لم يكن لها عمل غير التجوال في المقاهي من طاولة لأخرى،وكلما وقفت عند إحدى الطاولات الا وتبدا تمعن النظر في الجالس عليها وهي تتمتم بشفتيها كلاما غير مفهوم،وتمد يدها،... الكل كان يفهم أنها متسولة وهي تسمر أمام الجالسين طالبة لشيء من المال ان تكرم احدهم ومدها ببعض الدراهيم القليلة.كانت تجد سعادة غير متناهية حينما تقع درهم في يدها وتقلبها مرة او مرتين او ربما اكثر بين اصابعها.لكن نادرا ما كانت تحصل على ما تطلبه بتمتمتها تلك،فالناس لا يتقون بأن كل متسول يفعل ذلك تحت الحاح الحاجة.حدث يوما كانت مسمرة امام طاولة يجالسها عجوز،فلما نظر إليها اكتشف شيء غريب في عينيها وملامحها،علاوة عن ذلك رغم أنها مهملة لذاتها الا انها كانت تبدو شابة لم تتجاوز بعد العمر الثلاثين،وسبب الاهمال لن يكون سوى قسوة الحياة عليها وعدم شفقتها على تلك الروح الناعمة.نهض العجوز في شيء من التروي وحرك كرسي بجانبه نحو الخلف ودعاها للجلوس،وطلب لها كوب قهوة،بينما هي احمر وجهها من شدة الخجل،بادرها العجوز قائلا في شيء من نبرة التأسف:أنا وحيد يا بنيتي،زوجتي توفت،وابنتي المراهقة غادرتني خلف اتهامها اياي بالتسبب في موت الوالدة،وانا أبحث عنها اكتشفتها ميتة في بقايا منزل مهجورة مخربة،ومن حينها لعنت الحياة وبقيت هذه الطاولة التي ترينها أمامك ذكرى من ابنتي الغالية،حيث هنا جلسنا مرة وحكت لي الكثير من الامور عن حياتها الخاصة بشجاعة،اشياء اغضبتني واشياء اخرى افرحتني وقبل ان اتصالح معها بالشكل الكامل حدث ما حدث في ظروف لم انتبه خلالها الى ضرورة الالتفات الى ابنتي وأحضنها،وكل يوم اجالس هذه الطاولة اسمع ثرثرة أبنتي كأنها هنا معي...بعد العودة اجد كل شيء مبعثر في المنزل ويتعبني ترتيبه كثيرا،ان قمت بهذا الدور بدلا عني سيكون من نصيبك العيش في منزل وشيء من المال.فهمت الشابة المتسولة التي ازدادت خجلا وانحنت وبدأت تقبل يديه فيما احرجه ذلك وتدارك الموقف بعناقها،وهي متشبتة بكتفيه نزلت دمعتين على خدي العجوز ولم يكن قادرا على كبحهما،فيما كانت بدلته من جهة الظهر مبللة بالدموع....كان موقفا انسانيا ناذر الحدوث.

-اسماعيل مقران:موقف يرتجف له الإنسان من شدة عمق الشعور والاحساس الذي يحمله.








Share To: