يقال و على الرغم من كونها نادلة في هذا المقهى الشعبي، كانت في ما مضى تعيش حياة هنيئة أروستقراطية بمدينة الدار البيضاء، لكنها اليوم نادلة في هذا المكان الذي يطل على دار الثقافة، تقدم لرواد المقهى القهوة وتبتسم لهم أحيانا، ربما تبتسم في ملامحهم دون سبب يذكر، ربما رب العمل يرغمها على فعل ذلك.!
وكالعادة في كل مرة، أطلب فنجان قهوة سوداء، فتجلبه لي بسرعة، وتقذف بالفنجان فوق الطاولة وتتبسم كما تفعل دائما مع أي زائر.
قلت لها:
_ شكرا لك أيتها الآنسة..
قالت:
_ لا شكر على واجب سيدي..
أخبرني صديقي الكباشي أنه ذات ليلة مارس معها الجنس في البيت، وقد شعر لأول مرة أنه يضاجع عاهرة تمنحه كل اللذة التي كان يحلم بها.
ومما أخبرني به الصديق، قصتها الغريبة والإسثتنائية.
كانت تبلغ من العمر الخامسة عشر، كانت مجرد طفلة جميلة، تعيش مع عائلتها الميسورة في إحدى الأحياء الراقية بالدار البيضاء، والدها كان دائم العمل في شركته التجارية، وأمها إمرأة شهية المنظر، تهتم كل يوم بشكلها ومظهرها الخارجي، كأن الجمال بالنسبة لها إله خالذ، لذلك كانت تعتني بنفسها جيدا، بحيث تشتري أحدث ما تجود به الموضة الحديثة، وأغلب أوقاتها تمضيها في الصالونات التجميلية رفقة صديقاتها المذلالات، ذلك كونهن أيضا يتوفرن على قدر من السمعة والثراء.
الطفلة حنان كانت تشعر دائما بأنها انسانة منبوذة، ووحيدة، وما كان لتلك الماديات أن تملأ لها هذا الفراغ العاطفي الذي كان نوعا من الفوبيا الخطيرة تعيشه بإستمرار.
كانت تدرس في مدرسة خاصة للفنون الجميلة، وكانت عازفة ماهرة، تعزف على البيانو والجيثار حتى أن كل من سمعها انبهر بها ولانت حواسه، كل من في المدرسة كان يتنبأ لها بحياة سعيدة راقية..
بعد أن تخرجت من مدرسة الفنون الجميلة، واصبحت شابة يافعة، انغمست في حياة جديدة في تلك المدينة الموغلة، وكانت لا تبادل اي مشاعر حقيقية لأهلها، بإعتبارهم هم من تركوا في قلبها احساسا بالوحدة، فقط كانت تبادلهم بعض المشاعر الباردة، تأكل طعامها معهم في جو أسري تم تنسل إلى غرفتها لتعزف على الجيثار او تقرأ شيئا من الكتب، كلما سألها أبوها عن مسار دراستها أجابته على الفور بأن الأمور تمضي في أحسن حال، لكنها كانت صادقة ومخادعة في نفس الوقت، فلقد إتبعت ثقافة جديدة مع رفيقاتها ، ثقافة الهيبي ، وزميلاتها هن مدخنات شرهات، وهن كذلك يعزفن على القيثار.
ووجدت حنان نفسها قد انغمست في حياة من الإدمان دون أن تحس بالأمر ، بعد أن تخرجت من المدرسة التي كانت تحلم بها، التقت بلوسي، صدفة في حديقة عمومية، وكانت لوسي تنصت إلى عزفها بإمعان وحب، تم بادرتها بالتحية ، وبعد ذلك، ماذا حدث؟؟ أصبحتا صدقتين، ومضت صداقتهما على ذلك الحال، واكتشفت حنان أن رفيقتها مدمنة ومدخنة شرهة، فحياة لوسي مرتكزة على البارات و الشوارع والحدائق العمومية والعزف والسفر والتيه اللانهائي.
في إحدى المساءات الصيفية، وبينما كانت حنان شاردة الذهن، لم تكن برفقة أحد، إلا مع نفسها، في بار وديع، مسيقاه تنبعث هادئة، طلبت كأسا من الكونياك، طلبت كأسا آخر، آخر وآخر، حتى بدأت تشعر أنها لا تستطيع أن تقف على رجليها الجملتين الناعمتين، كان هنالك شاب جميل في أقصى الركن، يراقبها بلهفة، وقد كان غير بعيد من طاولتها، ربما هذه هي فرصته، اقترب منها وجلس.
قال :
_ تبدين ثملة اكثر من اللازم يا جميلة.
_ قهقهت عاليا حتى سمعها كل رواد البار..
لم يعيروها أدنى اهتمام، هم أيضا ثملون ولا يكادون يمسكون عقولهم من فرط الخمرة.
طلبت حنان من الشاب الجالس بجانبها وبدون مقدمات أن يسندها على كتفه لتتمكن من الرحيل صوب شقة لوسي، والعجيب في الأمر أنها لم تسأله بالمرة عن إسمه، وما إذا كان موظفا أو راضيا أو مرتبطا مع إحدى الجميلات، فقط استندت على كتفيه وخرجا معا من داخل الحانة، لم تكن قادرة على استيعاب العالم من حولها، الأشياء في عقلها تبدو كشاشة مشوشة، كانت فقط تسمع بعض كلمات الشاب وهو يتوعدها بأعظم ليلة ستعيشها رفقته.. بعد ذلك أغمي عليها بالكامل، انطفأت حواسها، وهنا لم يكمل لي صديقي الحكاية، قال هذا كل ما أعرفه، وقد زعم بأن من أخبره القصة أيضا لا يعلم نهاية الأحداث، هناك من يقول بأنها اغتصبت من طرف أحدهم، وآخرون اعتقدوا أن والدها الأروستقراطي طردها لأنها أساءت إلى سمعته، وتوالت الحكايات العديدة بين تصديق أو تكذيب حول النهاية المأساوية التي حلت بها، لكنني استنتجت من تلك الليلة التي مارست معها الجنس والتي كنا فيها ثملين، إنها انسانة انصدمت بشيء ما مر في حياتها، كأنه ذنب عظيم اقترفه، لكنها غير آبهة به..

Post A Comment: