الجندي المجهول نصب تذكاري وضعته الدول المتحضرة تخليدا لتضحيات من سقطوا سهوا او عمدا من سير التاريخ..لكنهم تناسوا  شخصيات أخرى افنت أعمارها بلا ضجيج..او أثر..عاشت على  هامش المجتمع وغادرته في صمت..!! أيجب أن يموت الانسان في ساحة الوغى حتى يتم الاحتفاء به ؟ لماذا لا ننفض عن المنسيين الغبار..الذين جاءوا الى الدنيا بالصدفة وقضوا نحبهم بلا صخب..؟ كل مخلوق سيفنى مهما طالت أيامه..فلمَ  هذا التمييز حتى في الموت؟ ألا يكفي ما تعرضوا له في حياتهم من ظلم وتهميش؟..
ما اكثر المجهولين الذين عبروا هذه الحياة ولم يعرفهم احد..غير أنهم عاشوا أعمارهم بكاملها..تذوقوا فيها  علقم الأيام ولم يشهدوا متعتها الا لماما..!!
أنا رافقت أحد هؤلاء..كان بسيطا  في ثيابه لايلبس الا ما ستر.. راضيا بما يأكل من الطعام النزر..اختار مهنة الانبياء لسنوات عديدة..اتبع خطوات الماشية في السهل والوعر..حماها وسقاها..فرحمته من ذل السؤال..
لم يكن يفك الحرف كأغلب الناس في جيله..تربى يتيما..عاش كيفما اتفق..لم يذق من طيبات الحياة شيئا..ظلمته الظروف كثيرا.. لم يعرف سكنى البيوت الا الخيام او ما حفر في الجبال.. ومن سخرية الاقدار  كان يدعى " فرح" ربما بسبب عادة  العرب في تسمية الاشياء بأضدادها..!
ترعرع في بيئة قاسية..فقر مدقع وخصاصة أليمة..امتهن كل الاعمال الموسمية البسيطة في ذلك الريف المتواضع..ثم قضى ردحا من الزمن خلف المواشي..يرعاها ويسقيها بأجر زهيد..لم يصب من مباهج الدنيا شيئا..غير أنه كان ضحوكا على مر الأيام..ساخرا من تصاريف الدهر..موقنا في قرارة نفسه بتفاهة الحياة التي خدعت الانسان طويلا..!!
لم يستطع جمع مال يقيه غوائل العمر..فالفرص كانت منعدمة..عاش على الكفاف..أنعم  الله عليه ببسطة في الجسم..استغلها في أعمال شاقة وفرت له ولعائلته اللقمة بجهد جهيد..!غير أنّ  كان يحمل روحا مرحة بين جنبيه ..جعلته صاحب دعابة لطيفة  ومقالب طريفة..بقيت تؤثث أحاديث الناس ومجالسهم ممن عاصروه..!!وهل الإنسان إلاّ ذكر طيب وحديث حسن؟
قلب أبيض ناصع رغم سواد بشرته..لسان حلو رطب رغم شظف عيشه..طمأنينة بادية على محياه رغم الأوجاع..قناعة نفس عفيفة رغم تردي الاحوال.. باختصار شخص ثقة في زمن الأوغاد..كل تلك الأوصاف تجعلك تحبه من أول لقاء..أو حديث عابر.. ترتاح له بلا سبب..لأنه يحمل بين جنبيه روح طفل صغير..لم تغادره حتى مماته..!
فالأنقياء كالذهب بريقهم يكشف معدنهم النفيس..!!
كان كثير الحركة..ميالا الى السخرية..محبا للمقالب المضحكة..ولقد دأب في بعض سنواته الى اخافة بعض المارة خاصة في الليل..يختار مكانا بين جبلين في ذلك الريف الموحش..في بقعة معزولة مخيفة..حيكت حولها الأساطير والخرافات..حيث تناقل الأهالي أحاديث كثيرة تزعم  وأن العفاريت تسكنها..فلم يسلم  أحد دون أن يتعرض لموقف محرج..فاستغل بطلنا ذلك..وصار يكمن هناك احيانا..وكلما مر شخص أخافه ..وأدخل في نفسه الرعب..في مشهد كوميدي طريف..كثيرا ما تداوله الناس في مجالسهم بروايات شتى..!!








Share To: