنا) المطلق وبين (أنا) المحدود.. وجدتني حائرا بين عملاقين ، مطلق يفرض نفسه في كل حركاتي وسكناتي ، وبين محدود لا مفر ولا منجى منه .. أنكرت المحدود فوقعت في محدود أضيق ، و أنكرت المطلق فوقعت في دائرة مفرغة و حرت في خط اللاإنتماء .. إنها محنة ما بعدها محنة ، محنة الأنا ومحنة الهوية ، محنة عندما تفر من شيء و تقع في أسوأ منه ، محنة عندما تنكر شيئا فيقودك إلى الإيمان بلاشيء .. بعد هذه الجدلية ، وبعد الرحلة الوجودية ، وجدت خيطا من نور ، فاستعملته لفك رموز جدلية المحدود والمطلق .. فوجدت أن المطلق والمحدود لكل موضعه ، المطلق في الموقع الذي يستحقه ، و المحدود في الدائرة التي وجد من أجلها ، و بالقاعدة العقلية تيقنت أن المحدود مخلوق المطلق ، و الإيمان بالمطلق حتما يقودنا إلى الإعتراف بالمحدود الذي يعتبر دليلا عليه... فانتشلت نفسي من ضيق المحدود إلى سعة المطلق و من خيال الطوباوية و الرهبنة إلى فضاء الواقع ..






Share To: