لا لم يغضب من مقابل المساعدة التي قدمها له ذلك الأشقر، لأنه كان قد انتهى لتوه إلى الإجابة عنه سؤاله الوجيع، مذ جفت أسماله وذاب من قدميه ملح العبور تحت شمس باريس الندية، وقرر أن يتعلم الكلام قبل أن يتعلم كيفية الحصول على الطعام، لذا شكر صاحبه على الجريدة الطويلة العريضة، وراح يفتحها واقفا أمام البريد المركزي، بدا كمن يفتح خرائط البلاد أو كما العاملين على طوبوغرافيتها، لكنه شيئا فشيئا راح ينجذب إلى الرائحة التي تفوح من طوايا الجريدة، شيء من رطوبة البلاد، عبق القِدم، زوايا المخازن والارشيفات المعتمة، احتار من أين تنبعث هاته الروائح، هل من حلفاء الجريدة أم من حبرها أم من الأمكنة المصورة على صفحاتها، ابتسم ساخرا من تفاهة تفكيره "روائح الأمكنة بالجريدة ! ما هذا الهراء؟
وحين رسا على صفحة الثقافة رآها مبتسمة بتسريحة شعرها الشهيرة، تنظر إلى ما خلف الكاميرا أو آلة التصوير، حضور العظمة، سرور الشهوة الملجمة، القصر الكبير يتناهى من خلفها إلى نقطة صغيرة، لكن لا شيء فاح من عطورها بالجريدة، فضحك مرة أخرى من العطور والروائح الصامتة بالجرائد، الكل يحمل بالجريدة عطر الأبيض والأسود كما عمال الفحم، الكل يحمل عطر الرطوبة حتى كاترين دونوف التي لم تسل منها قطرة عرق بدت له من خلال الجريدة، جوهرة برية داخل منجم أبيض وأسود!
لكن ما حيره لماذا كانت تبدو له ذابلة في خريف العمر قبل عبور البحر على قارب خشبي قديم، هل تتأثر الصور على الجرائد والشاشات ببعد المسافات لتصل من ارض الغرب إلى أرض العرب هكذا مشوشة مشوهة، والجمال يكاد يشيخ بينهما مع أنهما جيران يفصل بينهما حوض ماء أبيض متوسط؟
أدان في نفسه محركا رأسه يمينا وشمالا، قِدم الصحف العربية برغم حداثتها، ورثة أوراقها وقِدم المحطات التلفزية وتهري آليتها، وثقل حركتها إلى درجة أنها تشوه جمال النساء الأوروبيات ووسامة رجالهن، بل تقتل الشخصيات، نعم الشخصيات فبعد أن رأى فخامته وسط السُمر والسود من أمثاله من أصحاب القوارب وهو يصافحهم إذ يحيطون به أمام كاميرات العالم، طارت من شعوره جوعة اليوم، وهو يمعن نظر أكثر في العنوان الموشوم بالبنط العريض وراح يتهجى الحروف ويلصق الكلمات ويراكم الجمل فلم يتوصل لفهم سوى عبار أن الرجل فاز مجددا بالرئاسيات.
أراد أن يتصل بالقائد (سي) هكذا كان ينعت على القارب الذي قادهم عليه من شاطئ الجزائر إلى شاطئ الاندلس، لكنه تذكر أنه أكمل بثمن بهاتفه المحمول رحلة العبور، فخيل له أن كل أثره وأثر خطوه وارقامه قد غسله الماء، وأن عليه الان أن يفكر في الطعام وليس في الكلام هل أخطأ الإجابة عن سؤال الوصول؟
استوقفها ليسألها، فهو تعلم مذ كان ينتقل من قريته إلى مدن الجزائر الكبرى أن يسأل النساء وليس الرجال عن الشوارع والامكنة والادارات، لأن المرأة رحيمة بالغريب، لم ترتح لحاله لكنه رقت لملامح وجهه الحزينة، فراحت تقرأ بسرعة الخبر، سدت فهها بأصابع يدها، احتار هو من تقضب ملامحها وفي سرور الشباب المحلِّق بفخامته في الصورة التي على الجريدة، كفت مناخيره عن جذب عطرها المنبعث من ملابسها الشفافة التي تكشف عن المحظور المختبئ بداخله، تذكر ما وصفه له عائد من باريس في قريته، حين سأله بعد أن وصف له عراء الاوروبيات من تحت شفيف ملابسهن:
- هل هن متاحات هكذا؟
- للنظر فقط؟ نعم..
- كيف للنظر فقط؟
أشار إليه بالنظر إلى الواجهة الزجاجية لبائع الفواكه الغالية وهي مرصوصة ومصفوفة تحت برودة عالية:
- هل ترى الفواكه المعروضة؟
- نعم
- هل تستطيع الوصول إليها؟
- لا
- هكذا عراء الشقراوات بباريس!
عاد إليها وقد استحالت هي الأخرى حاملة لعطر الرطوبة وروائح الأبيض والأسود بل روائح الفحم الذي كان يعود به والده من مغارات المناجم بالجنوب الجزائري.
فجأة سحبت، كما الخنجر عند اليمنيين أو المسدس عند رعاة البقر الأمريكيين، هاتفها المحمول العالق بخصرها، شكلت الرقم بسرعة فائقة من ابهمها الرقيق الانيق المطلي بالأحمر اللماع، ثم بلكنة المارة الباريسيين اسرعت تقول:
- صحيفة لوموند؟
- نعم مرحبا بمَ يمكننا خدمتك؟
- أريد رئيس التحرير (جون)
- عفوا (؟)
- قولي له الصحفية بجريدة الحرية (فاليريا)
ثم راحت تقرأ له مضمون الخبر، إلى أن توقفت عند اسم الرئيس، سمع جون ضحكتها فيما بدا له وسمعت هيا ضحكته، قلبت الجريدة على صفحتها الأولى فتجلت صورة ميتران وسط المهاجرين الأفارقة، فتأسفت له قائلة:
- المعذرة عزيزي جون هذا العدد من جريدتكم هو بعمر هذا الشاب العربي الذي استوقفني لأقرأ له خبر عليها من ثلاثين سنة!
- ماذا قلت؟ من ثلاثين سنة؟
- نعم واضح هذا من تاريخ العدد!
خُيل إليه بعد أن سلمته فاليريا عنوان الجريدة، وأعطته ثمن تذكرة الميترو، أنه قد اغتسل من عتم نفسه، وتخلص من روائح الرطوبة وملح العبور، وما هي إلا مسألة وقت حتى يجلس بأفخم مقاهي الضاحية، يحسو أرفع مذاقات القهوة، ينظر إلى من حوله وهم يقرأون خبر عثور "لوموند" على عددها الضائع من سلسلة الأرشيف منذ ثلاثين سنة، وعليها صورته في حفل تسليمه العدد للإدارة واستلامه لشيك المكافأة من مديرها العام!
نهض من الرصيف مع سماعه أول قرع لكواعب الباريسيات العالية وهن يمضين إلى عملهن، بلا عطر الرطوبة ولا عطور الأبيض والأسود، بل بساتين عابقة برحيق زهورها، كانت صورة فخامته لا تزال عالقة برأسه، وصورة كاترين دونوف لم تزلها عالقة بجسمه في فحولة الصباح البارزة، المحرجة! دنا بأنفه من جسمه كادت حاسة شمه أن تحترق من حمض عطر نفسه، رفل ملابسه، وحمل القطعة النقدية المعدنية الوحيد التي اصطادها منديله الذي كان قد طرحه قبل نومه.. قبل حلمه!

Post A Comment: