مما لا شك فيه، أن دار خيال للنشر والترجمة الجزائرية التي مقرها ببرج بوعريريج من خلال ما تقدمه من منجزات وأعمال وإصدارات للساحة الثقافية، يشكل طفرة نوعية صنعت الخصوصية والاستثناء مقارنة مع دور النشر الأخرى التي لا تزال وما تزال تقتات وتتغذى في مشاريعها على الأسماء اللامعة والأعلام البارزين، إذا ما قورنت بدار خيال التي أعادت الاعتبار للجميع بدون استثناء ورأت فيهم بذور الخير بتشجيع المواهب والمبدعين والشد بأزر الشباب خصوصا، إذ تعمد هذه الخطوة الحاسمة في سياقها العام في انتشال الثقافة من الركود والسبات والانتقال بها إلى مصاف الريادة التي تركب قطار الإبداع الذي يكون علامة فارقة بين الأمس والحاضر، وتقتضي منا الحقيقة الموضوعية الإشارة إلى أن دار خيال للنشر والترجمة حفلت في مشوارها بالعديد من الإنجازات والمشاريع في وقت قياسي وعمرها لا يتعدى الثلاث سنوات، وهو ما يعني أنها دار لا تزال فتية إلا أنها استطاعت أن تلفت الأنظار إليها لتصنع التفرد والتميز المتجاوز لمفهوم المستحيل؛ لأن الفارق بين المستحيل والممكن يتوقف على عزيمة المرء وإصراره، وهذا ما تفسره الممارسة المرتبطة بتلك الغايات التي تصب في صالح الشأن العام أو المجال الإنساني والثقافي، ويتعلق الأمر، بمئات الإصدارات في الثقافة والشعر والأدب والدراسات الأكاديمية على تنوع حقولها المعرفية.
هذه الإطلالة المفاجئة في مؤشراتها الأولية جعلت من جمهور القراء والمعجبين والمثقفين على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم وتوجهاتهم الهرولة بالوقوف على عتبات بابها وكلهم أمل في أن يحققوا مرادهم وغايتهم، والشيء الذي يبعث فيهم الرضا والارتياح عبارة خيالك واقع، هذا الملفوظ على الرغم من اقتصاده اللغوي إلا أنه يقيم علاقة حميمية طافحة بالمشاعر والأحاسيس، إذ يغازل الذوات من منطلق الطموح والأمل الذي ظل معلقا سنوات وسنوات بفعل الاحتكار والمحسوبية والعنصرية التي فعلت فعلتها في المشهد الثقافي، وتبعا لذلك، فالرغبة في نشر المعرفة باكتشاف المواهب والطاقات العلمية الفذة؛ منحها حرصا في غاية الأهمية من خلال تسهيل مهام الباحثين الراغبين في نشر أعمالهم، إذ سخرت كل مجهوداتها الجبارة في تقديم خدمات لهم تواكب تطلّعاتهم ورؤاهم وحاجياتهم على كافة الأصعدة.
وأمام هذه التجربة المتفردة في صورتها الإيجابية المثمرة، لم تكن لتحضر أمام أعيننا في شقها الملموس لولا أنها أخذت على عاتقها تلك المسؤولية الملقاة على كاهلها في تقديم خدمات جليلة للمعرفة والعلم والثقافة عبر نيتة مبيتة، ويتعلق الأمر، هاهنا في بداية الأمر بالجانب الأخلاقي الذي أخذ حظا وافرا على مستوى المعاملة والتصرف والسلوك الراقي والمتميز الذي أظهرته دار خيال بطاقمها الذي يشبه خلية النحل المتمثل في تلك الحركة الدؤوبة والنشطة التي تصب في خانة الفعل البراغماتي، والتي يتزعم مشهديتها منسقها العام المبدع والمتألق رفيق محمد طيبي، حيث أظهر هذا الأخير حصافته وتميزه على مستوى الممارسة البناءة التي تعقد علاقة تكون وثيقة الصلة بينه وبين الزبون، واللافت للنظر وأنت تتبادل معه أطراف الحديث يسحبك إلى مساحات تلامس وجداناتك من خلال ذاك السمت والحلم الذي يحظى به، وتلك الهالة التي أنعم الله عليه بها، وعلى الرغم من صغر سنه إلا أن كفاءته أهلته ليخوض غمار هذه التجربة التي تكون هي الأكثر صعوبة في ظل واقع إذا أمعن النظر فيه أتاك بكل ما هو رديء ومهترئ ولا يبشر بالخير، ولكن من باب الفأل وكما يردد دائما الشاعر والكاتب رفيق محمد طيبي القادم سيكون أجمل، هذه المحطة بالضبط شكلت النواة الجوهرية التي اشتغل عليها رفيق طيبي بطاقمه المتميز والفريد من نوعه.
وبالتالي، كانت النتائج في عمومها إيجابية، ويشهد على ذلك الكل بعيدين في ذلك عن كل بروتوكولات المجاملة والمحاباة المجافية لأخلاقيات الاعتراف المبطن، وهذا ما لمسناه فيهم من جدية وحزم في إتقان العمل بكل شروطه ومعالمه، ونخص بالذكر، المعايير الجمالية التي تقيم انسجاما وتوافقا مع الاشكال المتعارف عليها دوليا في فن الطباعة والنشر وإخراجه في حلة بهية تسر الناظرين، نتيجة التصميم والضبط المحكم الذي يروم خدمة المشهد الإبداعي، كما لها أنشطة متنوعة من خلال مشاركتها الفعالة في كل المعارض الوطنية، يأتي في مقدمتها المعرض الدولي للكتاب الذي يقام بالجزائر العاصمة كل سنة، فضلا عن ذلك، المواعيد التي عبدت كل الطرقات أثناء التواصل سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف وغيرها من طرق التعامل المتنوعة على أرض الحدث، بما فيها تلك المرافقة المتعلقة بالتغطية الإعلامية التي تخص الكتاب والمبدعين الذين تسنى لهم طبع أعمالهم فيها، بالترويج لكل نشاط أو حركة يقومون بها داخل المشهد الثقافي، مداخلات، منشورات، بيع بالتوقيع، ندوات، حصص سمعي/بصري... كما تحرص دار خيال على ربط جسور التواصل بتسليط الضوء على الأصوات الإبداعية الواعدة والطاقات العلمية الوازنة المقيمة خارج الجزائر؛ بهدف رسم خطة تقيم تعارفا بين الطرفين عبر معانقة ثقافية تنهض بكل أسباب الدينامية التي تعبئ من الفكر النهضوي انطلاقا من تبادل المعرفة والآراء، إذ من شأن هذا الدور الفعال التسريع من وتيرة تحريك الثقافة والفكر والعلم والأدب والفن...
وقصارى القول، فإن دار خيال للنشر والترجمة بقيادة صاحب رواية " ليل الغواية " رفيق طيبي رسمت خطا صاعدا فض بكارة الصعوبات والتحديات التي كانت تواجه الكتاب والمبدعين في زمن لم يعد ينظر فيه إلا للأسماء اللامعة التي حلقت عاليا في سماء الكتابة والإبداع، مما انعكس ذلك إيجابا على مستوى التأليف والطبع الذي أنعش الحركة الثقافية ورمى بها في حضن التواصل والتفاعل، ولخلق حوار مؤثث يستجدي بكافة المقاييس ها هي الآن دار خيال تفتح ذراعيها ككل مرة لكل شاب أو كهل أو شيخ أو طفل سواء أكان ذكرا أو أنثى يطمح في أن تكون له بصمة في هذه الحياة، آخذة بعين الاعتبار الأعمال على اختلافها من خلال إتاحة الفرصة لكل الطامحين حتى يتسنى لهم الدخول في بوتقة المشهد الثقافي؛ ليرسموا أسماءهم في خارطة الإبداع الفكري والمعرفي، وهذا ما أشادت به دار النشر خيال عبر صفحتها على الفايسبوك " تعتزم "خيال" مواصلة تطوير مشوار التعاون والصداقة والعمل المشترك مع المؤلفين والمبدعين من مختلف الحساسيات وعلى اختلاف التوجّهات الثقافية والإبداعية والعلمية، كما تؤكد على دعمها الكامل للمؤلفين وخاصة الشباب " حيث أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب بنا إلى أبعد الحدود، ويتجلى ذلك في تلك الرغبة الجامحة في أن يتم التواصل ليس فقط مع أصحاب الشمال، بل حتى مع أبناء الجنوب هناك في الأقاصي البعيدة المتواجدة في عمق الصحراء، وبشكل صريح تقول دار خيال على لسان القائمين عليها " تهدف "خيال" إلى توسيع دائرة انتشارها وطنيا وعربيا، وتؤمن بأنّ خزانا إبداعيا وعلميا كبيرا تحتوي عليه الصحراء الجزائرية باتساع رقعتها واختلاف أذواق مؤلفيها وكتابها، ومن أجل ذلك تسعى لتسهيل انتشار أعمال مبدعي الجنوب وتسهيل نشرها بضمان الخدمة والتوصيل والتغطية " فأعطت هذه الصورة البارونامية ضمن عوالمها المفتوحة نفسا جديدا ومتجددا قلص من هوة التباعد، وربط جسور التواصل في أسبقيته المنطقية من أجل تحقيق الأهداف المرجوة، التي تعزز من سبل الإرادة التي تخدم الفكر والأدب والثقافة، فهنيئا مرة أخرى لدار خيال وللقراء والكتاب والمبدعين في رفع راية العلم والثقافة والمعرفة بأن ترفرف عاليا، فدام نبض الحرف في آفاقه المنتظرة.

Post A Comment: