ثمة جسران يربطان العرب بالغرب في تفاعلهما التاريخي غير المادي، مذ تماسا وتلامسا في هدأة الحضارة ووهدة الصراع، هما الاستشراق بوصفه الايغال الغربي في مدسوسات الذات الشرقية ومحاولة، ليس فقط ادراكها بل استدراكها، قبل أن يبزغ الأدب الكولونيالي ليعبر عن قيمة مفرزات تفاعل آليات الصراع الدموي منها والروحي في فترة انبساط الاستعمار في القرنين الماضيين!
هما إذا نسقان معرفيان فرضا بحكم منطق التاريخ أشيائهما على العقل العربي، بحيث صار يبحث من خلالهما عن نفسه وشاكلة انبثاقه وحضوره في مرآة الغير.
وإذا كان الاستشراق قد آل فيه العقل العربي إلى شيء من الندية في تناول مستخلصاته الكبرى، التي اتضح بأن موضوعاتها قد تجاوزت نطاق الممكن في منهجها ومضمونها وصارت تتمدد من مستوى محاولات الفهم إلى مستوى إعادة تشكيل حاضر العرب بإعادة تشكيل ماضيهم من خلال التزييف والتحريف، وبالتالي التشكيك في هوية الوجود والنظر للأفاق، فإن الأدب الكولونيالي لم يكن في غالبية موضوعاته سوى استمرارا واستنصارا للذات الاستعمارية المتفوقة عبر آلية الخيال.
وفي الحقيقة مهما قيل عن المنجز المعرفي الاكاديمي للعرب حول الظاهرة الكولونيالية التي تعد فارقة في نمطه الوجودي كونها نقلته إلى مستويات أخرى من الوجود في التاريخ والجغرافيا، بعد سقوط الخلافة والتحول باتجاه القطرية، فإن الأدب الكولولنيالي لم ينل ما يستحقه من العناية لمعاودة فهم العقل الغربي وخياله وهما ينظران إلى العرب داخل فضائهم المكاني غير المستوعب فلسفيا وفكريا، ويستنطقان مكنونات الذات العربية من خلال الشهود المعاش لعقود أو لقرون حتى، وكيف تفاعل الوعي العربي مذ آن أوان صحوته، مع فكر ومشروع الاستعمار.
طبعا لم يشد الأدب الكولونيالي عن مسارات الانبساط الغربي في تاريخ وجغرافية العرب سيطرة وتسطيرا، فارضا لغته في المناطق التي طال فيها وجوده كالمغرب العربي وبدرجة أكثر الجزائر التي استوطأها واستوطنها لأكثر من قرن من الزمن بل إنه لعدها جزء من التراب الفرنسي، وأحسن من أبدعوا حين كتبوا داخل النسق الكولوزنيالي كانوا ممن ولدوا ودرسوا في ربوع المستعمرات.
لكن الظاهرة التي يمكن الوقوف عندها بما تستلزمه من تفكر، وبالإضافة ضرورة البحث في هوية وماهية الادب الكولونيالي المكتوب في مستعمرات الغرب ببلاد العرب، هو ذلك السعي الحديث والحثيث للتمركز الغربي في كتابة تاريخ المستعمرات العربية، ومحاولة فرض، بداعي الموضوعية وحياد العلم، رؤية أخرى أو قانون لقراءة التاريخ الكولونيالي، وشاهدنا كيف أن مؤرخين وفاعلين في التاريخ الوطني للجزائر مثلا اشتركوا في مؤلفات مع مؤرخين فرنسيين كما كان في تجربة المناضل والاكاديمي محمد حربي مع المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا ذي الأصول اليهودية وهو من مواليد الجزائر أيضا، هذا الأخير الذي راح في إحدى محاضراته إلى حد الطعن في حصيلة شهداء ثورة أو نوفمبر والمقدرة بمليون نصف مليون شهيد، مستندا في ذلك على مقارنة بالحجم الديموغرافي للجزائر في تلك الفترة أين كان تعداد سكان البلاد لا يربو عن التسعة ملايين نسمة !
كما وأن ستورا لا ينفك في كل محاضراته حول الفترة الكولونيالية يثير أو يشير إلى القضية الامازيغية، مع أنها في زخم وحجم القضية الوطنية ومواثيق الحركة الوطنية لا تعدو أن تكون قطرة من بحر، فو إذن يقزم الأعظم ويعظم القزم في التاريخ الوطني الجزائري، بقصد خلخلة المرجعية التاريخية للشعب ما ينجم عنه ظهور الكثير من الأسئلة التي لا تستجدي إجابات، كونها أسئلة لا تستقر الإجابات عنها في الماضي لطارئتها على العقل الوطني، وإنما تقتضي قرارات، من هنا يتكشف أن هكذا مسعى هو استمرار لأداة الاستعمار في الحضور القلق لرؤاه وتعاليمه وتوجيهاته للكيانات القطرية التي اختلقها وأساء خلقها.
وبذلك يتضح أنه إذا كانت الكولونيالية تجلت كخطاب عقلاني ومخيالي من خلال الفكر من جهة واللغة الأدب من جهة أخرى، في التعبير عن فترة الانسحاق العربي تحت وطأة الاستعمار وما خلفه ذلك من تكسير وانكسار في جميع البنى الفوقية منها قبل التحتية بالتعبير التحليلي التاريخي المادي الماركسي، فإنها لتسعى اليوم للحضور في كتابة التاريخ ومحاولة التأثير فيه عبر محوري الماضي والحاضر، وهذا في ظل إخفاق العقل العربي عموما في افراز أنساق معرفية للتاريخ وتاريخية للمعرفة تنأى به عن البقاء في التبعية الشاملة للإرادة الكولونيالية.


Post A Comment: