تراجيديا سؤال الشرعية الزمانية والمكانية للحضارة العربية الإسلامية، ليست مستمرة فقط على مستويات جموح عناصر النص بفقهياته المقاومة للتحييد والتجديد بسبب أزمة العقل التي يعاني التاريخي الإسلامي في ثنائيته الحوارية أو الحرابية كما يُراد لها مع الروح، بل تستمر، بل إنها لتستمر في عناصر أخرى من مثل عدم الايغال النظري والفكري في الجزئيات المهمشة في عملية البناء الحضاري الأولى للامة من مثل الفن وما تحمله قصته وأشكال أدوته من سمات متممة للوحة الحضارية وحقيقة العطاء التاريخي للإسلام خلافا لادعاءات الاستشراق الغربي والاستغراب العربي التي تدين الدين بكونه قتل الجمال ولم يسهم في نشره فضلا عن ترسيخه.
في هذا السياق سئل مرة الموسيقار المغربي الراحل ومؤسس مجموعة "المشاهب" الدكتور شريف لمراني عن حقيقية تطويره لآلة المندولين، فأجاب بأنه حاكى في ذلك الموسيقار الشهير في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية زرياب الذي أضاف وترا آخرا للعود بعد حلوله بالأندلس قادما من بلاد الرافدين، لكن ما يسترعى طرح السؤال هنا، هو هل ثمة دواع غير ذاتية لتطوير أدوات موسيقية تتصل بالمكان وطبيعته الثقافية وخلفيته الفكرية؟
فالعود الذي يمتد حضوره في سحيق الآماد مذ ظهر أول مرة بحضارة وادي الرافدين، عبر من خلال صوته الموسيقي الداخلي المنبعث شكله أي من قبته الخلفية، عن منزع روحي كان دوما سمة الثقافة والفلسفة الشرقية، وحتى إذا ما تمددت الثقافة الشرقية نحو الغرب وصارت هوية للمكان في المغرب العربي والاندلس حاز العود ذات العشق بحسبانه العاكس الفني لقيم الشرق التي انتشرت بانتشار الإسلام بالمنطقة.
بيد أن ذلك لم يمنع العود من الاستجابة لاشتراطات المكان الثقافية وخصيصة المغايرة الجزئية التي تسهم في التكامل الفني داخل النسق الثقافي العام، فالصوت الغنائي الذي ينتج صوته الموسيقي يقتضي التعديل عبر الإضافة وليس النقصان (التحسين) الغالب الاعم على الآلة ولعل هذا ما حدا بزرياب لإضافة الوتر الخامس الذي أضاف، بالنظر للطابع الغنائي والموسيقي لمنطقة المغرب العربي والاندلس حيث تمازجت وتماوجت الطبوع الامازيغية والعربية والمتوسطية.
ومثله كان الداعي حديثا غير المكاني هذه المرة، بل زماني البحت، في تجربة الراحل شريف لمراني الذي بادر عبر ما وصفه بالمحاكاة للزرياب بإضافة وتر آخر للمندولين، والحقاه بأداة صوتية acoustique ليغدو بالقدرة اللازمة على تحقيق المصاحبة الصوتية للمجموعة باعتباره الآلة العازفة الوحيدة لفرقته الغنائية "لمشاهب" (جمع دارج لمفرد الشهاب).
والمندولين الذي ظهر بغرناطة قبل أزيد من عشرة قرون، هو آلة المغرب العربي الموسيقية في مقابل العود آلة المشرق العربي، صوته الايقاعي خارجي كونه لا يمتلك القبة الخلفية فكان بتالي سيميائيا معبر عن العقلانية (الرشدية) التي كانت أساس الفكر والثقافة بالأندلس والمغرب العربي.
المؤسف أن الفكر الموسيقي العربي لا يواكب الأسئلة الحضارية الكبرى التي تطرح على مستويات النشاط العقلاني والثقافي في البلاد العربية، وظل من خلال جهود أصحابه مكتفيا بالجانب الموسيقي التقني الصرف غير منخرط في سجالات الجوهر والمعنى وهي السجالات التي تتهدد شرعية الوحدة الثقافية والهوية العربية بوصفها ذاتا ثقافية خاصة لا تعبر عن نفسها فقط من خلال عراكاتها مع نفسها ومع الحداثة أو مع الآخر، وهذا ما يجعلها طفيفة خفيفة في عقول أبنائها واتباعها قبل عقول الآخرين المناوئين لكل ما هو عربي إسلامي حتى لو كان انتاجا فنيا.
فالملاحظ من قصتي زرياب ولمراني كيف أن وترا مضافا لأداتين موسيقيتين قد عبرا الزمان والمكان بشكل خارق يكشف طبيعة التفاعل الروحي والعقلي الذي حصل داخل الثقافة العربية الإسلامية خارج مطارحات فلسفة الكلام وعلومه ومعارك النصوص التأسيسية للثقافة الإسلامية.
هذه الثقافة الذي عكس ما يُنظر إليها بكونها حملت مذ ولدت بذور فنائها كونها كانت بذور شر لا خير، إذ حاربت الموسيقى والفن وكل ما يتصل بنشاط الروح خارج النصوص التعبدية الفقهية، بل إنه لأريد للفقه الإسلامي أن يظل صامتا أمام الموسيقى وأن استنطق يفضل تحريمها على تحليلها، وإذا بزرياب في ارتحاله إلى المغرب العربي والاندلس يحمل مؤثرا حضاريا يتجاوز في عمره ميلاد الفكرة الإسلامية فيصبغ بها المكان بتخوم الغرب، حتى أن باحثا إسبانيا في الموسيقى الاندلسية والغربية كان قد توصل في أبحاثه إلى أن أساس الروائع السيمفونية لبيتهوفن هو موشحات الاندلس ما دفعه للغوص في طبيعة النسق الثقافي العربي بغية فهمه فانتهى به الامر إلى الاسلام !
والامر ذاته انطبق على شريف لمراني الذي في مقابل زرياب، تجاوز بالوتر الذي أضافه للمندولين، الزمان وأحياه في الفضاء الموسيقي لمنطقة المغرب العربي، إلى درجة أن الأمر أبهر الفرقة الموسيقية الألمانية ذات الصيت العالمي "ديسيدتنسن" فأنتجت الفقرتان أعمالا مشتركة!


Post A Comment: