تكاد التجربة التاريخ تثبت بأن التداول الحضاري من خلال عنصر التدافع والتنوع فيه، يحتاج إلى حافز نفسي فارق، تمتطيه الأمم والمجتمعات في تحديها للأخر وإثبات أحقيتها بالحضور أو السيطرة الحضارية وهو ما يجعل التاريخ حافلا بمشاهد الصراع شاهدا على قيام النماذج الحضارية وأفول أخرى وفق مرجعيات وخلفيات ثقافية وفكرية ومجتمعية متتالية.
واليوم إذ تبرز الصين كعملاق صاح ينهض على مراحل ليستقيم طوده شامخا في مسرح التاريخ، فإن آليات القراءة الغربية المجترحة لكل التجارب النهضوية التي تنبجس من غير تربتها المسقية بسيل النرجسية وأناشيد المركزية الحضارية، لا تكا تنفك على معاودة اسقاط التجربة الفاشية الهيتلرية على الزعامات الصينية وآخرها الرئيس الحالي "شي جي بينغ" مرتجعة في ذلك إلى عهد الإمبراطورية في طوره الضعيف لتبحث في دهاليزه عن المخزون النفسي في موقف الصينين حيال الغرب ونزعته الاستعمارية التي طحنت ثلاثة أرباع سكان المعمورة علها تجد ما يصيب الناس بالارتعاب والارتهاب من هذا العملاق الصاحي الناهض.
آلة القراء الغربية للقوى الحضارية الناهضة خارج دائرة الغرب الثقافية ونموذجه التاريخي والاقتصادي، ركزت في نقديتها للصين على جرح حرب العفيون التي أغرق الاستعمار المجتمع الصيني في أسواقها ما تسبب في حرب، أذل فيها مجتمع صين وهزم شر هزيمة، ما جعله يحتفظ في طوايا نفسيته بها مطولا إلى أن دقت ساعة الحقيقة وأفق العملاق من غفوته وهو اليوم يكتسح أحس وأدق أمكنة العالم بشركاته، وأمواله وثكناته ما ينذر بعودة الوعي بالنزوع الأممي والقومي وبالتالي عودة الصراعات الدموية الكبرى.
الجرح النفسي التاريخي الذي اتخذه الصينيون أساسا تحفيزيا للقيام مجددا في مسرح التاريخ، يعمل الغربيون من خلال التركيز عليه على مقابلته في الذاكرة البشرية، بالجرح الآري الجرماني الذي استثاره هيتلر بعد المذلة التي لحقت بألمانيا في فيرساي عقبى هزيمتها في الحرب العالمية الأولى ومن خلالها استعمل طاغوت القرن العشرين مشاعر الالمان بأسلوب كيدي أساسه مِراء وافتراء علمي إثنولوجي يمنح الالمان بيولوجيا تاج قيادة البشرية، فكانت النتيجة أحدثت أكبر مذبحة بشرية في أوروبا امتدت للعالم فسميت بالحرب العالمية مع أنها غربية، فكريا، سياسيا عسكريا.
وهنا نقف كعرب لنتساءل عن أي الدوافع النفسي التي بوسعها استنهاض واستثارة الوعي العربي ليحقق قومته الحضارية وينفك عن غطيطه الطويل وسباته العميق الذي بسببه استحال إلى تابع التوابع في سلم الصراع الحضاري؟
المؤكد أن التجارب القومية التي حاول العرب من خلالها بلوغ النهضة المنشودة باءت كلها بالفشل، لأنها كذبت على التاريخ، وادعت أحقية من دون مسند الجرح النفسي وألمه الدافع للقيام، كل ما حصل هو أن أحلام وأوهام نخب قرأت تفسيرات للتاريخ وقصص تجارب الشعوب والمجتمعات واحتفلت وتحالفت في ذلك مع نخب سياسية وعسكرية لمحاكاة تلكم التجارب، وفي هذا الصدد يقول المفكر والكاتب الصحفي العراقي حسن علوي أن فكرة البعث التي نادى بها ميشال عفلق أساسها رؤية للنهوض الحضاري والثقافي للشعوب للفيلسوف توينبي أعاد صياغتها أو بالأحرى ترجمتها لغة واسقطها بنية على تاريخ العرب لا غير !
من هنا نكتشف سر الفشل المتكرر والهزائم المتتالية لكل التجارب العربية في تحقيق نهضة ذاتية تتصل بلحظة القلق البشري كواقع حضري وتتمدد فيه بموضوعية تاريخية خالية من النرجسية الكاذبة، والتصنع والاصطناع التاريخي الوهمي الذي سرعان ما يتهاوى أمام أسئلة التاريخ، فالمسألة إذا لها علاقة بزيف الحقائق والاسقاط الخاطئ للنماذج القرائية والتفسيرية الغربية للتاريخ لا أكثر ولا أقل.
فبين تجربة الصين النهضوية القائمة على نموذج الدولة ـ الأمة وبراغماتية تاريخية كبرى يجتمع فيها الأساس الوحدوي الثقافي الصين تحت سقف النظام السياسي الشيوعي بالاقتصاد الرأسمالي، في حالة متفردة فُتق فيها الأساس الأيديولوجي للنموذج الغربي (الليبرالية) بالبنية التحتية (الرأسمالية) تم بموجبها دحض مقولة "نهاية التاريخ" وبين تجربة الغرب الحضارية المرتكزة أساسا على موروث القوة العسكرية والمادية التي حصلت عليها من خلال حقب الاستعمار وبعد دمار الحرب العالمية الثانية، ومن جهة أخرى على أساس قطري متصل بهوامش رفيعة ثقافيا ورمزيا، كالدين (الحضارة اليهودية – المسيحية) والجذر اللاتيني لغة، يتم بموجبه قبول العضوية في باحته أو رفضها كما حدث مع تركيا (المسلمة) يغيب العرب في فكر النمذجة النهضوية والانتقال الحضاري، لا يفلحون في المدار القُطري، ولا ينتظمون في المسار الأممي، ويظل زادهم في المعترك الحضاري الحاصل، مجرد حركات وجماعات وطوائف خارجة إما من سراديب الماضي باكية متباكية على أثر أو بشر تنتظر عودته ودعوته، أو من مجموعات وجامعات متخمة بالنظريات الناقدة والخطابات النقدية الناقمة على وجود فكرة الأمة والنسق والحضور في التاريخ، تطالب باسم الموضوعية الذوبان في ظلال العملاقة المتصارعين وعدم الاستمرار في تكرير وتقرير أوهام لا يكذبها التاريخ وينقضها الواقع.
بشير عمري
كاتب جزائري

Post A Comment: