في فجر الجمعة الموافق 27 من شهر صفر سنة 14 من البعثة النبوية الشريفة الموافق 13 من شهر سبتمبر سنة 622 م .

 هاجر رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، انصياعا لأمر الله تعالى بعد ثلاث وخمسين سنة قضاها رسول الله ﷺ في مكة. 

وكان في هذا الحدث العظيم كم هائل من الدروس والعبر التي يجب على كل مسلم ومسلمة استرجاعها في كل احتفال برأس السنة الهجرية حتى تتحقق الفوائد المرجوة من هذا الاحتفال .

🌾من دروس الهجرة :

أولاً : درس في التأكيد على حتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل:

الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل من ضرورات الحياة الدنيا ، والحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا بل يحتاج إلى المؤمنين به الذين يبذلون الغالي والرخيص من أجل الانتصار له، وإعلان كلمته في الأرض .

وللتدليل على ذلك نستعرض واقع مكة المكرمة قبل الهجرة مباشرة. 

فقد رأى كفار ومشركو قريش أن انتشار الإسلام في يثرب يشكل خطرا كبيرا عليهم ، فدعوا إلى اجتماع في دار الندوة حضره صناديدهم ليتدارسوا الأمر ، وبعد تداول الأمر تكلم في هذا الاجتماع أبو البحتري بن هشام ، فاقترح حبس رسول الله ﷺ فرفض اقتراحه ، واقترح الأسود بن عمرو نفيه إلى خارج مكة فردوا عليه اقتراحه قائلين : 

"ليس هذا برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وقوة منطقه ، فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولى على نفوسهم ، ويحل في سويداء قلوبهم؟

 بعد ذلك تحدث أبو جهل عمرو بن هشام زعيم بني مخزوم من قريش قائلا :

 "أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى ، شابا ، جليدا ، نسيبا ، وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ، ويذهبون حيث محمد ، فيضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل كلها ، فلا يستطيع بنو عبد مناف قتال الجميع ، فرضوا منا بالعقل أي : الدية، فعقلناه لهم"،.

 فاستحسن الحضور الرأي ، وقرروا إخراجه إلى حيز التنفيذ . 

وعلى الفور أخبر الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله ﷺ بتفاصيل المؤامرة التي أنزل بشأنها قرآنا يتلى إلى يوم الدين.

 يقول فيه ربنا تبارك وتعالى: 

وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.

 (الأنفال: 30). 

ويقول: 
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُون

 (التوبة: 20).

🌾ثانيا : درس في حسن التخطيط لكل أمر مع التوكل على الله :

أمر الله سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله ﷺ بالهجرة من مكة الى المدينة ، فبدأ بالإعداد لذلك آخذا بكل ما لديه من الأسباب ، فكتم أمره حتى عن صاحبه الذي أخبره الله تعالى أنه سيرافقه في هجرته.

 فطلب منه أن يجهز لرحلة الهجرة  ، فابتاع راحلتين احتبسهما في داره ، يهيئهما للرحلة الطويلة ، كذلك عهد رسول الله ﷺ إلى ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه ليلة الهجرة ، حتى يرد ما كان عند رسول الله من أمانات لكفار ومشركي قريش ، وأن يتسجى ببرده صرفاً لأفئدة المتربصين.

وتروي أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في حديثها عن الهجرة قائلة : 

كان رسول الله ﷺ لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان ذلك اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه ، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال :

 ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا لأمر حدث .

 فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول ﷺ وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء ، فقال رسول الله :

 أخرج عني من عندك فقال : إنما هما بنتاي بأبي أنت وأمي ، فقال رسول الله ﷺ :

 أن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة ، فقال أبو بكر :

 "الصحبة يا رسول الله، قال ﷺ: الصحبة".

 فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ، وأعد أبو بكر دليلا ليصحبهما في الرحلة إلى المدينة ، وأمر ابنه عبد الله أن يجمع لهما أخبار أهل مكة ، وأمر خادمه عامر بن فهيرة أن يرعى الغنم في جنوب مكة ليعفو على آثارهما إذا تحركا ، ودرب ابنته أسماء رضي الله عنها على حمل الطعام والشراب وعلى تسلق الجبال لإيصاله إليهما .

🌾ثالثا : درس في الإيمان برعاية الله تعالى لنبيه :

في العتمة من ليلة الهجرة النبوية الشريفة ، طوق بيت النبي أحد عشر شابا من كفار قريش المتوشحين بالسيوف يرصدون كل حركة فيه. 

وعند منتصف الليل قام  ﷺ  ليخلفه علي بن أبي طالب في فراشه ، وخرج من بينهم دون أن يشعروا به لأن الله  تعالى كان قد أغشى أبصارهم .

 ثم تحرك للقاء أبي بكر لينطلقا في رحلة الهجرة ، عامدين إلى غار ثور .







Share To: